الـــــست جِـــــــندلـــــة (ر)
إعداد السيدة سهام ناطور (عيسمي)

الست جندلة، مؤمنة فاضلة من صفوف الموحدات، نذرت حياتها للدين والزهد وعبادة الله، وكان معلمها ومرشدها وهاديها الأمير السيد (ق) التنوخي الذي جمع الرسائل وشرحها ووضع القوانين والتعاليم التي ما زاتت متبعة حتى اليوم. ولدت الست جندلة في بلدة عين كسور في لبنان، وهي تعود بنسبها إلى عائلة أبي المكارم المعروفة اليوم بعائلة أبي مصلح. لم يُعرف بالضبط تاريخ ولادتها الدقيق ويُقدّر أن تكون ولادتها سنة  1434 م. أما وفاتها فمن المرجّح أنها في بداية القرن السادس عشر الميلادي 1503م، استنادا إلى ما تناقلته أجيال العائلة عن هذه المتصوفة العابدة. كما أنه لم يُذكر لها اسم أخ ولا أخت ولم يُعرف اسم والدها ولا والدتها للتعتيم الذي كان يرافق حياة النساء في ذلك العصر.
كانت هذه الفاضلة الورعة التقية النقية الطاهرة العفيفة المتعبدة المتصوّفة المشهود لها بالحشمة والوقار والوفاء أولى تلميذات الأمير السيد (ق) وكان الأمير السيد (ق) يحترمها ويجلها ويقدّر توحيدها ويعيرها جل اهتمامه لأنها قريبته وأخته في التوحيد. 
لم تدخل مدرسة في طفولتها لكنها انتسبت إلى المدرسة الروحية للأمير السيد (ق) تُشغل فكرها بما تسمعه وتملأ روحها بما تحفظه من الأدوار وتخزن في ذهنها كل ما تلقفته من تعاليم الأمير السيد (ق) لتلاميذه وللأجاويد، مُقبلة على كتابها تقرأه وتراجعه وتكرره، فصارت تقرأ الكتاب غيبا، ومع أنها لم تكن تعرف القراءة، لكنها توصلت بعمق إيمانها وبحدسها وباجتهادها وبتفرغها الكلي، إلى الاندماج والانسجام لعلم التوحيد، فسهُل عليها الحفظ، وتمكنت من استيعاب هذه الطاقة الروحية الكبيرة، فحفظت ما تيسر لها من كتب وشروحات وتعاليم.
وقد سارت على نهج الأمير السيد (ق) في إيمانها بالله العلي القدير، وبسرائر العباد، تخاف الله، وتؤمن أن الرزق موفور في الأرض للصالحين، وأن الله سبحانه وتعالى، ما خلق نفسا إلا وأعطاها ما تستحق، وأنه ما أوجد إنسانا إلا وفتح له أبواب المعيشة وموارد الرزق. وهكذا فهمت سرّ دينها وعلاقتها بخالقها، وهكذا فهمت علاقة النفس بالعقل، فبلغت أرقى درجات النقاء الروحي في فكرها وعملها.
وتقيُّدا بمسلك الزاهدات الفاضلات المؤمنات، تخلّت عن الدنيا ومباهجها، واقتنعت باليسير تسد به رمقها، واكتفت بالبسيط من متاع البيت والمُلك، وهي ابنة الجاه والمال، لكنها فضّلت الروحانيات على الماديات، وآمنت بالنفس البشرية وقوتها وقدرتها، وأنها أعظم ما يملكه الإنسان.
 وكعادة النساء الفاضلات، كان بيتها ملتقى النساء، تأتين إليها للتبرك، والصلاة، والعبادة، وحفظ الكتاب، وسماع الأناشيد الروحانية، ومراجعة المضمون، وتزويد الشروحات. وقد وهبها الله، سبحانه وتعالى بالإضافة إلى نفسها النقية الطاهرة، صوتا جميلا، وإلقاءً بارعا، فكانت تنطلق بالترتيل، فترتعش قلوب النساء، كما أنها كانت تسترسل وتبرع بالوعظ والحديث، تتألق إلى آفاق سماوية عالية.  وقد توّجت كل أعمالها هذه ببقائها عفيفة طاهرة، بتولا صادقة تقية ورعة، رفضت الزواج بتاتا، بالرغم من أنه ذاع صيتها في كل الأرجاء.
وقد وُلدت الست جندلة كما قلنا في بلدة عين كسور وعاشت ونشأت في بيت والدها الذي ظل أكثر من أربعمائة سنة قائما، وهُدم في حرب الشحّار عام 1984 من قِبل القوى الغاشمة الذين عاثوا فسادا في المنطقة وهدموا المقدسات، ومنها هذا البيت التاريخي المقدس. وكان البيت من الحجر، وفي واجهته قنطرة كبيرة، وكانت إلى جانب بيتها قطعة أرض صغيرة، فيها بعض أشجار العنب والتين، فكانت تقتات منها، وتقدم لضيوفها، كما كانت تصنع بعض الكعك بيديها وتقدمه لزائريها. ولما توفيت، لم يجدوا في بيتها ذهبا أو مالا أو أملاكا، سوى ثوبين كانت تلبسهما.  وقد عاشت حوالي ستين سنة، قضتها كلها في التبحر بالشؤون الدينية، وفي الحفظ والمراجعة والتكرار، وفي استقبال السيدات الفاضلات، والقيام بالمذاكرات. وبعد رحيلها إلى رحمته تعالى لم يُبنَ لها قبر ولا يُعرف بالضبط أين دُفنت.
وقد توفي الأمير السيد (ق) عام 1479 وهي في أوج عطائها، ونقاء سريرتها، وكامل إيمانها وتقواها. وقد قامت بالحداد عليه مدة أربعين يوما، معتكفة داخل بيتها، لا تخرج ولا تمارس حياتها العادية، لكنها لم تذرف دمعة واحدة، لأنها كانت تعتقد أن البكاء على الميت معصية، وهو إنكار لإرادة الله ومشيئته.
من أقوالها المأثورة:
لتتعلم كل واحدة منكن القراءة فهي باب الثقافة، والثقافة هي حصن المرأة وجناحها.
بالعلم نصل إلى التوحيد، ومدرسة الأمير السيد (ق) هي خير السُّبُل إلى العلم الصحيح.
من تصون نفسها، يصونها الله.
أذكروا الله ، يذكركم الله.
من سلّف هم غدائه لعشائه فذلك من قلة يقينه بمولاه.
المليح مليح من منشأه.




 

المرجع :  كتاب الظاهر الخفي |  تأليف الأستاذ حافظ أبو مصلح.