فـي أي منطقة من الدّماغ نحن نتكلم؟
بـحث جديـد فــــي جــامعة حيفــا ومـستشفى رمبام

بقلم الدكتور الشيخ رفيق ابراهيم

في بحث أجراه الدكتور رفيق ابراهيم, المتخصص في علم النفس العصبي من مستشفى رمبام, الباحث والمعيد في جامعة حيفا في قسم العوائق التعليمية في الدماغ  , والذي نشر في المجلة العلمية المتخصصة , سلّط الضوء من خلاله على التمثيل الدماغي للغة الأم واللغة الثانية لدى الأشخاص ثنائيي اللغة.
 تمثلت الدراسة بفحص مريض في البلاد, لغته الأم العربية, ولغته الثانية  العبرية التي يتقنها بطلاقة. وتم التوصل من خلالها الى نتيجة مفادها : أنه للغة الأم وللغة الثانية تمثيل خاص ومختلف عن الاخرى في الدماغ.
 وتمّ التّوصل إلى نتائج البحث من خلال مراقبة التغيّرات الحاصلة لدى مصاب بإصاباتٍ دماغيّةٍ في مرحلةِ تماثُلِهِ للشِّفاءِ.  فالفحوصات اللّغويّة التي مرَّ بها خلال الفحص أشارت الى تحسُّنٍ في مهاراتِ لغة الأُم, العربيّة, بشكلٍ أسرع بكثير من مهارة لغته الثانية, العبريّة.
إنَّ قضية تمثيل اللغات المختلفة في الدماغ البشري لا تزال غامضة والأكثر منها غموضًا طريقة تمثيل لغات بينها تشابه واختلاف. فقد أشارت دراسات عديدة بأن جميع اللغات المكتسبة تتمركز في منطقة واحدة في الدماغ، بينما أشارت دراسات أخرى إلى أنّ اللّغات الثّانويّة تتمركز في مناطق أخرى تختلفُ عن لغة الأم.
وبحسب أقوال الدّكتور إبراهيم, تعدّدت أساليب بحث هذه الإشكاليّة, إلا أنّ الطّريقة المُثلى لفهم التّمثيل الدّماغي لثنائيي اللّغة هي فحص تأثير الإصابات الدّماغيّة المحدّدة على لغة الأم واللّغة الثّانية. ويضيف الدكتور إبراهيم: بأن غالبيّة الشّواهد على هذه الظاهرة نبعت من أبحاث ومشاهدات إكلينيكيّة على مصابين لغتهم الأم هي الانجليزيّة أو لغات أوروبيّة, بينما عدد قليل من الأبحاث تطرّق إلى اللّغات السّاميّة وبالأخص اللّغتين العربيّة والعبريّة.
 إنّ إيجاد شخص لغته الأم عربية ويُتقن لغته الثانية, العبرية بدرجة عالية, وفي نفس الوقت تعرض لإصابة دماغيّة محدّدة أثّرت على المهارات اللّغوية، ليس بالأمر السّهل, بل إنّه أمر  لا بد منه بالنسبة لهذه الدراسة.
تمحور سياق البحث حول دراسة رجل ثُنائي اللّغة (41 سنة) لغته الأم هي العربيّة ويتقن العبريّة وستخدمها بشكل مكثّف ودائم في حياته العملية،  باعتبارها لغته الثّانية، بشكل قريب للغته الأم، وهذا الشخص مثقف يحمل اللقب الجامعي الأوّل.
تعرّض هذا الرّجل لإصابة دماغيّة، تضرّرت من جرائها مهارات اللّغة لديه (الاسم العلمي للاصابة هو "ديسفازيا -Dysphasia)، وقد لازمته الإصابة حتى بعد مرحلة "الإشفاء" الّتي مرّ بها. وفي مرحلة العناية, طرأ تحسّن ملحوظ في مهارات اللّغة العربيّة بالمقارنة مع اللّغة العبريّة، وبعد العلاج، تبيّن من خلال تشخيصات لغويّة وفحوصات للمهارات الإدراكية, أنّ اللغة العبرية تضرّرت بشكل أكبر وبصورة أوضح بالمقارنة مع اللّغة العربيّة.
يقول الدكتور إبراهيم، إنّ ضررا ًمحدّداً في القدرات اللّغويّة كالموجودة لدى الشخص الذي تمحورت حوله الدّراسة أعلاه, لا يكفي لأن يُشكل نموذجاً حول المبنى التّمثيلي للّغات في الدّماغ, إلا أنّه يّشكّلُ خطوةً هامّةً في هذا الاتّجاه وبشكل مخصوص بسبب تطرقه للغتين تتقاربان في الجانب النّغميّ, البنائيّ والنّحوي.
د. رفيق ابراهيم باحث من أبناء الطائفة الدرزية يحاضر في جامعة حيفا ويجري بحوثه في مستشفى رمبام بحيفا.