أمير البيان شكيب أرسلان في بلادنا
بقلم د. سلمان حمود فلاح
الأمير شكيب ارسلان (1860-1946) العلاّمة والمفكر والزعيم السياسي الكبير، هو أحد أعلام الفكر العربي في القرن العشرين، ولقد كان له حضور كبير، ونفوذ هائل في الحضارة الإسلامية، وفي الأوساط العربية، وفي المجتمع العالمي، في النصف الأول من القرن العشرين. وكان الأمير شكيب ارسلان مفكرا ، كاتبا، عملاقا، اكتسب تقدير واحترام كافة المفكرين المسلمين والعرب في عهده. فقد كان على اتصال وعلاقات فكرية مع غالبية المفكرين المسلمين والعرب في تلك الفترة، وكان الجميع يقدّرونه ويحترمونه. وقد اصدر الأمير شكيب عددا من الكتب التي أحدثت ضجة كبيرة عند صدورها، وتناولتها أقلام الكتّاب والمفكرين، كما كان غزير الإنتاج من ناحية كتابة المقالات وإرسالها للنشر في الصحف المختلفة، وقد تصدّرت مقالاته وتعليقاته صفحات كبريات الصحف العربية في عهده.
وقد انبثق الأمير شكيب ارسلان من الدوحة المعروفية العريقة، ولم ينسَ جذوره ومصادرها، فقد نشر عدة مقالات، دافع فيها عن المواقف التوحيدية الدرزية، وأسكت أولئك الذين حاولوا أن يتعرّضوا للطائفة. هذا وقد قام الأمير شكيب بزيارة بلادنا أكثر من مرّة، ففي المرّة الأولى، قام بجولة عام 1904 إلى منطقة الجليل، حيث مكث فترة بجانب بحيرة طبرية، وقام بزيارة لمقام النبي شعيب عليه السلام في حطين، ولمّا عاد نشر معلقة شعرية رائعة عن زيارته هذه، عبّر فيها عن شعوره واختلاجات نفسه، حينما توقف في المناطق التاريخية في الجليل. وقد نًُشرت هذه القصيدة في أحد الأعداد السابق لمجلة "العمامة".
 وفي المرّة الثانية، زار بلادنا، وخاصة قرية دالية الكرمل، التي نُكبت عام 1915 بحادث مأساوي فظيع، عندما تفجّرت مخازن الأسلحة التي وضعها الجيش العثماني في قلب دالية الكرمل، وأدّت إلى مقتل ثلاثين مواطنا من القرية، وثلاثين جنديا عثمانيا، وإلى هدم مجموعة من بيوت القرية.  وفي أعقاب هذا الحادث، قام القائد جمال باشا، قائد القوات العثمانية في الشرق، يصاحبه الأمير شكيب ارسلان، بزيارة القرية والاجتماع إلى أهلها، فاستقبلهم مخاتيرها وسكانها بالترحيب، خاصة لشخصية الأمير، وكان لقاء جمال باشا وبالتأكيد بتأثير الأمير عليه، كان سخيّا ومرنا في التجاوب مع السكان، فبالرغم من أنه كان معروفا بصلابته وشدته وقسوته، إلا أن كل ذلك ذاب، عندما زار القرية وشاهد بأمّ عينيه الخراب والدمار والقتل الذي حصل، فأمر بإعادة بناء البيوت، وأمر بتسريح الجنود أبناء القرية الذين استُدعوا للخدمة في الجيش العثماني، كما أعطى التعليمات بعدم تجنيد شباب القرية في الخدمة العسكرية بالرغم من أن الحرب كانت ما زالت مستعرة وشديدة، والقوات العثمانية بحاجة لكل جندي في صفوفها. وقد اجتمع السكان في ذلك الوقت، بالأمير شكيب وتحدّثوا إليه، واهتم هو كذلك بالاطلاع على شؤونهم وأمورهم، ووعد أن يوصي الوالي العثماني في المنطقة بالاهتمام بهم وبالعمل على مساعدتهم.
وقد عاد الأمير شكيب إلى لبنان، ومنها انتقل للسكن في أوروبا، ومن هناك بعث بكل مقالاته للصحف، وكانت اتصالاته مع الجميع بواسطة البريد، فلم يغب لحظة واحدة عن الساحة، إنما جلس في بيته في سويسرا، وكان يحرر كل يوم عدة مقالات ويبعثها إلى صحف مختلفة، كما أصدر بعض الكتب، وكان دائما يقظا لما يجري ومتعقبا للأمور.
وقد انتقل الأمير إلى رحمته تعالى عام 1946 وأحدثت وفاته هزّة في العالم الإسلامي والعربي بأكمله، وتناوبت جميع الصحف في حينه نبأ وفاته، وكتبت عنه وعن شخصيته وعن أعماله ومآثره، وجرت له في كافة الدول العربية وفي المهاجر، مواقف تأبينية، عدد فيها الخطباء أعماله المجيدة، وحللوا أفكاره وشخصيته. وكان من أهم هذه المواقف، الاحتفال التأبيني الكبير الذي جرى في مدينة يافا، بحضور شخصيات مرموقة من الزعامة العربية في شرقي الأردن وفلسطين. وقد وُجّهت دعوات إلى زعماء الدروز في البلاد، لحضور هذا الحفل الـتأبيني الكبير، ودُعي إليه المشايخ والسادة : الشيخ سلمان طريف، والشيخ حسين كريف والشيخ فرحان حمادة طريف من جولس والشيخ صالح خنيفس والشيخ حسين عليان والشيخ عطا الله عبيد من شفا عمرو والشيخ سلمان خير والشيخ قاسم سلمان الصالح من أبو سنان، والشيخ علي ملحم معدي والشيخ جبر داهش معدي والشيخ مرزوق سعيد معدي من يركا، والشيخ فرّاج الصالح من الرامة، والشيخ زايد ابو ركن والشيخ لبيب أبو ركن والشيخ نجيب منصور من عسفيا، والشيخ جميل حسون والشيخ حسين أسعد حسون والشيخ قفطان حلبي من دالية الكرمل، والسيد عبد الله خير قائم قام طبريا والسيد يوسف بك حسين علي والشيخ سليم خير من البقيعة. وقد حضر  منهم بالفعل الاجتماع التأبيني الشيخ أبو علي قفطان حلبي والشيخ جميل حسون والشيخ أبو محمد خير نمر حلبي والشيخ أبو فوزي حسين اسعد حسون من دالية الكرمل ، والشيخ سلمان طريف من جولس، والشرخ فرّاج صالح من الرامة، والشيخ لبيب أبو ركن والشيخ نجيب منصور من عسفيا وحضر عن إقليم البلاّن الشيخ اسعد كنج أبو صالح ونجله الأستاذ كمال أسعد أبو صالح. 
ولنا عودة إلى الموضوع بشكل أوسع في عدد قادم.