موقف تأبيني لفضيلة المرحوم الشيخ أبو صالح فرحان العريضي في مقام سيدنا الخضر عليه السلام
بقلم الأستاذ الشيخ علي المن

قام فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، بدعوة المشايخ وأعيان البلاد، لاجتماع تأبيني في مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، بوم الجمعة الموافق السادس عشر من شهر كانون ثاني 2009، للمرحوم فضيلة الشيخ الراحل أبو صالح فرحان العريضي، الذي انتقل إلى رحمته تعالى قبل ذلك بأيام في بلدة بيصور في لبنان، تاركا في بلادنا عددا كبيرا من المعارف والأصدقاء، يذكرونه بالخير، ويتأسفون على رحيله. وقد ولد الشيخ أبو صالح فرحان عام 1931 وكان علما من أعلام الطائفة الدرزية، وقام بزيارة بلادنا،  حيث اجتمع بمشايخ البلاد، بعد عام 1982 وبعد أن فُتحت الحدود، فتم لقاء حار لفضيلته مع إخوانه في البلاد هنا وفي لبنان.
وفي الساعة المحددة، حضر مئات المشايخ والوجهاء من كافة القرى الدرزية، واجتمعوا في قاعة المقام الجديد لسيدنا نبي الله الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، وكان الجميع يواسي أحدهم الآخر، ويقدمون التعازي، وكأن كل واحد منهم هو صاحب الأجر. وكان الشيخ علي معدي عريفا لهذا الاجتماع التأبيني، فوقف وألقى الكلمة التالية، مفتتحا الاجتماع:
" بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم
"لله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا صدق الله العظيم"
بعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس مسلّمة راضية، تلقينا نبأ وفاة العالِم العامل، والجليل الطاهر، صاحب الطلعة البهية، والأخلاق المرضيّة، ذي الهيبة والوقار، والرزانة والاعتدال، الشيخ أبي صالح فرحان العريضي، رحمه الله.
لقد سمعنا عن المرحوم الكثير، وتعرّفنا عليه عن كثب أثناء زياراتنا للمحل الأزهر الشريف"خلوات البياضة"، وأفضل علينا بالمرافقة مع العديد من مشايخنا في لبنان أثناء زيارتنا للأهل في سوريا.
لقد سلك المرحوم منذ نشأته مسلك السلف الصالح، في الطاعة والديانة، والتّقى والأمانة، في الهيبة والأدب والوقار، والرزانة والحِلم والتذكار، في العقل الرشيد، والرأي السديد، في الفكر الثاقب الصائب، والعلم الواسع الراجح، فأضحى مرجعا وموئلا ومقصدا وسندا.
لقد أخذ المرحوم على عاتقه إحياء ذكرى السلف الطاهر من المشايخ الأعيان، فقرأ وبحث ودوّن، وسال وقارن وسجّل على مدار سنين عديدة، فجاء كتابه "مناقب العيان" عينا بين الكتب الأعيان.
لقد شاءت الإرادة الإلهية والمشيئة الربانية، أن يرحل عن هذه الديار الفانية، بعد أشهر قليلة من استشهاد نجله البكر "صالح"، فضرب يومها مثلا أعلى في الصبر والاحتمال، في التسامح والاعتدال، في الوحدة والتلاحم، ونبذ الفتنة والتخاصم.
إننا إذ نشاطر التعازي الحارّة إخواننا آل العريضي الكرام، نرفع تعازينا القلبية باسم لجنة التواصل والأهل في الداخل، لمشايخنا وأهلنا في لبنان العزيز، وفي أنحاء القطر العربي السوري، وعلى رأس الجميع سيد هذه العشيرة، وعميد هذه الدوحة، شيخنا وسيدنا الشيخ أبي محمد جواد ولي الدين أطال الله لنا نعمة وجوده وبقاه.
سائلينه تعالى أن يغدق على ضريح فقيدنا الغالي، سجال عفوه ورحمته، وأن يعوّض علينا من ذريته خلفا يحذو حذو السلف، وإنا لله وإنا إليه راجعون – الله يرحمه – "
ودعا الشيخ علي معدي فضيلة الشيخ موفق طريف لإلقاء كلمته وهذا نصها:
"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سبحان من حكم على خلقه بالموت والانتقال، وتفرد بالعظمة والسلطان والإجلال، له المُلك والقدرة والبقاء وليس لمجدِ عزته انتهاء..، وهو المبدي المعيد، الفاعل لما يريد، جل جلاله.
قد مات وما ماتت مكارمهم، ومات قوم وهم في الناس أحياء.
شيوخنا الأجلاء، أيها الحضور والمؤبّنون الأكارم:
لقد شاء القدر بأن نجتمع اليوم في هذا المقام المقدّس الشريف، مقام سيدنا الخضر عليه الصلاة والسلام، بمعيّة مشايخنا الأعزاء من الجولان، والكرمل والجليل، من أجل إقامة هذا الموقف التأبيني والعزاء بمناسبة فقدان الراحل الجليل، والعالِم العلاّمة الفضيل، المجاهد المفيد، والمرشد الرشيد، العلم الزاهر، والعنصر الطاهر، فقيد أهل الدين والطاعة أجمع، المغفور له فضيلة الشيخ أبو صالح فرحان العريضي، من بلدة بيصور- لبنان. تغمّده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح روض جنّته.
لقد انحدر الراحل الكريم الشيخ أبو صالح فرحان رحمه الله من عائلة عريقة الحسب والأصل، لها مكانتها الدينية والاجتماعية، وأن خسارته حقا لهي خسارة فادحة وجسيمة على الطائفة كافة. وأن بفقدانه فقدت الطائفة علما من أعلامها، وركنا من أركانها، وعينا من أعيانها، كيف لا وقد كان معروفا لدى الجميع بشخصيته البارزة الفعّالة دينيا واجتماعيا وعلميا. كان كنزا غنيا بالجواهر، وموسوعة علم ومدرسة أدب وأخلاق، وكان العالِم المجدّ الحاذق، والبحّاث المتبحّر البالغ، كان كريم السجايا المتواضع الموهوب، والشيخ التقي النقي الطاهر السادق الأمين الديّان، صاحب الآراء السديدة، والخطوات الرشيدة، والصفات الحميدة، ومن ثم  كان الدؤوب المُصلح الفعّال، والمحسن المسامح الحليم المفضال، ذا المواقف المشرّفة، والمساعي الحميدة لرأب الصدع والوفاق والإصلاح، وذا القلب الطيب المليء بالحكمة والعقل والفضل والوفاء ، لقد ضحّى وخدم وبذل كل ما بوسعه اتجاه مصالح مجتمعه وطائفته. فكم أسدى رحمه الله من الأيادي الكريمة وصنع المعروف والإحسان والمبرّات. فقد غاص هذا العلاّمة في بحار علوم الحقيقة واستخرج الجواهر والدرر، فألّف بدوره كتبا قيّمة وترك للمجتمع التوحيدي تراثا مجيدا، وقام بما لم يقم بمثله سواه، فكتبه تحتوي على ثروة  طائلة وكنوز جوهرية، وقد أحيا بها مناقب الأعيان، ومآثر الأعلام، وذكريات السلف الصالح، فكشف بذلك ما كان خافيا، وحقق ما كان دارسا، كما وأن الجدير بذكره هنا أن ريع جميع هذه الكتب جعلها المرحوم راجعة إلى مدرسة الإشراق الخيرية في عاليه، فجازاه الله تعالى عن هذه الدوحة المعروفية خيرا وثوابا وأجرا. فقد غرس فجنى، وزرع فحصد، ورحل مزوّدا بالطاعة والإيمان والأعمال الصالحة.
رحمك الله وهنيئا لروحك الطاهرة الرضية يا شيخ أبا صالح فرحان. فتلك عقبى الدار للمتقين بجنة الخلد ونعيم الجنان.
ومن هنا ومن رحاب هذا المقام الشريف المقدس، نرفع ونبعث باسم حضراتكم جميعا، أحرّ تعازينا واخلص مشاعرنا إلى حضرات كافة مشايخنا وإخواننا وأهلنا الأعزاء في لبنان وسوريا، وعلى رأس الجميع سيادة الشيخ الحكيم المسدد المفضال، حجة العصر وبيضة الزمان، وسلطان الأمة، فضيلة سيدنا وشيخنا الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين الموقر أعزّه المولى سبحانه وأسعده وأعانه ووفقه وأيده. تعازينا الخاصة إلى أنجال المرحوم وأقاربه وذويه الأكارم. رحم الله الراحل الفاضل، أساله تعالى بأن يؤاجركم ويجزل ثوابكم، وأن يعوّضنا بسلامة حضراتكم جميعا. والحمد لله في السراء والضراء، وإنا لله وإنا إليه راجعون."
ودعا عريف الاحتفال الشيخ علي معدي، الشيخ أبا كمال حسن علم الدين أبو صالح، مندوبا عن دروز هضبة الجولان فألقى الكلمة التالية:
" بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحمد لله الواهب نعمته لبريته، الموفق لمن اجتهد في رضاه وطاعته، وهو حسبُ كل امرئ وكفايته، وصلى على أفضل عباده وأشرف خلقه وبعد، فإنه لما سبقت الإرادة الإلهية ونفذت المشيئة الربانية وحانت المنيّة بأمر خالق البرية بوفاة الشيخ الفاضل الفضيل، التقي العالم العامل، العلم المنير، المرحوم الشيخ أبو صالح فرحان العريضي رحمه الله. الناشر والموثّق عن سيرة السلف الصالح سادتنا وشيوخنا بدءا من أمراء آل تنوخ سيدنا الأمير (ق) ومشايخنا الذين سطّروا مناقب حميدة وأعمال سديدة لتكون لنا سلما ومعراجا لرضا رب البرية .
لقد كان المرحوم من أجلّ الإخوان المعاصرين عمرا وقدرا، ومن أكثرهم لطفا ورقة، ومن أطيبهم ملقى وبشاشة واستقبالا. وكان ذا عقل وسياسة وبصيرة وأفعالٍ صائبة مقرونة بأقوال سادقة مطابقة، تنمّ عن سريرة طيبة نقية مرافقة لأنه قد حنّت في الديانة بصيرته فطابقت ظواهره سريرته. وكان عقله رجيحا ولسانه عذبا فصيحا وصدره منشرحا فسيحا .
ومن المعروف أن المرحوم عريق النسب، شريف الحسب، كامل الأدب، ذو نفس أبيّة وأخلاق رضيّة. كان متواضعا محاسبا لنفسه، ناظرا في عيبه، مقبلا على ربّه، معرضا عن عيوب الناس، تقيا وفيا, وقد خصّه الله تعالى بفقد ولده الغيور المثالي في تصرفاته، الموهوب الشيخ صالح في حادث اغتيال بفيض حاقد هدفه التفريق بين الإخوان والأهل لتنمية الشجار والأحقاد. ولكن شاء القدر واستدرك الجميع أن الكل مُستهدف والشر يُطال الجميع. وبحكمة الشيوخ وشجاعة الشباب وبصيرة المسؤولين، وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى، رُصّت الصفوف ووُحّدت الكلمة بين المسؤولين. وكما ورد في كتابه العزيز :" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".
وإننا لنرفع بتعازينا الحارة باسم الجميع من هذا المقام الشريف، مقام سيدنا الخضر عليه السلام إلى مشايخنا وسادتنا وإخواننا في بيصور وعموم ربوع لبنان، وعلى رأسهم سيدنا الشيخ أبو محمد جواد أطال الله بقاه. وأدام عزّه وقواه وتغمّد الله شيخنا الغالي الشيخ أبو صالح فرحان بالرحمة والرضوان واسكنه فسيح الجنان إنه رؤوف منّان، متطاول بالمانّة والإحسان وإنا لله وإنا إليه راجعون."
وانفض الاجتماع والجميع يذكر فضيلة المرحوم بالخير والحمد والثناء ويطلب له الرحمة من الله سبحانه وتعالى.