ترك البلد والوطن لا يعني ترك الكرامة
بقلم القاضي فارس فلاح


أنهيت المرحلة الابتدائية أي من الصف الرابع حتى السابع في قرية ترشيحا الجليلية، سنة 1948، أي مع انتهاء الانتداب البريطاني في البلاد. وقريتي كفر سميع تقع شرقي ترشيحا والمسافة بينهما قريبة، فعدتُ للقرية لمساعدة الأهل في الأعمال الزراعية والبيتية الأخرى، كأحد أفراد الأسرة. وكان المجال مقفلا للتجارة بشكل عام، لكن كانت هماك إمكانية للوصول إلى بعض المناطق في الشمال، ومع جنوب لبنان، خاصة مع قرية رميش، حيث كان العديد يذهبون لهناك في آخر الانتداب، وبعد قيام الدولة بقليل، وكنت أحدهم، نسافر على الأقدام، وأحيانا على الدواب، نجلب السكر، والأرز، والمناديل، والساعات، وحجار القداحة، والراحة، إلى غير ذلك من الحاجات الخفيفة. وفي إحدى المرّات، وبينما كنت في رميش وإذ بمعلمي من ترشيحا الذي كنت أحبه واضمر له التقدير يتقدّم إليّ قائلا:
فارس تعال نروح نشرب شاي عند .. في رميش. فعلا قمت وذهبت معه. جلسنا وشربنا الشاي، فقال لي :" أنت تعرف أننا طلعنا من بيوتنا وأنا لا استطيع العيش في الخارج . نعم قسم من بلدنا هبّط، ولكنني أريد العودة للبلاد، وأرجو أن أعطيك مكتوبا ليوسف بك من البقيعة ليساعدني في الرجوع.
فبخصوص المكتوب، أخذته وسلمته ليوسف بك، وفعلا عاد أستاذي لبلده ووطنه، إلى أن خرج من تلقاء نفسه، واستقرّ أخيرا في الضفة الغربية برتبة ممتازة. وكان كلما رآني طبعا بعد سنة 67 يقبّلني ويبكي وكأنه يرى بي المفتاح لبلده.
 ولكن هذا ليس "بيت القصيد"، فبعد أن شربنا الشاي، وبما أنني كنت تاجرا "ومعي مصاري" وجدت من المناسب، أن أكون "كريما" على معلمي، فتوجّهت لصاحب المحلّ، لدفع ثمن الشاي فصرخ عليّ كعادته في المدرسة: فارس ارجع ماذا تعمل؟ أنا دعوتك للشاي، وأنا يجب أن أدفع، ويجب أن تعرف، أننا تركنا بلادنا وأوطاننا، ولكننا لم ولن نترك كرامتنا.  سمعت الكلمات الموجّهة والمربية وكانت هي الدرس والعبرة لمن يعتبر.
 فقرة من كتاب جديد، من إعداد وتأليف القاضي فارس فلاح، سيصدر عن دار " آسيا" للصحافة والنشر، إن شاء الله، مع حلول عيد النبي شعيب (ع)، يضم نبذا وذكريات وقصصا وطرائف من تجاربه الحياتية.