المقوّمات الأخلاقية الاجتماعية لعيد الأضحى المبارك
بقلم  فضيلة الشيخ موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل

 
في كل سنة، عندما تهل ليالي العشر الروحانية، مؤذنة بحلول أيام عيد الأضحى المبارك، يسود قرانا وأوساطنا، جو من التعالي والانتعاش والرجوع إلى الدين، والمواظبة على زيارة الخلوات، وإعداد الحلوى والكعك، وشراء الملابس الجديدة للأولاد، والتهيؤ لزيارة الأقارب والأصدقاء، ومحاولة حسم خصام مع أخ، أو إنهاء خلاف مع جار، أو تسوية مشكلة مع غريم،  وما شابه ذلك من أمور، فيها حساب للنفس، وفيها مراجعة للضمير، وفيها إعادة نظر في بعض أعمالنا وتصرفاتنا في السنة التي مرت.
 وهذا العيد المبارك، هو رسالة للناس، ومؤشر للجميع، الغارقون في مشاكلهم وهمومهم وأوضاعهم طوال أيام السنة، أن اصحوا واستفيقوا وانتبهوا، أن هناك مرجع إلهي، وهناك موعد سنوي، وهناك فرصة وحيدة تسنح لكم في أيام العيد، أن تترفعوا عن حياتكم المادية، وعن شؤونكم الصاخبة، وان تستعيدوا النظر في كل أعمالكم وفي كل تصرفاتكم، وأن تعودوا إلى الوراء باحثين في كل خطوة وخطوة، وفي كل عمل وعمل، وفي كل تصرف وتصرف. فربما تفوّهتم بشيء غير مناسب، وربما أهملتم عملا كان يجب القيام به، وربما كنتم في وضع متأزّم أو حرج، فسارعتم في اتخاذ موقف، وتبيّن لكم بعد ذلك، أنه غير صحيح، وربما خدعكم احدهم، فأبديتم شكوكم وريبتكم في بعض الناس وهم من ذلك براء، كل هذه الأمور هي أمور إنسانية تحصل بين الناس، وهي أمور مألوفة، وهي قضايا ترافق الإنسان منذ وجوده على وجه الأرض وحتى نهاية العالم. فلا غرابة في وجودها، لكن ما نقوله ونرجوه  منكم، هو أن لا نتمادى في ذلك، وأن لا نستمر في ركب رؤوسنا، وأن لا نطيل في خصامنا، وان لا نبالغ في جفائنا.  فكثيرا ما تحدث مشاكل بين أخوين، أو جاريْن، أو شريكين، أو مجرد فردين من أفراد المجتمع. وفي تلك اللحظة التي يقع فيها الخصام، تبدو هذه المشكلة وكأنها أكبر مشكلة في الوجود. لكن إذا نظرنا إليها عن بعد، نرى كم كانت تافهة، وكم كانت بسيطة، وأنها لا تحتاج إلى ذلك العنف، أو رد الفعل القوي الذي مارسناه في حينه.
 فعيد الأضحى، يمكن أن نشبّهه بوضع، نكون فيه عند سهل، وفي هذا السهل، توجد بيوت ومصانع وسيارات وأجسام وحاجيات كبيرة وكثيرة. وإذا أردنا أن نتسلق بيتا لا نستطيع، لأنه بالنسبة إلينا كبير وفوق طاقتنا. وإذا أردنا أن نرى سيارة، نراها فقط من جانب واحد. أمّا إذا صعدنا إلى جبل يرتفع بضع مئات من الأمتار فوق هذا السهل، وألقينا نظرة على نفس الأجسام والمواقع الموجودة تحت، نجدها على حقيقتها، ونراها أصغر بكثير مما رأيناها ونحن بجانبها، والأهم من كل ذلك، أننا نراها من كافة جوانبها وأبعادها، فنستطيع بذلك أن نرى الأمور حسب حجمها الطبيعي.
 بهذا المعنى، عيد الأضحى هو فرصة طيبة للتصافح، والغفران، والتساهل، والتقارب، والتعاون، والانسجام، والالتفات الحقيقي، وبث روح المؤازرة، والاستعداد للخير، وطيبة العمل. ونحن، عادة، مجتمع سليم معافى، ينبض بالحب والحرارة والقوة، وفيه قوى كامنة، وطاقات هائلة، وأهم من كل ذلك، أننا ليس لدينا كمجتمع أو كطائفة، أي شعور بالنقص. فنحن، والحمد لله، شديدو الإيمان والعزيمة، نعرف ما نريد، ونعرف كيف نصل إلى ما نريد، فلا يضيرنا كأفراد ان نتوقف هنيهة في ليالي العشر، أو في أيام العيد، وأن نعتذر لإنسان أسأنا إليه، وأن نحاول أن نتقرب من امرئ أهملناه، وأن نسعى إلى عمل بعض الخير والحسنات للمحتاجين فيما بيننا.
 هذه هي الركائز والمقوّمات الأخلاقية الاجتماعية لعيد الأضحى المبارك. لكن للعيد الكريم، توجد أبعاد دينية، ومنطويات فلسفية، وزوايا عميقة جدا، نتركها للبحث في الأطر المناسبة، وفي الأماكن اللائقة بها.  لكن أود أن يعلم الجميع، وخاصة أولائك الذين لم يتقربوا بعد إلى صفوف الدين، وهم طبعا جاهلون بمكنوناته ومقدّساته وخفاياه. أود أن يعلموا، أن هناك كنوزا علمية وفلسفية وعقائدية مكدّسة، بين ثنايا الأسفار المقدسة،  والكتب المذهبية، وفي صدور المشايخ الكرام، وفي أفكار الأجاويد، الذين يحملون رسالة الدين، جيلا بعد جيل، منذ ألف سنة وحتى اليوم.
ومع حلول أيام العيد، أتوجه بأجمل التهاني والتبريكات، إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية في البلاد وخارج البلاد، مهنئا بالعيد السعيد، متضرعا لله سبحانه وتعالى، أن يعيده على جميع أبناء الطائفة، وعلى جميع أبناء البشرية، والكل يرفل بثوب الصحة والسعادة والخير والبركة، آملين أن يحلّ العيد القادم، مع حلول السلام المنشود، وأن ننعم بلقاء إخوتنا وأقاربنا وأهالينا عبر الحدود، وأن نشترك سوية بالفرائض الدينية وبالاحتفالات، وبالتطلع دائما إلى مستقبل أحسن وأفضل، وكل عام وأنتم بخير.