فلنصفي القلوب وننقي الضمائر
بقلم السيد امل نصر الدين
رئيس بيت الشهيد الدرزي

يمر المجتمع الدرزي في هذه الأيام، بظروف صعبة، وأوضاع قاسية، من ناحية التفكك الداخلي وعدم الاستقرار الاجتماعي والتخبط بين اتجاهات مختلفة، والانجراف وراء المادة، والتقاتل على المناصب والمصالح والمراكز في القرى المختلفة، وكل هذه الأشياء هي أمور طبيعية، وتجري في كل مجتمع، وفي كل طائفة، وفي كل دولة، وفي كل كيان. لكنها عندنا تتخذ طابعا أكثر عنفا، وأكثر حدة، وأكثر شدة، وأكثر قساوة، وأكثر ضراوة، وأكثر تركيزا. فنحن نعتقد، أننا إذا واجهنا مشكلة ما، فإن هذه المشكلة هي أكبر المشاكل، وإذا غضبنا من أحد، فهو ألدّ الأعداء، وإذا اصطدمنا بحاجز، فكأنه سور الصين. فلا نعرف كيف  نوزّن الأمور، بالتعقل والروية والمنطق، ولا نعرف كيف نعامل الأشياء، حسب الأصول والعادات والتقاليد. وكل شيء عندنا، هو إمّا ابيض أو اسود، أو أن نحصل عليه كله، أو كأننا لم نحصل على شيء. وهذا طبعا غير مقبول في أي عُرف، ولا في أي مقاييس.
إني اذكر المجتمع الدرزي بشكل  آخر في الأربعينات والخمسينات، حيث سادت طيبة القلب، وكثر التعاون، وطغت المحبة، وشمل الناس جو من الألفة والاهتمام الواحد بالآخر، بالرغم من أنه حصلت أحيانا مشاكل شرسة، ونزاعات أليمة، إلا أن المجتمع الدرزي كان مثل الجسم الرياضي السليم، الذي إذا أصابه أي عطب، فعنده القوة الداخلية كي يتغلب على هذا العطب، بقواه ذاته وبنفسه وبدون مساعدة أحد. ففي ذلك الوقت، كان كل إنسان يعرف مكانه في المجتمع، فالزعيم هو زعيم، ورجل الدين رجل دين، والمسؤول مسؤول. وكل صاحب وظيفة، يقوم بواجبه كما يجب، وكل إنسان، ألقيت عليه مهمة، ينفذها باحترام. والزعيم والقائد والكبير، يحترمون أصغر الناس في المجتمع وابسط الموجودين. وفي نفس الوقت يكتسبون هم احترام الجميع.
 أما اليوم فقد اختلط الحابل بالنابل، وإذا نظرتَ إلى المجتمع، فلا تعرف ان تميّز ما فيه من عناصر،  ومن أصحاب مهمات، فالكل يستحوذ على الكل،وأصبح كل من امتلك بعض القروش، أو تعلم فك الحرف، أو لبس بزة عسكرية، أصبح زعيما وادعى أنه المنقذ والمعين. وفي نفس الوقت أخذت تنقصنا الحمية الدرزية والغيرة على أبناء طائفتنا، وأصبحنا نقدس الغريب مهما كان تافها ونسخر من ابن طائفتنا، أو بلدنا، حتى لو وصل إلى أعلى القمم. 
لقد تعوّدنا منذ عشرات السنين، أن نقوم في أيام عيد الأضحى المباركة، بزيارات إلى جميع أبناء القرية تقريبا، للمعايدة والمباركة وتقبيل الأيادي وتناول الحلوى وتبادل التحيات. وتم من وراء ذلك، تصفية القلوب والتغلب على الخصومات وتناسي الأحقاد، وأذكر أنه كانت صراعات ومنافسات قوية، وكان يحصل بعض النفور والخصام بين زعيمين، صاحبي بأس ولهما مركزهما واحترامهما في المجتمع. فإذا قمنا في أيام العيد بإقناع أحد الخصمين أن يزور غريمه، فكان هذا الخصم عندما يرى مشايخ ووجهاء قادمين إليه طالبين منه أي شيء، يعلن فورا وبدون تردد،أنه رهن تصرّف هذا الوفد الكريم، ولن يحيد عن رغبتهم ورضاهم، فيجمع أبناء أسرته، ولا يهم إن كان هو صاحب الحق، أو ليس صاحب الحق، ويحضر مع الوفد الكريم إلى غريمه، الذي يقوم هو بدوره، بمسعى أقوى وأنبل من صاحبه، فيخرج من باب بيته مرحبا بالوفد الكريم، معانقا غريمه، مرحبا بع، داعيا إياه، أن يقف بجانبه لاستقبال الوفد الكريم. هكذا كانت الأجواء، وكنتَ تمر بشوارع القرية وتراها مليئة بالحركة والحبور والفرح والبهجة. أما اليم، فلو أحضرت وفدا من الأمم المتحدة، ليصلح بين أخ وأخيه لا تستطيع ذلك، بسبب الحقد الشديد، وعدم الثقة بالنفس، والتمسّك بالترهات والتفاهات والأمور الرخيصة .
ومع كل هذا، فإني أعتقد، كشاب في ريعان شبابه، شاهد وسلم على شيخ عقل الطائفة الدرزية، الشيخ حسين حمادة  في القرية، وكفتى، رأى بأم عينيه زعماء الجبل، عبد الغفار بك الأطرش وحمزة درويش وزيد بك الأطرش والوفد المرافق، لهم وذلك في الأربعينات، وكمسؤول يرافق أبناء الطائفة الدرزية، كبيرهم وصغيرهم، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم على أعلى المستويات، أسمح لنفسي أن أقول، إن المجتمع الدرزي مع كل هذا، مليء بقوى الخير والكرامة والشرف والعزة، وفيه قدرات وطاقات وإمكانيات هائلة، إلا أنها رابضة في مكانها لا تتدخل، فاسحة المجال لهذا الوضع أن يستمر لأنه ما زال محمولا،لكنها إذا رأت أن المجتمع في خطر، وأننا قادمون إلى هاوية، فسوف تتجرّد من عزلتها، وتهبّ لإنقاذ المجتمع، لأننا طائفة كريمة، قامت على مر التاريخ بأدوار هامة، وما زالت لها مهمات، يجب أن تنفذها  ولا يمكن إلا أن تأخذ حقها الطبيعي من التاريخ.
 في هذه الأيام، جرت انتخابات للسلطات المحلية، وإني أحيي وأبارك للرؤساء الذين فازوا، وأشجع الذين لم يفوزوا أن لا ييأسوا وأن يستمروا في محاولاتهم. وبعد قليل ستجري انتخابات للكنيست، وآمل أن يفوز بعض الشباب الدروز في الوصول إلى البرلمان. وأنا أتوجه إلى رؤساء المجالس، وإلى أعضاء الكنيست، وليكونوا من يكونوا، فلا  أقصد هذا الشخص أو ذاك، لأن الجميع ذوو قدرات وإمكانيات، ويستطيعون أن يقوموا بواجبهم نحو الطائفة. أتوجه إليهم مستحثا إيّاهم، طالبا منهم أن يضعوا شؤون الطائفة الدرزية في مقدمة برامجهم،ويحذوا حذوي في سنوات السبعينات والثمانينات وحتى أول التسعينات، حيث نفذت الفعاليات، آنذاك، التي لا يمكن محوها والتاريخ سطرها في صفحاته. وحتى تنجحوا عليكم اتباع النهج الذي قمت به وهو اخلاصي لطائفتي ودولتي، وفي هذه الحالة بإمكانكم عودة طائفتنا إلى الخطوط السليمة، لأننا نحن أصحاب حق كوننا أول من ضحى وعمل الكثير، ونعاني الكثير حيث انتقصت حقوقنا. وأنتم إذا قمتم بتحقيق طموحات وأمنيات الطائفة الدرزية في البلاد في الترقي والتقدم، كسبتم المركز والشهرة والدعم، وصعدتم في سلم المجد والخلود، وهذا هو ما نرجوه منكم.  وفي نفس الوقت، اطلب من جميع أبناء الطائفة الدرزية، أن ينظروا إلى الذين انتُخبوا، كأنهم ممثلوهم، وأنهم هم الذين انتخبوهم، وأن يعتبروهم زعماءهم وقاداتهم، وأن يترفعوا عن الأحقاد الشخصية، وأن يقوموا بتأييدهم ودعمهم ومساعدتهم، لتحقيق الأفضل والأحسن لهذا المجتمع. وليس لدي أي شك، أنه إذا حصلت الرغبة عند الجميع، أن يسود التعاون فيما بيننا، فهو لا شك سيسود، وأستعين بأجواء واصطلاحات عيد الأضحى المبارك لأقول للجميع: إن الأجر والثواب الذي يحصل عليه الإنسان المتسامح المترفع عن كل الدنايا وعن الأمور الرخيصة في هذه الأيام، هو أكبر بكثير من باقي الأيام، فدعونا نصفي قلوبنا، وننقي ضمائرنا، ونسعى جميعا إلى عمل الخير، وكل عام وأنتم بخير.