فــــــــــــي ظـــــــــــلال الأرز
بقلم د. سلمان حمود فلاح


يصادف مرور خمس وعشرون سنة من زياراتنا إلى بلاد الأرز، وربوع الجمهورية اللبنانية، بعد أن فتحت الحدود، واستطعنا بعد انقطاع ثلاثة عقود، أن نلتقي بإخواننا وراء الحدود، وأن نطلع على الثقافات والفنون والكنوز العلمية والأدبية، التي طالما سمعنا بها، وقرأنا عنها، وتتوّقنا أن نشاهدها. ورغم مرور هذه المدة الطويلة  فان طعم اللقاءات الجميلة والاجتماعات المفيدة التي أتيحت لنا مع مثقفينا وزعمائنا في بلاد الأرز ما زالت في مخيلتنا وما فتئنا نذكر أصداءها ووقعها ونبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يتيح لنا فرصة أخرى لأن نعود ونجتمع بالإخوة الذين ما زالوا على قيد الحياة في حين نظل نأسف ونتحسّر للمشايخ والإخوة الذين تركونا وذهبوا إلى عالم ما وراء الحياة رحمة عليهم ونأمل أن يظل ذكراهم طيبا وجميلا.
لقد قمت كمدير المعارف الدرزية في وزارة المعارف والثقافة  وبناء على طلب من سلطات الدولة بعدة زيارات للإخوة في لبنان ورافقني فيها عدد من كبار المفتشين والمربين.وفي طريقنا للشوف مررنا بمدينة حاصبيا العريقة مرتع خلوات البياضة العامرة ومهد الدعوة الدرزية قبل ألف سنة ومعقل من معاقل الثورات ومن مراكز الدين والهداية على مر العصور. وقد سعدنا بزيارة مدرسة الهداية العرفانية في حاصبيا التي تثقف طلابها على أصول الدين والمذهب والتي تزرع في نفوسهم التقوى والصدق والإيمان، فاطلعنا على البرامج التعليمية وعلى أساليب التدريس وربطنا علاقات وثيقة مع إدارة المدرسة وتوثقت العلاقة بيننا. وفي وقت لاحق شارك طلاب المدرسة في زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام وفي مسيرات في نطاق أسبوع التراث الدرزي.
وفي الشوف وعاليه، وصلنا إلى دار الإمارة الأرسلانية في عاليه فوجدنا الساحة غاصّة بالناس والسيارات. دخلنا الدار ووجدنا النائب أمل نصر الدين صاحب بيت هناك. لم نسعد بمقابلة عطوفة الأمير مجيد للزومه الفراش، لكننا تشرّفنا بمقابلة سيدة القصر الأميرة خولة أرسلان، وهي زوجة الأمير الثانية منذ 26 سنة، وهي من بيت جنبلاط، فرع قرية البرامية قرب صيدا. وقد انتقل هذا الفرع إلى البرامية قبل حوالي مئة سنة. وهي أخت الوزير السابق السيد خالد رشيد جنبلاط، ولها ثلاث بنات وطلال، وكان في السابعة عشر من عمره عام 1983 أما اليوم فهو أمير يرفع الرأس ووزير في الحكومة اللبنانية، وقد شاهدناه عبر أجهزة التلفزيون، يقف صامدا في ظروف المناوشات الأخيرة يحافظ على كرامة الدروز.
وعدنا مرة اخرى، الى قصر الامير مجيد بخلدة، وعندما قدمت له كتابي  "تاريخ الدروز"، وفيه ذكر فضله على لبنان واستقلال لبنان، الذي اعلنه الامير في بشامون، فتح الكتاب وقرا هذه الفقرة، ونظر الى الصورة في الكتاب، وهو يرفع علم الاستقلال، ترغرغت عيناه، وقال: "انتم اصحاب الفضل يا استاذ، في تخليد تاريخ الدروز، وتذكرون ما فعلته للبنان، وتعلمونه في مدارسكم. ولبنان الذي منحته الاستقلال، لم يذكر هذه الحادثة في كتبه، ولا يعلمونها في المدارس."  ونادى زوجته السيدة خولة جنبلاط، فاتت بصورة الحصان الذي اهداه اياه عطوفة المغفور له سلطان باشا الاطرش، واخذ القلم، وبدا يكتب لي تقدمة على الصورة، الا ان يده (المشلولة) لم تساعده على الكتابة، فمسكت زوجته اصابعه، وساعدته على كتابة التقديم. وفي النهاية اوصاني، ان اكتب تاريخ حياته ونشاطاته، وقال: "اذا كنت قد حصلت على صورة بشامون النادرة، فلا شك انك تعرف تاريخ حياتي اكثر من الاستاذ الذي اوكلته بهذه المهمة".
والأميرة خولة لها نشاطها ومكانتها على المستوى اللبناني والدرزي، فقد أسست لجنة سيدات بيت اليتيم الدرزي، وهي تجمع تبرعات لبيت اليتيم وتؤمن مصاريف مئات الأيتام حتى التعليم الجامعي. وتعليم أبناء الدروز السوريين المحتاجين. وأثناء مكوثنا هناك وصل الأمير فيصل وهو ابن الأمير مجيد من زوجته الأولى، وفجأة دخل رجل ليشكو للأمير فيصل، أن الكتائب منعوه من العبور، ولم يحترموا كرت الأمير فحوّل الأمير إلى النائب أمل ليحلّ له المشكلة.
أما أمتع لقاء لنا، فكان مع الدكتور سامي مكارم، ابن الخطاط النابغة المرحوم الشيخ نسيب مكارم، وقضينا في داره سهرة روحانية في سماع شروح وتأويلات لعقيدة التوحيد. وقد أمتعنا بطلاوة حديثه وسعة معلوماته الدينية، وكأنك في حضرة فيلسوف صوفي وغمرنا الأستاذ وابنتاه سحر ورند وابناه نسيب وسمير بعطفهم وكرمهم.والدكتور سامي مكارم معروف للقراء من عدة كتب، وهو محاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت، وله مقالات وترجمات ونشاط خاص في شرح العقيدة التوحيدية فقد صدر له كتاب عن العقيدة بالانجليزية. وهو عضو بارز في المجلس الدرزي للبحوث والإنماء. وقد طلبنا موافقته لتدريس نصوص من كتاب " أضواء على مسلك التوحيد – الدرزية" في المدارس الثانوية. قال:" أوافق بكل سرور، لقد سبقتمونا في تعليم التراث، ولقد سمعنا عنكم ، والأذن تعشق قبل العين أحيانا. حبذا لو كنا نحن في لبنان نحذو حذوكم وندخل التراث في برامج تعليمنا هنا لأن هذا الأمر له فائدة كبرى. الدرزي وغير الدرزي لا يستطيع أن يكون فاضلا إلا إذا تعرف  إلى تراثه، خصوصا إذا كان هذا التراث تراثا مشرفا سواء كان ذلك من حيث الأعمال الزمنية أم الأعمال الروحية الدينية. والدرزي بحاجة ماسة أينما وُجد للتعرف على تراثه وعقيدته، لكي يكون ذلك نورا يهتدي به في حاضره ومستقبله. خاصة وإن هذه البرامج التي تعدّونها، تختص بشخصيات ورؤساء كالأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) والشيخ الفاضل والشيخ علي الفارس رضي الله عنهما، وإن هؤلاء من كبار الموحدين وأن هذا العمل يُعدّ ثورة أخلاقية وتاريخية وعلمية وفلسفية، ونحن هنا في لبنان كنا نفكر بالقيام بشيء من هذا القبيل، حيث كان المرحوم كمال جنبلاط وأنا ندرس هذا الأمر، وقد قمنا بكتابة منهج للتعليم الديني بقدر ما يُسمح به، ليتعلم الناشئة هذا التراث التاريخي والفكري والديني."
وفي عبيه بلد الأمير السيد (ق) زرنا مدرسة دار الحكمة (الداوودية سابقا) وكانت قد فتحت أبوابها لتسجيل الطلاب والتقينا مع السيد وليد أمين الجردي، المدير منذ عام 1969 وهو من مؤيدي الأمير مجيد وكاتب مذكراته.
ومن عبيه انتقلنا إلى السمقانية لنزور مدرسة العرفان التوحيدية وهناك التقينا بالمدير الشيخ نزيه رافع وبالشاعر الأستاذ سامي أبو المنى. وفي قرية عين كسور زرنا المؤلف والمترجم حافظ أبو مصلح  الذي يتدفق حبا واعتزازا بطائفته. وزرنا كذلك مستشفى الإيمان في عاليه والتقينا مع مديره السيد نعيم شهيب والشيخ جميل صالحة وهو يدار من قبل " جمعية الإيمان للطائفة الدرزية".والتقينا كذلك بعدد كبير من المشايخ والأساتذة والشخصيات المرموقة واطلعنا على الكثير من التجديدات ومن المبادرات التي أسرعنا في تطبيقها في جهاز التربية والتعليم في البلاد، لكننا كنا فخورين جدا وامتلأنا زهوا وعلوا إذ استطعنا نحن دروز هذه البلاد أن نقدم شيئا لإخوتنا في البنان لم يفكروا فيه قبلنا وهو موضوع تدريس التراث الدرزي. وقد وصلنا إلى هناك وفي كل مكان اجتمعنا فيه ذكروا أمامنا أنهم سمعوا عن برامج تدريس التراث الدرزي وباركوها وطلبوا المحافظة على قدسية الكتب والإستمرار في إعداد برامج وكتب في هذا المضمار. ومما قاله فضيلة الشيخ محمد أبو شقرا، شيخ العقل: " للطائفة الدرزية مواقفها وتاريخها في كل مجال: عقائدي وإنساني. المهم أن نقتبس عن هذا التراث بعمق، لنصل إلى حقيقة تفيد من يشاء الإطلاع. إذا توصلنا بعد البحث إلى حقيقة هذا التراث فتدريسه أمر مستحسن عندنا". وقال الشيخ حليم تقي الدين، رئيس محكمة الإستئناف الدرزية العليا: " كتب التراث وصلتني وأنا معجب بنهضتكم وبنشاط وغزارة الأستاذ سلمان فلاح، وبأنكم حافظتم على هويتكم. الإهتمام بالتراث ضروري لأن الدروز قسمان: قسم درزي بالدين، وقسم درزي بالتراث. وهذا القسم الثاني أشد حاجة للتراث لأن الدين عنده تقاليد وتراث وممارسات.". وقال الشيخ شكيب النكدي، رئيس مؤسسة بيت اليتيم الدرزي في عبيه:" أشكركم على قيامكم بتدريس التراث، فقد سبقتتمونا  في ذلك.".  وجاء في أقوال القاضي عباس الحلبي، الأمين العام التنفيذي لمجلس الأبحاث الدرزية في لبنان:" هناك حاجة لتدريس الناشئة شيئا من دينها وتاريخها وتقاليده، وقد أعد المجلس سلسلة من  كتب التربية التوحيدية لتدريسها في المدارس الدرزية الأهلية" .