مؤتمر الأديان الثاني

عُقد في المركز الجماهيري في قرية كفر قرع، مؤتمر الأديان الثاني، بحضور مشايخ ورجال دين، وممثلين عن كافة الطوائف في البلاد. يُشرف على هذا المؤتمر، قسم الطوائف الغير يهودية في وزارة الداخلية، برئاسة الشيخ يعقوب سلامة، ويشترك في إدارته، قسم الطوائف الغير يهودية في وزارة الخارجية، بإدارة السيد بهيج منصور. وقد حضر المؤتمر هذه السنة رؤساء الأديان من كافة الطوائف، وفي مقدمتهم، فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، والقاضي نعيم هنو، والقاضي حاتم حلبي، وعدد من المشايخ، وكذلك الحاخامان الأكبران للدولة، والمطران إلياس شقور وعدد من المطارنة، والقاضي أحمد ناطور، رئيس محكمة الاستئناف الإسلامية، وجمهور غفير من كبار رجال الدين من كافة الطوائف، ومن موظفي الدولة ومن المدعوين.
افتتح المؤتمر الشيخ يعقوب سلامة، مدير قسم الطوائف في وزارة الداخلية، بخطاب جاء فيه :
" أحيي الحضور، وأشكر المضيفين، إخواننا المسلمين، الذين أخذوا على عاتقهم استضافة هذا المؤتمر لهذه السنة، وكذلك مجلس محلي كفر قرع ومديرة المركز الجماهيري.
لقد اكتسبنا نحن الذين فكّرنا في هذا المؤتمر، التشجيع والقوة من المؤتمر التأسيسي، الذي عُقد قبل أكثر من سنة في مقرّ الحاخامية الكبرى. ومنذ ذلك الوقت، اجتمعنا لنفكّر في استمرار طريقنا، واستوعبنا أهمية وجود المجلس المشترك، ومدى زيادة نشاطه، لذلك جهّزنا البرامج، وقمنا بفعاليات، ونحن نطلب دعمكم المستجد بنا وبنشاطنا. فمنذ إقامة المؤسسة، حظينا بحوادث مفرحة، وحوادث أقل فرحا، مثلا الحوادث المؤسفة في البقيعة وفي عكا. وقد كان لرجال، الدين ولرؤساء الأديان، قسط كبير وهام في تهدئة الخواطر، وتقارب وجهات النظر وحل المشاكل. وبعد وقوع حوادث كهذه، وحوادث أخرى مماثلة، لكنها صغيرة المدى، إلا أنها أوقعت ضحايا، وتركت مخلفات، قررنا بالتنسيق مع حضراتكم، أن نخصص هذا اللقاء، لمحاربة العنف، على أمل أن نستطيع أن نظهر على الملأ، الحاجة بأن نقوم بتنفيذ خطوات عملية، لقمع هذه الظاهرة، آملين أن تنطلق من هذا المؤتمر، أول شرارة للعمل. وفي نفس الوقت قمنا بنشاط لا يقل أهمية، حيث نظّمنا لقاءات بين زعماء دينيين محليين، وأجرينا أبحاثا وتداولات في قضايا ملحّة. فأجرينا لقاءات بين حاخامين وأئمة مسلمين، للدراسة المتبادلة، وقمنا بالاشتراك في  مائدة إفطار، أثناء شهر رمضان المبارك، بحضور جمع غفير من كافة الأديان.
أمامنا طريق طويلة، مليئة بالمفاجآت والعراقيل، وعلينا أن نعمل بجهد، لإبطال مفعول ألغام توضع في طريقنا، وعلينا ان نكون مرنين، متزنين ومتسامحين، وأن نبحث ونشرح ونناقش، وأن نقوي ونتقوى، وأن نستوعب أننا متجهون إلى عهد نكون فيه جميعا عائمين في سفينة واحدة ونشرب من نفس البئر.
لقد قمنا ببعض الاستشارات مع مقر رئيس الدولة، وهناك أبدوا اهتماما وحماسا لنشاطنا، واستعدادا للتعاون معنا. دعونا فخامة رئيس الدولة لهذا اللقاء، لكنه اعتذر لأنه يستضيف رئيس جمهورية ايطاليا.
واسمحوا لي أن أتوجه للصحافة، عندكم قوة عظيمة، بإمكانها أن تقوي وان تدفع نشاط المجلس إلى الأمام، وإذا قامت بتغطية هذا الحدث، فلا شك ستزيد من قوتنا، لذلك نرجو أن تساعدونا.
في النهاية أحيي أبناء جميع الطوائف، بمناسبة حلول الأعياد القريبة، وكل عام وأنتم بخير.
وتحدث في المؤتمر كذلك السيد زهير يحيى، رئيس مجلس مكحلي كفرقرع، والقاضي أحمد ناطور، والحاخامان الأكبران، ومطران القدس. وألقى  فضيلة الشيخ موفق طريف الكلمة التالية:
"أيها الإخوة الأعزاء، رؤساء الطوائف وقادة المجتمع، ومندوبي الطوائف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إني لفخور أن أتواجد أمام هذا الجمع الكريم، ومع هذه الشريحة الكريمة، من رؤساء الأديان في الديار المقدسة، لنجتمع من جديد في إطار مجلس رؤساء الأديان، لنبحث سوية في ظاهرة العنف على مختلف أشكاله وأنواعه، ونحاول طرح اقتراحات وسبل لحل هذه الظاهرة والتخفيف من وطأتها على المجتمع بأسره.
أيها السادة – قال تعالى :" لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، أولئك هم المفلحون" صدق الله العظيم. العنف كما قال العالم إدلير "غريزة بيولوجية مولودة، أي هو غريزة هدّامة تكمن داخل الإنسان وتستجيب لرغباته، من الممكن أن يكمن الغضب داخل الإنسان لكنه يتعلم من البيئة، إمّا أن يسيطر على نفسه وإما أن يتصرف بعنف".
من هذا التعريف للعالم ادلير نستنتج أن البيئة هي العامل الأساسي ونواة العنف، أو كبح جماحه، حسب البيئة التي يعيش فيها الإنسان أو يتأثر منها تتشكّل لديه الدوافع للعنف أو دحضه ومنعه والابتعاد عنه.
حتى نعالج أي ظاهرة منبوذة ونجتثها من جذورها علينا أولا تحديد الظاهرة، تحديد عوارضها ودوافعها وسبل علاجها الناجعة. العنف مضمون رحب ومجال واسع، لا يقف العنف عند الضرب والقتل واستعمال الأسلحة الخفيفة منها والثقيلة، إنما يشمل العنف الكلامي، والعنف في التصرفات وتصرفات السائقين على الطريق والعنف داخل العائلة، في المدرسة بين الطلاب أنفسهم وبين الطلاب والمعلمين أو المعلمين والطلاب، العنف في التعامل بين الشرطة والمواطن، العنف في الملاعب الرياضية، العنف في المناسبات العامة، العنف أثناء الانتخابات المحلية والعامة، العنف في أماكن الاستجمام، العنف في النوادي وأماكن الترفيه وغيرها الكثير من أنواع العنف على مختلف أشكاله. في النهاية كل ذلك عنف بغض النظر عن مكان حدوثه وعن الأطراف لحدوثه ومسبباته، إنما هذه الظاهرة وباء شرس يهدد المجتمع بأكمله، وعقباه تؤثر علينا بشكل مباشر وغير مباشر، لذلك علينا اجتثاث هذه الظاهرة وقلعها من جذورها.  من الدوافع للعنف الغضب، قال أحد الحكماء" ليس الغضب إلا من ضعف النفوس، فأما من استطاع أن يقهر غضبه فهو شجاع".جاء رجل إلى سيدنا سليمان الفارسي (ص) فقال له أوصني ، فقال له لا تغضب. قال : لا اقدر. قال: فإن غضبتَ فامسك لسانك ويدك. إذا كان الغضب يفعل ذلك فوجب على كل ذي عقل تجريد العزم الصحيح، وقهر الغضب ومقابلته بالحلم والعلم والأناة والسكون.
لا ريب أن تقوى الله وتشديد العزم والإيمان، تساعد على تخفيف وطأة الغضب، وتحدّ من العنف. يقول أحد الأنبياء (سيدنا هرمس) عليه السلام:" أيها الإنسان إذا اتقيت ربك وحذرت الطريق المؤدية إلى الشر لم تقع فيه". وقال :" لا ترفعوا دعاءكم لله بالجهالة ولا بالنيات المدخولة، ولا يجرين أحد منكم في معاملة أخيه إلى ما يكره أن يعامل بمثله". وقال روّضوا أولادكم بالتعليم من الصغر قبل أن يكبروا فيتمرّدوا ويميلوا إلى الشرور ويتحكم الإثم فيهم". وقال :" لا تبدر منكم عند الغضب كلمة الفحش فإنها تزيدكم العار والمنقصة وتلحق بكم العيب والهجنة وتجرّ عليكم المآثم والعقوبة، ومن كظم غيظه وقيّد لفظه ونظّف منطقه وطهّر نفسه فقد غلب الشر كله".
أيها الإخوة الأكارم: العنف أنواع واسبابه مختلفة، مكافحة العنف يجب أن تكون موجهة بالأسلوب المناسب للشريحة المناسبة، عن طريق كافة الأجهزة والقوى واصحاب التأثير. الركيزة الأساسية لمكافحة العنف تكمن في التثقيف والتربية وعليه يجب على المسؤولين والمختصين في التربية والتعليم والرياضة، وضع برنامج عمل وخطة تربوية تربي وتنمّي عنصر الخير لدى الإنسان لنزع نزعة الشر فيه ولاحترام الآخر والمختلف ولتنمي أجيالا جديدة تدعو إلى الخير وتكظم الشر وتكافح العنف من جيل الطفولة النامية إلى جيل الشباب البالغ.
العنف في المنزل والعائلة، يكافح بتدخل سلطات الشؤون الاجتماعية والرفاه الاجتماعي، وبمساعدة رجال الدين وعناصر الخير بالمجتمع. أجهزة مكافحة العنف وتنفيذ القوانين في الدولة، لها دور هام في تقوية أواصر التفاهم والتعامل بين المواطن والسلطة، ولديها القوة والصلاحيات لحماية الضعيف أمام مصادر العنف المختلفة، كما عليها مسؤولية كبيرة للتوعية والإرشاد وزرع الثقة لدى المواطنين لتوجيههم لقوى الأمن لمساعدتهم وحل مشاكلهم وعدم أخذهم حقوقهم بالعنف والقوة.
رجال الدين/ حريصون في كل زمان ومكان على انتهاج الطريق الصحيح والسلوك الحسن، وتظل الرموز الدينية والشعائر والعادات أكبر عامل مهذب للإنسان، وتظل مخافة الله أكبر رادع لكل جنوح، ولكل خلل، وتظل الأديان التي تجسّم في مكنوناتها الأهداف النبيلة للبشرية، العامل المساعد الأكبر للتفاهم والتقارب بين الناس، لرجال الدين دور هام في توعية رعاياهم وإرشادهم وحثهم على نبذ العنف ومكافحة ظواهره. علينا جميعا التآخي والتسامح والعمل من أجل المجتمع، ومساعدة الغير ومد يد العون لكل محتاج، علينا أن نفتش عن كل ما يغرس بقلوبنا شعوبنا التفاؤل والسعادة وحب الله سبحانه وتعالى، وحب عبيده والرجوع إلى الله عز وجل، وعمل الخير ونبذ الشر، ومكافحة العنف والتوبة عن المعاصي والسعي من أجل السلام.
الوئام يحل بيننا عندما نبدأ بالتفتيش عن الصفات المشتركة والموحّدة بيننا كأبناء البشرية جمعاء، كأبناء حضارات لها جمالها وسحرها وكأشخاص نعبد إله واحد مشترك، وأنبياء دعاة السلام ومحبة وليس بالتشديد على المختلف والمتنازع عليه.
نعيش جميعنا في هذه البلاد إخوة بجو من الديمقراطية وحرية الديانة والتعبير، فعلينا جميعا التآخي والتسامح، علينا التمسك بالمسلك الصحيح وبالعادات والتقاليد الحميدة، وحسن الجوار والمعاملة مع الأقارب والجيران بالرفق، وباللين وبالصدق وبالأمانة، والمعاملة الحسنة مع الآخرين، والتواضع والخشوع، والابتعاد عن المتاهات والمعاصي، ومكافحة ظاهرة العنف بشدة وحزم والتقرب من الله وأوليائه الصالحين.
آمل أيها الإخوة أن تنبثق من هذا اللقاء رسالة واضحة وجلية للمجتمع لنبذ العنف ومكافحته بكافة الوسائل.
أشكر القائمين على ترتيب وتنفيذ هذا اللقاء، لكم كل التقدير والاحترام مع حلول عيد الأضحى المبارك أتمنى أن تمر هذه الأيام المقدسة على الجميع بالخير واليمن والبركات ونصلي جميعا من أجل السلام وكل عام وأنتم بخير.
أيها الإخوة نتشرف بدعوة اللقاء القادم وهذه الوجوه الكريمة السمحة لدينا.
بوركتم جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكانت كلمة الختام في المؤتمر للسيد بهيج منصور، رئيس قسم الطوائف الغير  يهودية في وزارة الخارجية فقد رحب بالحضور باسم وزارة الخارجية وشكرهم على اهتمامهم وحضورهم وأعرب عن أمله أن تنتج من هذا المؤتمر خطوات عملية للحد من استفحال العنف في مجتمعنا.