نحو الآفاق الأكاديمية..
بقلم عضو الكنيست السابق السيد امل نصر الدين
 رئيس بيت الشهيد الدرزي ورئيس مؤسسة كيريم إيل الجامعية


إن تحقيق حلمنا الكبير، بافتتاح الكلية التحضيرية قبل العسكرية في هذه الأيام،، يجعلنا نشعر بالغبطة والسرور والاعتزاز، بهذا الانجاز الكبير، وهذا يحفّزنا إلى الشروع بتحقيق المرحلة التالية من مخططنا، وهو تحويل الكلية إلى جامعة درزية شاملة، الأولى من نوعها في العالم، وهذا ليس أمر صعب المنال، ومع وجود العزم الصادق، والنية الخالصة، والعمل الصحيح، يمكن ان يتحقَّق هذا المشروع، بعد بضع سنوات، من أجل رفع المستوى الأكاديمي، لأبناء الطائفة الدرزية في البلاد.
إن فكرة إقامة هذه الكلية، تضم في ثناياها، رموزا كثيرة، وإشارات واضحة، للتعاون المثمر المبارك بين الطائفة الدرزية والدولة، فالدروز الذين اندمجوا في حياة الدولة منذ تأسيسها، أعلنوا عن إخلاصهم لها، وعن وقوفهم إلى جانبها، وهم مستمرون بذلك، منفذون طريق الأقدمين منهم، الذين رأوا الأمور بعقلانية واتزان، وأصروا على بقاء أبناء الطائفة الدرزية في بيوتهم، وقراهم، وأراضيهم، معززين مكرمين.
 وقد تطوّع كثير من الشباب للخدمة العسكرية، قبل قانون التجنيد الإلزامي، وذلك للدفاع عن قراهم وبيوتهم. وبعد القانون، انخرط الشباب الدروز في صفوف الجيش، ووصلوا إلى أعلى المراكز والرتب. وهم بذلك طلائعيون، ويسيرون في مقدمة الوحدات العسكرية، بامتيازهم وشجاعتهم وتألقهم. ونحن نجد اليوم أن نسبة الضباط والمتفوقين الدروز في الوحدات العسكرية المختلفة، هي نسبة عالية جدا، وهي أضعاف نسبتهم العامة بين السكان. والمشكلة تكمن في الحياة بعد العسكرية، فمع أن قرانا تشهد في الآونة الأخيرة حركة أكاديمية سريعة، وانخراط كبير لطلابنا في الجامعات، وخاصة الفتيات من بين السكان، لكننا ما زلنا متأخرين من ناحية عدد الجامعيين في قرانا، وهذا يتطلب منا أن نقوم بخطوات كبيرة وحثيثة لزيادة عدد الأكاديميين في صفوفنا، فالعلوم الراقية اليوم، والأبحاث المتطورة، والتقنيات الجديدة، لا تسمح لنا أن نظل في حياتنا التقليدية، وفي أشغالنا المتوارثة، وفي أفكارنا السابقة. علينا أن نساير العصر، وان نواكب التقدم، وأن نزيد في تطورنا وتقدمنا، وذلك عن طريق اكتساب العلم، وتوفير مقاعد الدراسة لأبنائنا. ومع أن الجامعات القائمة ليست بعيدة عنا، إلا أننا لم نستغل حتى الآن هذه الإمكانيات، بالصورة الكافية، لأننا نحتاج كمواطنين، إلى تغيير جذري في تفكيرنا وعقليتنا. ففي السابق، كنا نفضل أن ينضم الابن إلينا في العمل، وأن لا يتعلم، طالما هو يعمل ويكسب. وقد رأينا كم خسرنا نتيجة هذا التفكير، فيتطلب منا أن نعتبر أن الابن ممكن أن يخرج للحياة فقط، بعد الخدمة العسكرية، وبعد التخرج من الجامعة، وعندها فقط يمكن تزويجه وبناء بيت له واستمرار الحياة. ففي العالم كله، يستقر الشباب فقط، في أواخر العقد الثالث من أعمارهم، وليس في أولها، كما كان يحدث عندنا.
ولكي نستطيع أن نؤمن تعليما جامعيا مناسبا لنا، يمكننا أن نرتاد مقاعد الدراسة في كافة الجامعات. لكننا نحبذ كذلك أن تكون مؤسسة جامعية لنا، ترعى تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا ومناقبنا، وتبحث في أوضاع الأجيال السابقة، التي بنت مؤسسات علمية وثقافية ودينية وأدبية على مر الأجيال، والتي كوّنت خلال ألف سنة، طائفة توحيدية راقية، لها كيان وجذور. فبعد أن أمّنا وحققنا امتيازنا وتألقنا في صفوف الجيش، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، علينا أن نعمل كل شيء، كي يمتد هذا التألق والامتياز إلى الحياة المدنية، ولا يتحقق ذلك إلا بواسطة الدراسة الأكاديمية.