كلمة العدد: إلى أبطالنا في الشوف وعاليه


قبل أشهر كنتم حلما في خيالنا
نسمع عنكم، نتتبّع أخباركم
ونشتاق لرؤياكم
**
قبل أشهر
كنتم إخوتنا عبر الحدود
بعيدين بُعد الصين
وقريبين قرب النور
 نقلّب أزرار المذياع
علّنا نسمع صوتًا منكم
ونعبث بشاشة التلفزيون
علّنا نلمح بصيصا من عندكم
**
كنّا نتعطّش لأقصوصة خبر
ولكسرة معلومة
تحدّثنا عمّا يجري لكم
وهكذا
بكينا معكم عند مقتل أبي الوليد
وبكينا عند موت أبي طلال
هكذا
سهرنا سوية ليلة الجمعة
وقرأنا الفاتحة والميثاق،
واجتمعنا سوية في ليالي العُشر
وذبحنا في الصباح كبش الفداء،
وترنّمنا على صوت طليع حمدان
وسرحنا مع أبيات فؤاد الخشن
 في "غابة الزيتون"،
 وسعيد تقي الدين
في "غابة الكافور"
 وناديا نويهض
في قناديل
قلّبنا بشغف صفحات "الضحى"
وقرأنا بنهم صفحات "الميثاق"
وحسدناكم لوجود البياضة في بروعكم
وتمنينا لو كنتم معنا في احتفالات
عيد النبي شعيب
**
وكلما وهبنا الله مولودا جديدا
 قلنا علّه آت من عندكم
وإذا ودّعنا فقيدا غاليا
تعزّينا لربما هو ذاهب إليكم
نعم
هكذا كان شعورنا نحوكم
وأنتم وراء الحدود
بعيدون بعد الصين
وقريبون قرب النور**
وحصلت المعجزة
بدون سابق إنذار
وتحطّمت الأسوار
وفُتحت الحدود
وتحقّق الحلم الكبير
وانهالت جموعنا إلى ربوعكم
ففتحتم لنا بيوتكم
وقلوبكم
والتقى الأخ بأخيه
والقريب بقريبه
وتعانقت جبال الكرمل
وجبال الشوف
**
زرنا البياضة
وسبّحنا للخالق
وركعنا أمام الأسياد
في باحة مقام النبي "أيوب"
ووجدناكم أنتم أنتم
أبطال بني معروف
كرماء في بيوتكم
أسود في عرينكم
شرفاء مع جيرانكم
نجباء في حديثكم
رأينا العمامة على هاماتكم
والدكتوراه في جيوبكم
وكم سررنا إذ التقينا واجتمعنا
أخيراً بكم
وربما تضايقتكم من
بعض أسئلتنا المحرجة
أو ملاحظاتنا السخيفة
أو مواقفنا المخالفة
لكننا أحببناكم
وما زلنا نحبكم

وفجأة
وقع ما لم بكن بالحسبان
حيكت المؤامرات ضدكم
وبدأت الاعتداءات عليكم
وضُيِّق الخناق حولكم
فوقفتم صامدين
كما نعرفكم
وكما عهدناكم
وكسرتم اليد التي حاولت أن تضركم
وحطّمتم السلاح الذي رُفع في وجوهكم
وسمعنا عن شهدائكم
وشعرنا أننا نحن فقدناهم
وبذلنا كل ما استطعنا
لكي نقف إلى جانبكم
واستغربنا كيف صمت أخونا الأكبر
وما زلنا مستغربين

لكننا هنا
ومن روابي الكرمل والجليل
من كثبان الساحل والشاغور
من كل بيت
ومن كل حنجرة
نرفع صوتنا ونقول لكم:
قلوبنا وأرواحنا معكم
مصيركم مصيرنا
فالشرارة التي تشتعل عندكم
تلسع أطراف ا
أصابعنا
والرصاصة التي تُوجَّه إلى صدوركم
تصيب أعماق أفئدتنا
والقذيفة التي تًوجه إلى قراكم
تهدم أركان منازلنا
وهذه الأرض التي يعتدون عليها
هي أرض الدروز
من ألف سنة
ومن ألف عيد فطر وأضحى
فوقها تقبّل التنوخيون دين التوحيد
وعلى رباها بنى المعنيون أمجاد الدروز
في ثراها استشهد أمراء أرسلان
وبين طيّاتها دُفن جسد كما جنبلاط
هذه الأرض
تنقّلت عليها الست سارة
تحمل أسرار الدعوة
وعليها سار المقتنى بهاء الدين
يشجع اتباع التوحيد
يستتر في مغائها
ويتظلل تحت أرزاتها
 وعليها
وقف الأمير السيد، قدس الله سره
يتمم عرس ابنه الذي مات
يدعو إلى عمل الخير
وينهي عن عمل المنكر
ينظم رسائل حمزة بن علي
ويضع تعاليم العبادة

وعليها جاء بعده
الشيخ الفاضل، محمد أبو هلال
يضيف تعاليم جديدة
ويختار اللون الأزرق
لباسا لكل موحد
في هذه الأرض
حلمن فخر الدين بلبنان الكبير
لبنان للجميع
عدل، حرية، مساواة
ومسح عن وجه لبنان الغبار
وتلألأ في الشرق
كوكب الحضارة والعمران
لبضع سنوات

وعُلق فخر الدين على حبل المشنقة
وعُلقت معه أحلامه الكبيرة
وعاد الغبار يتراكم على لبنان
فاقتتل الإخوة في عين دارا
وسُفكت الدماء
وارتوت الأرض من دماء أبناء العمّ

وجاءت بعد سنين
الأميرة حبوس والست نايفة
وشمخ كمال جنبلاط
ووقف الشيخ ابو شقرا
ينثر من درر الكلام
"وما كان الدروز قبل شر"
نحن نعرف هذا
قالها شوقي
والكل يعرف هذا
لم نعتدِ في التاريخ على أحد
واتخذنا لنا كالصقور
رؤوس الجبال عرينا لنا
لقد مرّت على الدروز محن كثيرة
في تاريخهم وتغلبوا عليها
هنا شيخ يسد فوهة المدفع بعمامة
وهناك امرأة تفقد أولادها
الخمسة وزوجها في معركة واحدة
وهنا وهناك عشرات القصص
والبطولات والأمجاد
لذلك من هنا
من روابي الكرمل والجليل
نحييكم
يا أبطال بني معروف
ومن كان سلاحه
الحق والشجاعة والإيمان
ومن كان مسلكه
الشرف والضمير والوجدان
كان له في النهاية
النصر والفوز وطول البقاء
وقد سمعنا شيخنا الكبير يقول
الله من فوق هو الذي يحمينا
لذلك نبتهل إلى الله – عز وجل
أن يشد في سواعدكم
وأن يأخذ بأيديكم
وأن يزيل الكروب عنكم
فإلى الأمام
يا أسود بني معروف
نضالكم ليس نضال يمين أو يسار
هو نضال كل الدروز
من أجل الكرامة والشرف والإباء




 

وإلى أبطالنا شهداء كارثة صور


ودّعناكم واحدا واحدا
وبكينا عليكم فردا فردا
وتمنينا لكم جنات الخلد
ودعونا لذويكم بالصبر والسلوان
 رحلتم عنا
وبقيت أعمالكم المجيدة
منارا لنا
ومصباحا في طريقنا
فما أنبلها من تضحية
وما أروعه من قربان
كنتم أبطالا في حياتكم
وبقيتم أحياء في مماتكم
وكلما غربت الشمس
وتلاطمت الأمواج
بشواطئ صور وصيدا
نذكركم
يا مرزوق
ويا سعيد
زيا سلمان
ويا كريم
ويا فؤاد
ويا سمير
ويا ربيح
ويا إميل
ويا سعد الله
ويا نديم
ويا نبيل الله يرحمكم
ةيسكنكم فسيح الجنان
وأنتٍ أيتها الأم الثكلى
وأيتها البنت اليتيمة
وأيها الأب الحزين
وأيها الأخ الباكي
ما من كلمة يمكن أن تواسيكم
بفقدان ابنكم

مصابكم أليم
ومصابنا أكبر
وقد علّمنا انبياؤنا
أن نصبر عند الملمّات
وأن نقبل قدرنا
بالرضى والتسليم
هي مشيئة الله
وهو على كل شيء قدير
فإلى جنات النعيم
أيها الأبناء الأبرار




سميح ناطور

دالية الكرمل – شباط 1983