شخصية العدد : شبلي العريان
عن الضحى

من الشخصيات الفذة التي سطّرت فصولا رائعة في التاريخ وتكاد تكون مجهولة لدى السواد من بني قومنا، الزعيم الفذ شبلي العريان، أحد أفراد الأسرة الدرزية المعروفة. فقد كان مجاهدا وطنيا بطلا عسكريا مقداما وحاكما إداريا مصلحاً، خلّف وراءه صفحات رائعة في جميع هذه الميادين، نرى أن نوجزها في هذا الباب بقدر ما يسمح لنا المقام.
برز الشيخ شبلي العريان على مسرح الحياة العامة أول مرة في العقد الرابع من القرن الماضي وذلك عندما كان في ريعان الشباب وكان الدروز يخوضون حربهم الشاملة الكبرى مع إبراهيم باشا المصري أثناء غزوه لبلاد الشام.
وعندما اشتد أوار الحرب بين الجيوش المصرية والمجاهدين المعروفيين في جبل حوران وجنوبي دمشق وحاول الفاتح حشد جميع قواته ضد الدروز في جبلهم الشرقي، هب بنو معروف لنجدة إخوانهم بفتح جبهة جديدة ضد العدو المهاجم في منطقة وادي التيم وسفوح جبل الشيخ والطرق الغربية المؤدية إلى دمشق وكان لواء القيادة في هذه الجبهة الجدية معقودا للزعيم الشيخ شبلي العريان.
ولما انتهت الحرب الأساسية بين إبراهيم باشا وأبناء جبل الدروز، ظل القائد المصري موغر الصدر على الزعيم شبلي العريان بسبب بلائه الشديد بالجيش ومزايا الرجولة جعله يواجه إبراهيم باشا بصورة مفاجئة عندما كان يخيم مع جنوده غربي دمشق، مما حمل القائد المصري على الإعجاب بهذا البطل المعروف المقدام فعقد معه اتفاقا وديا وعهد إليه بقيادة وحدة عسكرية خاصة به آملا أن يستفيد من كفاءته الفذة وبطولته الخارقة.
لم يطل المقام بإبراهيم باشا في بلاد الشام، بعد أن عقد صلحه الشامل مع الدروز، بما فيهم الشيخ شبلي العريان، وذلك بسبب تضافر القوى ضده، وتمكن السلطان العثماني من إعداد قوة عسكرية كبيرة كاملة التجهيز، حسنة التنظيم فاضطرت القوات المصرية إلى الانسحاب من كل المنطقة.
وعندما استقر الحكم للعثمانيين من جديد في البلاد، حاولوا استرداد هيبتهم بين الدروز والعثمانيين. وكانت حملة حسين باشا على جبل الدروز.
ولما كان شبلي العريان ما يزال يعتبر آمرا للوحدة العسكرية الخاصة على نحو ما كان عليه في عهد إبراهيم باشا حاول الحاكم العثماني استخدام تلك الوحدة للاشتراك في الحملة على جبل الدروز فأبى قائدها الانصياع إلى أمر الحاكم العثماني، محتجا بأنه لا يستطيع أن يحارب بني قومه. فأدى الأمر إلى اعتقاله وسوقه مخفورا إلى الآستانة لمحاكمته بتهمة التمرد على إدارة السلطان. ولما كان بعض ذوي النيات السيئة يضمرون الحقد للدروز بوجه عام أوغروا صدور والي أولي الشأن في مقر الخلافة على الزعيم الدرزي شبلي العريان فحُكم عليه بالموت.
وينقل الرواة أن العريان أظهر أثناء اعتقاله في مقر الخلافة، من رباطة الجأش وضروب الشجاعة ما ذاع أمره لدى الباب العالي، حتى بلغ مسامع السلطان نفسه فرغب في التعرف إليه بصورة مباشرة ليتبين أمره، ويتحقق بنفسه مدى صحة ما ينسب إليه من الأخبار النادرة. ونُقل شبلي العريان، مخفورا إلى السلطان وأعجب بمظاهر الشجاعة والبطولة البادية عليه. وتحدث إليه فأعجبه ما ظهر منه من العقل والرزانة. فراح السلطان يستدرجه إلى طلب العفو، للاستفادة من شجاعته ورجولته بدلا من أن ينفذ به حكم الموت.
أدرك شبلي العريان ميل السلطان إلى العفو منه، وكانت السلطنة العثمانية تخوض إحدى حروبها الكبرى المرهقة ضد روسيا القيصرية (حرب القرم 1856) ، فعرض على السلطان خدماته في ميادين القتال، مقابل العفو  الذي يريد أن يتفضل به عليه، بشرط أن يسمح له بتأليف فرقة خاصة غير نظامية، من بقايا أتباعه الذين كانوا ما يزالون معه في السر ومن يشاء منهم أن ينضم إليه من الفدائيين أو المحكوم عليهم.
لاقى هذا الاقتراح قبولا من السلطان وعفا عن شبلي العريان وجميع رجاله، ومكّنه من تأليف فرقة من المحاربين غير النظاميين، قيل أنه بلغ عدد أفرادها حوالي أربعة آلاف مقاتل، واختار القائد المحنك إحدى جبهات القتال في المناطق الجبلية أوغل فيها هو ورجاله. وانقطعت أخبارهم من العثمانيين حوالي أربعة أشهر وراح كبار رجال الدولة يثابرون في التأويلات الباطلة وسوء الظن.
وعلى حين غرة، عاد القائد المنتصر شبلي العريان على رأس رجاله الأشاوس يجر وراءه فرقة كاملة من جيش العدو أسرى، وعلى رأسها قائدها بالذات، وشرح لأولي الشأن ما حققه للسلطان من الانتصارات الباهرة، التي كادت لا تصدق لولا أن شهد بها رجال العدو أنفسهم.
وعندما شاعت أخبار هذه الانتصارات تفضل السلطان واستدعى القائد الظافر شبلي العريان إلى حضرته مرة ثانية وعندما مثل أمام السلطان، أظهر كل صفات الولاء والوفاء، فأنعم عليه السلطان بالأوسمة العالية ومنحه رتبة الباشاوية وأراد أن يقلده الحكم الإداري والعسكري في أي منطقة يختارها هو بنفسه.
قبل شبلي العريان إنعام السلطان عليه بمزيد من الشكر. وطلب أن تكون خدمته للدولة في إحدى البلدان العربية. وبعد مداولات اعتذر عن قبول السلطة في سوريا أو لبنان، بالنظر لوجود بني قومه الدروز فيهما.، لأنه سيكون في موقف حرج للغاية، إذا ما ظهر أي خلاف بين طائفته والباب العالي. واستقر الرأي على تقليده الحكم في العراق، فعُين حاكما لجنوبي العراق وراحت سلطته تمتد من مدينة الحلة، أول مدينة جنوبي بغداد، حتى البصرة.
وفي العراق ظهرت جميع مواهب الزعامة والقيادة الكامنة في شخص شبلي العريان إذ استطاع إخماد جميع الفتن والثورات لا سيما في منطقة الفرات الأوسط، التي كان أهلها مشهورين بالتمرد على السلطان، وتم له ذلك بالحكمة والدراية دون إراقة الدماء. وقام بكثير من الإصلاحات الإدارية، التي ظل معاصرو عهده يذكرونها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ومن اكبر الأدلة على ما بلغه شبلي باشا العريان من المقام في جنوبي العراق وتعلق الأهلين به أن ساهم في تجديد بناء مقام الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في النجف الأشرف. وقد حفظ له أهل النجف هذا العمل الطيب، إذ نقشوا على أحد الأبواب الرئيسية، التي قام بتشييدها هو بالذات ، أبياتا من الشعر تضمنت تاريخ ذلك الحدث.