التنظيم الطائفي عن دروز إسرائيل - الجزء الثاني

بقلم الأستاذ سلمان فلاح

استعرض الكاتب في الجزء الأول من المقال نشر في العدد الماضي وضع الطائفة الدرزية في فلسطين في العهدين العثماني والانجليزي من ناحية التنظيم الطائفي وذكر المحاولات التي قام بها رجالات الطائفة للاعتراف يها كطائفة مستقلة والإجراءات التي اتخذتها السلطات في هذا الشأن


الوضع بعد قيام الدولة
بعد قيام دولة إسرائيل استأنف الدروز مطالبهم للاعتراف بهم كطائفة دينية خاصة. وفي اللقاء الأول بين زعماء الطائفة مع وزير الأديان الأول الرابي ي.ل. ميمون – فيشمان – عرض الدروز مطالبهم بالاعتراف رسميا بطائفتهم وإقامة مؤسساتهم الطائفية في نطاق تنظيم طائفي شامل ومع أن المسؤولين أبدوا تفهما ورغبة طيبة في الاستجابة لهذا المطلب، فإن الأمر لم ينفض بسرعة غير أن ذلك قد تم بعد عدة سنوات أي سنة 1957.
بعد ذلك بفترة وجيزة قامت الدائرة الدرزية في وزارة الأديان بتعيين مأذونين لتسجيل الزواج والطلاق، وقد اعتمدت في ذلك على قانون تسجيل الزواج والطلاق من سنة 1939 والذي تم بموجبه أيضا تعيين مأذونين خاصين بالبدو الذين ليست لهم علاقة دائمية ويومية بالمحاكم الشرعية.
وبعد تعيين المأذونين لتسجيل الزواج والطلاق برزت ضرورة إنشاء هيئة للإشراف على عمل المأذونين نظرا لأنه لم تكن هناك محكمة دينية تشرف على ذلك. ونتيجة لذلك قامت وزارة الأديان في يوم 9-4-1954 بتعيين لجنة للإشراف على تسجيل الزواج والطلاق مؤلفة من الشيخ سلمان طريف رئيسا – من قرية جولس – والشيخ أحمد خير من أبو سنان – والشيخ حسين عليان من شفاعمرو - . وقد اشترك في هذه اللجنة ممثل عن وزارة الأديان، وعقدت جلساتها بانتظام مرة كل ثلاث أشهر باشتراك جميع المأذونين الدروز. لقد كانت وظيفة اللجنة كما ورد في رسائل التعيين، فحص جميع السجلات الواردة فيها حالات الزواج
والطلاق والموجودة في حوزة المأذونين الدروز والتأكد من أن جميع حالات الزواج نفذت وسُجلت حسب قانون الزواج من سنة 1950 وقانون مساواة المرأة من سنة 1951.
لقد عينت الدائرة الدرزية في وزارة الأديان لجنة أخرى سنة 1959 للإشراف على شؤون الوقف غير أنها بدأت بممارسة الشؤون المتعلقة بالأحوال الشخصية، وكانت اللجنة مؤلفة من المشايخ: سلمان طريف وكمال معدي وحسين عليان. وقد كانت لهذه اللجنة صلاحية إعطاء التصديقات الخاصة بتسوية الأراضي غير أنه اتضح أن هذه اللجنة اجتمعت منذ إقامتها وحتى نهاية شهر شباط 1960 – وهو التاريخ الذي أعلن فيه وزير الأديان عن حلها – ثلاثين مرة أصدرت فيها تصريحا واحدا متعلقا بشؤون الوقف أما الأمور الأخرى التي عالجتها فكانت في نطاق الزواج والطلاق والوصايا والنفقات عند الدروز.
لم تعمل هذه اللجان كسلطات قضائية، بل عملت على أساس التحكيم وتسوية الخلافات بين الأطراف المتنازعة، واتضح أن المأذونين واللجان لم يستطيعوا العمل وفق ما ينص عليه القانون فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وخاصة الأمور المتعلقة بالإجراءات القانونية كما هو الحال بالنسبة لأحوال الطلاق التي تلزم الترافع أمام محكمة دينية (حسب قانون مساواة حقوق المرأة من سنة 1951 – البند الثامن). وقد أخذت بالحسبان أعمال هذه اللجان والمأذونين في قانون المحاكم الدينية الدرزية.


الاعتراف بالدروز كطائفة مستقلة
أصدر وزير الأديان السيد موشيه حاييم شبيرا بتاريخ 15 – 4 – 1957 وبموجب صلاحياته حسب مرسوم – الطوائف الدينية – (تنظيم) 1926 أمرا بالاعتراف بالطائفة الدرزية طائفة دينية مستقلة.
ووفق هذا الأمر خول الوزير صلاحية تعيين مجلس ديني طائفي. وهيئة ثقافية على أن تكون مؤقتة وإلى أن يتم تعيين مؤسسات  الطائفة بالتشاور مع مشايخ الدروز.
إن نوعية مؤسسات الطائفة ومدة عملها وأنواع صلاحياتها ووظائفها وطرق إدارتها تقرر من قبل وزير الأديان بعد التشاور مع المجلس الديني والمجلس الثقافي. لهذه المؤسسات الحق – بموافقة وزير الأديان – جباية الرسوم مقابل خدماتها للجمهور.
ومنذ سنة 1957، ونظرا لعدم وجود سلطة قضائية ذات صلاحيات تستطيع معالجة شؤون الأحوال الشخصية والوقف، برزت الحاجة الملحة لإقامة محاكم خاصة بالدروز تكون ذات صلاحية قضائية تعالج هذه الأمور.


اقتراح قانون المحاكم الدينية الدرزية
ومن أجل إقامة محاكم دينية درزية ، قامت الحكومة في سنة 1959 ببلورة – اقتراح قانون المحاكم الدينية الدرزية – تمنح الحكومة صلاحية وإقامة محاكم دينية ومحاكم استئناف للطائفة الدرزية وتعيين القضاة لهذه المحاكم. إن شروط تعيين القضاة الدروز تطابق شروط تعيين قضاة المحاكم الدينية اليهودية وذلك وفق قانون القضاة الدينيين من سنة 1955، وقانون القضاة المسلمين سنة 1961 والذي أقرته الكنيست وقامت الحكومة بعد ذلك بإعادة مسودة قانون جديدة وطرحتها على بساط البحث في الكنيست بتاريخ 9 – 4 – 1968 .
لم تكن للدروز في إسرائيل – بخلاف الطوائف الدرزية في البلدان الأخرى (خاصة لبنان) – اية سوابق في محاولات التنظيم الطائفي ونتيجة لتقاضيهم في المحاكم الدينية الشرعية في فترة الحكم العثماني، فلم تكن للطائفة الدرزية في إسرائيل صيغة قانون للأحوال الشخصية. ومن هنا فإنه لو أقرت الكنيست هذا القانون، ونتيجة لذلك قامت المحاكم الدينية فلم تكن هناك عمليا اية أمكانية لتسيير هذه المحاكم لعدم وجود قانون أحوال شخصية خاص بالدروز في هذه البلاد. وهكذا فإن عدم وجود مثل هذا القانون الخاص بالطائفة الدرزية في إسرائيل كان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تأخير إقرار قانون المحاكم الدينية الدرزية من قبل الكنيست.
لقد كان الشيخ أمين طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل أول من لفت النظر إلى هذه المسألة،ففي مذكرة مفصلة قدمها إلى رئيس الحكومة بتاريخ 12 – 9 – 1960 اقترح أن يتضمن قانون المحاكم الدينية الدرزية بندا ينص على تبني قانون الأحوال الشخصية في لبنان. سنة 1948 قانونا دينيا للطائفة الدرزية في إسرائيل، مع إدخال بعض التغييرات المترتبة على احتياجات القانون الإسرائيلي فيما يتعلق بالأحوال الشخصية. وكان نفس هذا القانون قد اقر على أنه القانون الخاص بالمحاكم الدينية الدرزية في سوريا أيضا سنة 1952.
إن قانون الأحوال الشخصية اللبناني يتلاءم بشكل كبير مع روح القانون الإسرائيلي الحديث في تعزيز المكانة القضائية للمرأة وهكذا فإن البند العاشر من القانون مثلا ينص على منع تعدد الزوجات، والبند 37 يقر فصل عقد الزواج يتم فقط وفق قرار المحكمة الدينية، والبند 38 بقر بعدم إعادة المطلقة. إن هذه البنود تطابق الأهداف العامة للقوانين الحديثة.   


المجلس الديني الدرزي
نتيجة لهذه الأوضاع برزت الحاجة إلى إقامة جهاز أو مؤسسة طائفية درزية مخولة باتخاذ قرارات حول المسائل المبدئية المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية الدينية الدرزية. ومنذ سنة 1950 توجد للطائفة الدرزسة رئاسة روحية مكونة من ثلاثة أعضاء برئاسة الشيخ أمين طريف. غير أن هذه المؤسسة لم تكن مؤسسة منتخبة من قبل الطائفة أو من هيئة ذات صلاحية حسب مقتضيات القانون.
وعليه فقد قرر وزير الأديان تعيين مجلس ديني للطائفة الدرزية من أجل تنظيم مسالة الأحوال الشخصية على أن يخول هذا المجلس صلاحية اتخاذ قرارات مبدئية في المسائل المتعلقة بهذا القانون. وبناءا عليه أقيم مجلس ديني للطائفة الدرزية مؤلف من الشيخ أمين طريف من قرية جولس – رئيسا – والشيخ كمال معدي من قرية يركا والشيخ أحمد خير من قرية أبو سنان عضوين.
ومع نشر الأنظمة المتعلقة بإقامة المجلس الديني كتب الشيخ أمين طريف رسالة إلى رئيس الحكومة وزير الأديان قال فيها :" إن إعطاء الرئاسة الروحية مركزا قانونيا إلى جانب الاعتراف بالطائفة الدرزية كطائفة دينية منذ سنة 1957، إن ذلك حدثا تاريخيا يحمل على أهمية خاصة لأن في ذلك أيضا خطوة عملية وهامة نحو تنظيم الطائفة ووضعها في إطارات تنظيم دائمية، على أن يكون المجلس الديني الأعلى صاحب القرارات الأخيرة في مسائل الشرع والدين، ووضع الأسس فيما يتعلق بإدارة الوقف الدرزي.
إن تعيين مجلس ديني للطائفة الدرزية في هذه البلاد لم يكن يقل أهمية عن قرار الاعتراف بالطائفة الدرزية طائفة مستقلة. فلأول مرة تكون طائفة رسمية معترف بها. وتحمل صلاحيات اتخاذ القرارات والبت والفصل في الأمور الدينية والروحية. وقد ابرز هذا الحديث في احتفال رسمي عقد في دار رئيس الدولة بتاريخ 12 – 11 - 1961 حضره ما يقارب السبعين شيخا ومثقفا من جميع القرى الدرزية بالإضافة إلى رئيس الدولة ووزير الأديان.



قانون المحاكم الدينية الدرزية
لقد نوقشت مسودة اقتراح القانون التالية في الكنيست بتاريخ 9 – 4 – 1962 ومرت مرحلة القراءة الأولى. وقد حازت مسودة الاقتراح القانون على موافقة جميع الأحزاب وقبلت بالإجماع، وقد أدخلت على مسودة الاقتراح تغييرات مبدئية من الجدير الاهتمام بذكرها من عدة نواحي:


1- صلاحية المقاضاة
صلاحية المقاضاة التي تتمتع بها المحاكم الدينية الدرزية مطابقة في المحاكم الدينية اليهودية (زواج وطلاق) وللمحاكم الدينية الدرزية صلاحية مطلقة في المقاضاة في أمور الزواج والطلاق أما في أمور الأحوال الشخصية الأخرى والوقف فتكون الصلاحية موازية فقط. هذا يعني أن للمحكمة الحق البت في حالة موافقة جميع الأطراف المتنازعة على ذلك.
يعطي البند السادس من مسودة القانون للمحاكم الدينية الدرزية حق المقاضاة المطلقة إذا كان الوقف قد أسس وعرض أمام محكمة وفق الأحكام الدرزية. أما بالنسبة للأوقاف التي أسست وعرضت أمام محكمة دينية أخرى أو وفق عادة درزية قبل ان يكون هذا القانون فإن للمحاكم الدرزية الحق الموازي للمقاضاة في ذلك. وفقط في حالة موافقة جميع الأطراف المعنية يحق للمحكمة النظر في ذلك بواسطة تحكيم قضائي خاص.
وقد طالبت الرئاسة الروحية وجهاء دروز آخرون بمنح المحاكم الدينية الدرزية صلاحيات المقاضاة الخاصة في شؤون النفقة وتنفيذ الوصايا أيضا بالإضافة للصلاحيات السابقة وكان هناك أيضا من طالب بإضافة حق المقاضاة الخاصة في شؤون الميراث للمحاكم الدينية الدرزية.


2- هيئة المحاكم
تتكون المحكمة الدينية الدرزية من ثلاثة حكام، ومحكمة الاستئناف مؤلفة مما لا يقل عن ثلاثة حكام يجلسون جميعهم ساعة المداولة. هذا الشيء هو بخلاف الوضع في المحكمة البدائية الشرعية حيث يجلس قاض واحد.
وأما في محكمة الاستئناف فيجلس ثلاثة قضاة. لقد تغير تركيب هيئة المحكمة الدينية الدرزية بتاريخ 1 – 10 – 1967 ومنذ ذلك التاريخ يستطيع قاضيان النظر في الدعاوي بدلا من ثلاثة وفي تعديل آخر للقانون يجوز لقاض واحد النظر في جميع الدعاوي المعروضة.


3- تعيين القضاة
تعيين القضاة ولجنة التعيينات: يكون لقب القاضي في المحكمة الدينية الدرزية قاضي مذهب كما هو متبع في لبنان، ويعين قاضي المذهب مثله مثل القضاة الآخرين من قبل رئيس الدولة، حسب توصية لجنة تعيينات تمثل أمام رئيس الدولة بواسطة وزير الأديان. وقبل أن يبدأ قاضي المذهب هذا ممارسة عمله، عليه أن يقدم يمين الولاء أمام رئيس الدولة بأنه يلتزم بالولاء لدولة، وبمقاضاة الناس بالعدل، وأن لا يتحيز في الحكم، أو يتواطأ مع من يعرفه. وتتكون لجنة التعيينات من ثمانية أعضاء هم: رءئس المجلس الديني الأعلى، رئيس محكمة الاستئناف حتى ولو كان رئيسا للمجلس الديني، قاضي مذهب لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، قاضي مذهب آخر يكون منتخبا بواسطة ثلاث قضاة مذهب لمدة ثلاث سنوات، وزير الأديان ووزير العدل وعضوا كنيست درزيان ينتخبان بواسطة الكنيست في انتخابات سرية، وإذا انتهت فترة الكنيست التي يخدمان بها فيستمران في عضوية اللجنة حتى تنتخب الكنيست الجديدة عضوين جديدين مكانهما، وإذا لم يكن هناك عضوا كنيست درزيين ينتخب مكانهما للجنة التعيينات وجيهان من وجهاء الطائفة الدرزية بواسطة الكنيست وبانتخاب سري ويبقيان في منصبهما طالما لم تنتخب الكنيست أعضاء جدد مكانهما ويكون وزير الأديان رئيس هذه اللجنة، أما العضو الثامن فهو ممثل نقابة المحامين، كذلك يقر البند الثلاثون تعليمات مرحلية يحل حسبها اثنان من مشايخ الدين الدروز بتعيين من وزير الأديان مكان قاضي المذهب العاملين في اللجنة.
هذا الأمر معمول به خاصة بالنسبة للتعيينات الأولى التي تتم وفق هذا القانون


4- شؤون الإدارة في المحاكم الدينية
يقرر وزير الأديان بالتشاور مع رئيس محكمة الاستئناف ومع وزير العدل شؤون الإدارة الخاصة بالمحاكم الدينية ومن حقه تعين شخص يكون مسئولا عن تنفيذ ذلك أمامه


5- فترة تعيين القاضي وأجره
لا تنتهي مدة عمل القاضي إلا  بموته أو باستقالته أو بخروجه إلى التقاعد أو بنقله من وظيفته. يحال قاضي المذهب إلى التقاعد في سن السبعين وفي ظروف معينة يمكن قبل هذه المدة – 52 -.


6- خصائص التعيين
لا يجوز للقاضي أن يكون عضو كنيست أو عضو مجلس غير أن يكون باستطاعته وبموافقة وزير الأديان على ذلك القيام بشكل مؤقت بإشغال منصب من قبل الدولة أو في مجال الخدمات بشرط إلا يمس هذا العمل بمركزه كقاضي مذهب.


7- الأجر ومدفوعات أخرى
تقرر الكنيست معاش القاضي والمدفوعات الأخرى التي يحصل عليها في فترة عمله أو بعدها وخاصة المدفوعات التي يحصل وُرثاءه بعد موته.


8- المحكمة التأديبية
من حق وزير الأديان تقديم شكوى ضد قاضي المذهب في الحالات الآتية :
أ – حين يقوم بعمل ينافي أداء واجباته.
ب- حين يقوم بسلوك ينافي مركزه كقاضي مذهب في دولة إسرائيل.
ج- حين يدان في قضية ملابساتها جنائية.
د – حين ترى لجنة التعيينات أنه حصل على تعيينه بطرق غير قانونية. وإذا رأت المحكمة التأديبية أن قاضي المذهب لا يليق بمتابعة مهماته يرفع وزير الأديان توصيات المحكمة التأديبية إلى رئيس الدولة الذي يقوم بنقله من وظيفته.


9- توقيف قاضي المذهب عن عمله
إذا قدمت شكوى ضد قاضي المذهب فيحق لوزير الأديان أن يوقفه عن عمله لفترة يحددها هو، لكن المحكمة التأديبية تستطيع حسب طلب قاضي المذهب إبطال هذا التوقيف.