عودة الدروز: مسرحية كتبها الشاعر الإنجليزي روبرت براونينغ
إعداد : سهام ناطور (عيسمي)


الشاعر: يعتبر الشاعر روبرت براونينغ أكبر شعراء الانجليز بعد ويليام شكسبير. ولد في لندن عام 1812 وتوفي في البندقية عام 1889 كان ابنا لعائلة ثرية ومتدينة. تعلم بواسطة معلمين خصوصيين وبالمطالعة الذاتية ولما بلغ الرشد اختار كتابة الشعر سبيلا له في الحياة، وكان ذا خيال واسع، وتأثر كثيرا بأفكار والدته التي كانت شديدة التدين وبمكتبة والده التي حوت كل غريب ونادر من الكتب والمواضيع.
كان أول إنتاجه عام 1833 حيث نشر مقالة اسمها "باولينا" تحت اسم "برسلوس" تتحدث عن باحث الطبيعة الكبير الذي فشل حسب اعتقاد براونينغ – لأنه لم يحسن علاقاته مع بني البشر.
وقد برزت في هذه المقامة مميزات براونينغ الشاعر الذي تعمّق في نفوس أبطاله. وفي عام 1837 بدأ  بنشر سلسلة من المسرحيات مؤلفة من سبع مسرحيات كانت ذات طابع تاريخي إلا انه لم يهتم بالمعلومات والنواحي التاريخية والدقة فيها وإنما اعتم بالعوامل النفسية عند أبطال مسرحياته وكان من بين هذه المسرحيات السبعة مسرحية "عودة الدروز" حيث كانت الخامسة وصدرت عام 1843.
وأصدر بين السنين 1941 – 46 مجموعة من القصائد القصيرة باسم "أجراس ورمان" ومجموعة أخرى من القصائد باسم "قصائد درامية".
تزوج عام 1846 من الشاعرة اليزابيث باريث بعد قصة حب عنيفة واستقر في مدينة فلورنسا في ايطاليا حتى وفاتها عام 1861 وكانت زوجته شاعرة لها شخصية مستقلة وشهرة كبيرة وأصبحا يعرفان في تاريخ الأدب العالمي بالزوجين الشاعرين براونينغ.
نشر عام 1850 أشعارا دينية باسم "ليلة عيد الميلاد وعيد الفصح" ونشر عام 1855 قصائد درامية باسم " رجال ونساء" لاقت شهرة كبيرة. عاد على انجلترا عام 1864 واصدر مجموعة جديدة من القصائد الدرامية باسم "النفوس العاملة" واصدر عام 1868 مقالة مطولة من أربعة مجلدات باسم "الخاتم والكتاب" انتشرت بسرعة كبيرة في أوساط المثقفين والجمهور واعتبرت فيما بعد أهم إنتاج شعري انجليزي صدر في عهد الملكة فيكتوريا (1837 – 1901).
وفي العشرين سنة الأخيرة من حياته أصثدر 16 مجلدا من المقطوعات الشعرية والقصائد والمقامات والمسرحيات تناولت مواضيع مختلفة وجعلته شاعر ذائع الصيت فتأسست جمعيات براونينغ في لندن وبوسطن وشيغاكو وغيرها كان هدفها دراسة أشعاره المعقدة وتحليلها وقد منحته جامعة أدينبرة في اسكتلندا لقب شرف وعندما توفي عام 1889 دفن في مقبرة عظماء الانجليز في وستمنستر بلندن.
الشاعر والدروز:
بعد مطالعة الكتب التي تتحدث عن سيرة حياة الشاعر وأعماله وتنقلاته لم نجد أنه كانت له علاقة مباشرة مع الدروز فهو لم يزر بلدان الشرق الأوسط ولم يجتمع بالدروز ويمكن أن نستنتج أنه اكتسب معلوماته عن الدروز من عدة مصادر أهمها المدن الايطالية التي بدأ بزياراتها عام 1834 وخاصة فلورنسا وتوسكانيا اللتين استقبلتا قبل ما يزيد عن قرنين الأمير فخر الدين المعني الثاني حيث وجد فيها ملجأ لبضع سنوات. ومع أنه مرت مائتا سنة على تلك الحادثة إلا أن ذكرى فخر الدين كانت ما زالت حية في المدن الايطالية في الأدب والفن والسياسة والدين ممن يقر المسرحية يجد روابط قوية واستشهادات كثيرة للعلاقة بين الدروز والمدن الايطالية وهو يختتم المسرحية بقدوم جيوش مدينة البندقية لإنقاذ الدروز وإعادتهم  إلى بلادهم في اللحظة التي يموت فيها بطل المسرحية. وفي الفترة التي سبقت كتابة المسرحية (عام 1842) كان الدروز يحاربون جيوش إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا  حاكم مصر في حوران ولبنان ويصدون هجماته وينتصرون عليه، كل ذلك في الوقت الذي اكتسح إبراهيم باشا معظم مناطق الإمبراطورية العثمانية شرقي بحر المتوسط واحتلها وركّز حكمه فيها إلا المناطق التي يسكنها الدروز ولما كان الصراع بين الدول الكبرى في ذلك الوقت على أشده على مناطق الإمبراطورية العثمانية – الرجل المريض – ومنها روسيا وغيرها التي كانت تعمل على ابتلاع مناطق معينة من الإمبراطورية وبريطانيا وفرنسا اللواتي كن يحاولن منع ذلك فلما اجتاحت جيوش إبراهيم باشا أراضي سوريا وفلسطين لم تكن هذه القضية داخلية في الإمبراطورية العثمانية وإنما كان لها تأثير على  السياسية العالمية، فإذا وجدت هناك طائفة قليلة العدد استطاعت أن تتحدى إبراهيم باشا ووالده، وصلت اصداء هذه البطولات مسامع الدول الكبرى وخاصة الانجليز وبلغت كذلك مسامع الشاعر الذي كان صاحيا لما يجري حوله.
وعلى الصعيد الطائفي فقد نشب أول صراع طائفي مسلح بين الدروز والموارنة في لبنان عام 1841 بعد وفاة بشير الشهابي الذي عمل كل شيء من أجل إبعاد الدروز من مراكز القوى في لبنان. وكان هذا الصراع من قبل الدروز محاولة لاستعادة مكانتهم في لبنان ومن جهة أخرى محاولة من قبل الموارنة للمحافظة على الانجازات التي حققها لهم بشير الشهابي. وكانت فرنسا تدعم الموارنة بكل الوسائل ومن جهة أخرى حافظ الانجليز على موقف متزن بين الفريقين. ووصلت أخبار هذه المناوشات الطائفية بين الدروز والموارنة عام 1841 إلى لندن وبحثت في البرلمان البريطاني والأوساط السياسية واطّلع عليها براونينغ فاختمرت في ذهنه فكرة كتابة المسرحية، وقد ذكرنا أن الشاعر تأثر بالكتب التي احتوتها مكتبة أبيه وكانت له ميول دينية وفلسفية ولما كان الغرب ينظر إلى الدروز في تلك الفترة على أنهم طائفة صوفية غريبة كلها أسرار وأعمالها بطولية خارقة، من هنا وفي هذا المناخ وضع براونينغ المسرحية ونشرها عام 1943.
المسرحية:
"عودة الدروز" مسرحية تراجيدية مؤلفة من خمسة فصول بطلها أمير درزي اسمه "جبل" فقد جميع أبناء عائلته في قتال والتجأ إلى أوروبا ومنها إلى جزيرة رودوس ليعمل على جمع أبناء طائفته والعودة بهم لتحرير أرضهم. وإلى جانبه بطلة المسرحية – أنيل – فتاة درزية رائعة الجمال ومعها أخوها خليل.
تتحدث المسرحية عن الدروز الذين اضطروا إلى ترك لبنان موطنهم الأصلي بعد حروب عنيفة ولجأوا إلى جزيرة رودوس ليحافظوا على وجودهم وتقاليدهم فقد استقبلهم هناك أعضاء جمعية فرسان الأراضي المقدسة ووعدوهم بمساعدتهم على الرجوع إلى بلادهم إلا أنهم مع الوقت نكثوا وعدهم وبدأوا بالضغط عليهم بأن ينتصروا بحجة أنهم أحفاد القائد الصليبي  الكونت دي ديرو وينهض الأمير جبل للمحافظة على وعد مدينة فينيسيا بأن ترسل جيوشها لمساعدة الدروز لكي يعودوا  إلى لبنان.
ولكي يستطيع جبل أن يفرض سلطته وهيبته على أبناء طائفته يعلن أنه إله ويبدأ يرسم المخططات للنزوح عن الجزيرة والعودة إلى لبنان. وفي هذه الأثناء تعلن الفتاة أنيل حبها لجبل الإنسان الذي سيحرر أبناء طائفتها. ويتنافس على حب أنيل شخص آخر هو ليون الأوروبي صديق جبل، وليون هذا يصر أن الدروز هم من سلالة الكولونيل دي ديرو وأنهم ليسوا عربا بينما يؤكد جبل أن الدروز عربا شرقيين لهم دينهم وعقائدهم ولا يريد أحد منهم أن ينصهر في المسيحية أو الحضارة الغربية.
في نهاية المسرحية يعترف جبل أنه ادعى الألوهية وأنه خدع أنيل حبيبته بذلك فيُقدم للمحاكمة على خداع شعبه وتكون القاضية أنيل نفسها التي سبق وتخلصت من الطاغية الذي حكم الجزيرة ومنع أبناء طائفتها من العودة إلى بلادهم.
وفي أوج المحاكمة لا تستطيع أنيا أن تتحمل الصراع في داخلها بين حبها لجبل الإنسان البطل وبين واجبها اتجاه طائفتها الذي يحتم عليها أن تحاكمه لأنه خدعها، فتسقط ميتة ويرى ذلك جبل فيقتل نفسه لاحقا بها وفي هذه اللحظات تدق طبول الجيوش القادمة من البندقية لتساعد الدروز في العودة إلى بلادهم وقبل أن يلفظ جبل أنفاسه الأخيرة يكون قد سمع أصوات جيش البندقية فيرفع رأسه ويقول لأبناء طائفته : إلى الجبل يا دروز ....