دعوة جديدة إلى الدين
بقلم السيدة هيام أبو الزلف – دالية الكرمل


لقد أصبح الدين، عنوان رجعية ومدعاة سخرية من قبل غالبية أبناء هذا الجيل، ولكن.. وعلى الرغم من ذلك فمن الظلم اتخاذ أي موقف منهم سلبي أم إيجابي فالمعلوم أن لكل ظاهرة أسبابها الواضحة والخفية وظاهرة الاستهتار بالدين وعدم الاقتناع به، لا تشذ هذه القاعدة فما عسى أن تكون هذه الأسباب؟.
يعيش أبناء هذا الجيل أزمات مختلفة، وعلى كل الأصعدة.. يعاني  صراعا عقليا وعقائديا وشعوريا لا يمكن التكهن بنتيجته بسبب الضغوط العديدة المتناقضة الواقعة على محيط الشخصية التي بدورها تتجزأ وتتناقض وتمرض، إن أزمة أبناء هذا لجيل لا تختلف عن أزمة ذلك البدائي الأفريقي الذي وضعوه فجأة وبدون مقدمات أمام مظاهر الحضارة فكانت النتيجة أن صعق وانهار.. هكذا هم أبناء هذا الجيل.. يواجهون الحضارة بمظاهرها وصخبها.. صلاحها وفسادها بدون سلاح.. بدون مناعة بمعنى آخر بدون أي إعداد نفسي لهذه المواجهة فأصبحت مظاهر الحضارة أقوى واشد إغراءا من كل الأساليب التربوية التي عفا عليها الزمن والتي ما زال الجيل المؤدب يستعملها حتى اليوم.. تلك الأساليب التي تعتمد التسلط والإكراه واتخاذ إجراءات العقاب بعد وقوع الخطأ.. دون أن تكلف نفسها إيجاد طريقة لمنع الخطأ قبل وقوعه.. هذا النوع من الأساليب استعمل فيما استعمل لأغراض التربية الدينية ولكن.. هل بالإمكان خلق علاقة روحية من محبة واحترام وتقديس بين المتربي الصغير وبين الدين، عن طريق الإرهاب والإكراه على تكرار ،، حفظ "بصم" تعابير تغلق رموزها على الشيخ المعمم؟.
ومع عدم نجاعة هذه الأساليب تجد الذين يهتمون بالتنشئة الدينية قلائل يعدون على الأصابع.. ثم أن الوسائل المتبعة لترسيخ أخلاق الدين تجعلنا نجد لذة في مخالفتها.. – لا تفعل كذا.. الناس - ؟ - لا تلبس كذا .. ماذا يقول الناس – لا تقل كذا .. الناس – كأن الناس إله وضمير، فكيف نتصرف في حال غياب الناس؟ وكيف هو السبيل التحايل عليهم؟
وعلاوة على كل ذلك.. لم يعد أبناء هذا الجيل يجدون القدوة الدينية الصالحة التي يقتدون بها عند بعض المشايخ فهناك شيخ ينهاهم عن التمسك بالدنيا ومظاهرها والعمل من أجل الآخرة نجده يعيش في أرقى مستوى مادي من منزل وسيارة ومأكولات فاخرة.. ونراه يخلط الدين بالسياسة.. ولو كان بعض رجال الدين على شيء من المرونة لأدركوا أن تحجر أساليبهم يخلق تنافرا كبيرا بين الدين وظروف العصر لدرجة أنهم أنفسهم لا يستطيعون التوفيق بينهما، فيكون التناقض بين قولهم وفعلهم ويكون التباعد بين أبناء الجيل وبين الدين. 
ومع ما ذُكر يأتي المناخ العام العالمي ليجعل الأمر أكثر استفحالا ، فكل ما في العالم يدعونا إلى الرخاء والرفاهية واللهو وعبادة الجسد.
لقد أصبحت حياتنا تنحصر في الجري وراء لقمة العيش والإفراط في إشباع متطلباتنا المادية، أصبحنا نهتم بنوعية ملابسنا وأحذيتنا وماركة سجائرنا وفخامة أثاث بيتنا ومساحته وهندسته.
ولكن وحتى بعد تحقيق كل ما نصبو إليه من الماديات هل نصبح سعداء؟ كيف تكون الإجابة بالإيجاب وهنالك في أعماقنا حلقة مفقودة يؤدي عدم إشباعها إلى فراغ نفسي مخيف هو مقبرة للشعور بالأمن والسعادة والرضى؟. كيف لا نبقى تعساء والجهاز الروحي الخفي في شخصياتنا معطل جائع إلى ما يصقله ويسمو به ويجعله أكثر مضاءا وشفافية؟ أجل .. لقد أصبح وجداننا يرفض – لاعتياده الجوع – أية فكرة روحية.. أي مثل أعلى يدعو إلى الإيمان والمحبة والتسامح والعطاء فكانت النتيجة هو هذا الفراغ الروحي الذي ينعكس على شخصياتنا ، ضياعنا.. قلقا وصراعا.. إن حياة كل منا تمتاز بالعشوائية والفوضى وعدم الاتزان، لأن عدم إشباع ميولنا الروحية – مع افتقارنا إلى الخلفية المقنعة والقاعدة الأيديولوجي المكينة التي ترتكز إليها في هذا العالم المهزوز – يؤدي إلى خلل في التوازن العاطفي والانفعالي وبالتالي إلى التعاسة.. وهل يكون هذا الإشباع الروحي إلا عن طريق الدين والإيمان الصادق؟.
مهلا.. لا تطلقوا علامات الاستفهام من عقالها.. لا تتسرعوا في الحكم علي بالرجعية والتخلف.. الدين؟ اجل الدين.. ذلك الكنز الروحي الذي أهملناه والذي ينتظر أن ينفض عنه الغبار.. حتى يستحق أن يدعى إنسانا.
من هو الأكثر رجعية وتخلفا. أذاك الذي يسموا ببدائية دوافعه ويتغلب على ميوله في سبيل الدين قيّنه ومثله؟ أم ذاك الذي لا يلبي إلا نداء الأنا وما يعود بالمصلحة والنفع على هذه الأنا؟ ثم على أي أساس ربطنا بين الدين والرجعية؟ هل أصبحت مظاهر الحياة المادية مقياسا للتقدمية والعصرية؟ أم تلك الفسطات والفلسفات التي أصبحت هي الأخرى جزءا من الموضة؟ ومن يستطيع ام يجزم بأن المنطق هو دائما مفتاح الحقيقة؟ لمَ لا يكون الحدس والفطرة المعطلة فينا والتي تجعلنا نؤمن دون أي رأي أو قياس..  لم لا تكون هي السبيل الأقصر إلى الحقيقة ؟ وإلى الله؟؟
إن الغالبية من أبناء هذا الجيل يتهمون الدين بالتحجر بينما الحياة البشرية تستدعي المرونة والديناميكية ولكن لو تعمقنا في الدين ورسائله لخرجنا ببعض الأحكام التي يتضمنها الدين
1- علاقة الإنسان بخالقه والشعائر التي تقربه إليه.
2- علاقة الإنسان بالإنسان والقيم والمعايير السلوكية التي من شأنها تحقيق السلام بين الأفراد وإشاعة مشاعر الأخوة والسلام والمحبة فيما بينهم.
3- يمكننا استخلاص قوانين الأحوال الشخصية وحقوق وواجبات الفرد امرأة أو رجل في قضايا منوّعة مما يخلق نوعا من العدالة الأرضية.
4- هنالك أفكار وفلسفات عميقة حول الخالق وماهية الوجود وكذلك (فرضيات) جغرافية فيزيائية علمية إلخ ..
5- هنالك أيضا رسائل هي بمثابة ردود على المشركين وتنفيذ لما يزعمون لا سبيل إلى كشف محتواها حفاظا على سرية الدين..
 وبعد التعمق والتأمل في رسائل الدين نحاول أن نجد سببا مقنعا نتهم به الدين بالتحجر فلا نجد إلى ذلك سبيلا بل ندرك ان التحجر هو في أسليب بعض رجال الدين.. فعلاقة الإنسان بخالقه أمر ينطبق على كل العصور، والإيمان بالله أمر لا يحتاجه الله منا فالقوي لا يحتاج الضعيف ولكننا نحن من يحتاج إلى الإيمان لما يمنحه لنا من أمن وسكينة واتزان وتجدد الآمال وصفاء ينعكس بدوره على علاقة الإنسان بالمحيطين به، وما تفرضه من أخلاق الإيثار والتسامح فأمر لا يمكن تجزئته ونسبته لعصر دون آخر فالأخلاق لا تتجزأ والإنسان يجب أن يظل إنسانا بكل ما تحويه الكلمة من معان.. وكذلك لا ضير في تطبيق القوانين المستخلصة من الدين متحديا عصرنا الحالي فمفهوم العدالة لا يتغير ثم أم المؤمن يتقبل القانون الديني برضا ورحابة صدر بعكس القانون المدني الذي هو بمثابة سلطة فوقية مفروضة علينا فرضا..
أما بالنسبة (للفرضيات) العلمية فبالإمكان حسب رأيي خضوعها لنوع من المرونة فالمفهوم العلمي قد أتانا بحقائق وبراهين علمية لا يتحتم علينا إلا القبول بها حتى لو كان بها شيء من التناقض مع ما ورد في الدين. وذلك أمر حتمي لأن العقل في نمو دائم وكل ما يأتي به العقل الموضوعي المجرد يجب اعتباره مكملا للدين لا مناقضا به ودين التوحيدي – كما هو معروف – يقدس العقل..
وهكذا وبعد الإقدام على تجربة القراءة والغوص والتحليق والتأمل في الدين يتسنى لنا إدراك المتعة التي نجنيها من ذلك، هذه هي المتعة والراحة التي يمكن أن تمنحنا إياها الموسيقى الهادئة بنفس الكثافة والعمق وبعد  المدى ولا البرامج التلفزيونية المنوعة ولا الرحلات الطبيعية ويتجلى لنا خطأنا حين نظن أن الدين يمنع العقل من نزهاته الفكرية ومحاولات بحثه عن الحقيقة لأن الدين بمجرد محاولاته إقناعنا بأسلوبه المندرج إلى الحقيقة، قد فتح أمامنا باب السؤال والنقاش والجدل ولكن المهم أن نعي جيداً أن كل نظرية لا تقود في النهاية إلى الحقيقة الكلية هي نظرية مغلوطة يجب إعادة النظر بها.. ويتجلى لنا خطأنا حين نظن أن الدين يكبلنا ويحد من  حريتنا فالصحيح أن الدين هو السبيل الأمثل إلى الحرية الواعية المسئولة فأخلاق الدين وممارسة شعائره تحررنا من المتاعب النفسية وتجعلنا أكثر إقبالا على الحياة.. أكثر عطاءً والأهم من ذلك تحررنا من نقل رغباتنا وطمعنا فنجد أنفسنا أـكثر سعادة واسترخاء بقناعتنا.
وبعد كل ما تقدم بضمير مرتاح أننا وفي هذا العصر بالذات أحوج ما نكون إلى الدين الذي ما زال وسيبقى ضرورة حيوية.. وحبذا أن نبدأ بتربية أنفسنا متغاضين عن الترسبات التي تركتها في شخصياتنا أساليب الذين قاموا بتربيتنا.. إذ لام تنته مهمة الدين عند الحد الذي عرفت فيه الأخلاق ، المثل وأنماط السلوك الإيجابية فليتنا نبدأ ببناء تلك القاعدة القوية لنا وللجيل القادم والتي نتزود منها بالصبر والصمود والسعادة والمناعة ضد جميع المغريات المنهكة لقوى الإنسان الجسدية والروحية والتي من شأنها الانحطاط والتعب والقلق والضياع ومن لديه الشك في ذلك فليرجع إلى الدين