ماهية الحياة (2)
بقلم البروفيسور الشيخ فاضل منصور – عسفيا
محاضرة ألقيت أمام مثقفين عرب في يوم دراسي في كفر ياسيف


إن ما يدفعنا إلى التفلسف وحب المعرفة، هو إدراكنا بما في الوجود من ألم وإخفاق وفشل وشر أخلاقي وموت، وليس ثمة إنسان لم يقلق باله يوما، مشكلة الشر فإن الموجود الذي ينشد السعادة بطبعه ما كان ليأخذ الألم، على أنه واقعة محضة أو ضرورة لا بد منها.
والإنسان لا يتفلسف لأنه يشقى ويتألم فحسب، بل لأنه يملّ ويسأم، فبعكس الحيوانات، كل واقعة نعيشها تمثل في مجرى الشعور على ضوء الواقعة الأخرى المقابلة لها: لأن المرض يذكّرنا بالصحة، والألم يثير في أذهاننا فكرة السرور، والموت يولّد لدينا الرغبة في الخلود وهلمَّ جرّا. فالإنسان يتفلسف لأنه يقلق ويفشل ويمرض ويتألم ويشقى ويدرك أن وجوده، قد حيك من نسيج الفناء، ويعرف أنه لا محال ذائق الموت.
والواقع أن الفلسفة لم تقطع صلتها يوما بالحياة، فقد حرص معظم المفكرين منذ بداية التفكير الفلسفي، على إشباع حاجة الإنسان إلى أخلاق عملية، إلى جانب اهتمامه بإشباع حاجتها إلى النظر العقلي. فسقراط كان يستخدم الفلسفة لإصلاح النفوس من الناحية الأخلاقية ،وبالتالي فلم تكن زيادة المعرفة هي وحدها التي تهمه، وإنما زيادة الفضيلة في المجتمع. ولهذا السبب فإنه يختلف عن السفسطائيين الذين يستخدمون الفكر لأغراض شخصية أو انتهازية، فسقراط لم يكن يعرف ما هي الانتهازية، ولهذا السبب فإنه لم ينتهز الفرصة لكي يهرب بعد أن أدانوه بالقتل. فلا بد من العودة إلى التراث الفلسفي القديم على نحو ما أسهم في تكوينه الفيثاغوريون والرواقيون والمسيحيون وكريكغارد ونيتشة، حتى يتحقق من التجربة الإنسانية حدودها ونقائصها وأخطاؤها وعثراتها وشفراتها ورموزها.
وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية في كل زمان ومكان، نتحقق من أن هذه المشكلة الميتافيزيقية الكبرى، قد اثارت لدى الإنسان قلقا عنيفا، لم تنجح شتى النزاعات الشكية أو النقدية أن تهدئه أو تخفف من غلوائه. والواقع أننا لا نتساءل فقط لما وُجد العالم، بل نحن نتساءل أيضاً كما قال شوبنهاور : لماذا كان العالم حافلا بكل تلك الشرور؟
1- يتساءل بوسييه قائلاً: يا إلهي ما هو إذن الإنسان؟ هل هو تجمّع خارق لأشياء متناقضة ومتناثرة.
2- أما نيتشة فيعتبر الإنسان كحبل مشدود بين الحيوان والإنسان الأسمى، لكنه حبل فوق الهاوية.
3- أما ماكيافيلي الشهير فيقول: لا يعرف الإنسان أن يكون جيدا كاملا ولا عاطلا تماماً. لكن ديستويوفسكي يقول في تعريف الإنسان إنه الكائن الذي يعتاد على كل شيء، وهذا في رأيه أحسن تعريف يمكن أن يُعطى للإنسان.
4- يقول كونفوشيوس: إن الإنسان الوضيع هو ذلك الذي ليس له مشاعر سوى الأنانية وينقصه الاستعداد لحسن المعاملة مع كافة البشر.
5- يرى برتاليمي أن الإنسان الأحمق هو ذاك الذي لا يتغير مطلقاً.
6- ديكارت ينادي بضرورة تحسن الأحوال المادية للحياة البشرية، لكن نجده يحرص في الوقت نفسه على أن يجعل الصدارة للروح على المادة.
7- بالإضافة إلى ذلك يقرر الفيلسوف كنت أن هناك حتمية كونية أو ضرورة شاملة، لكنه لا يلبث أن يحصر تلك الحتمية على الظواهر المادية، بل يعلن أن القانون الأخلاقي هو وحده الذي يكشف عن مصيرنا وغايتنا في الحياة.
8- يقول كوستاف لوبون : تُقدّر مكانة الإنسان في الحياة ليس بمقدار ما يعرف بل بمقدار ما يريد وما يستطيع، وأن رجال الفكر يحضرون رجال الفعل دون أن يحلوا محلهم.
9- يعود كريغارد (فيلسوف دانماركي 1813-1855)  فيقول إنه ليس المهم أن نعمل على زيادة حظ الناس من المعرفة بل أن نعلم الفرد كيف يكون إنساناً.ويستطرد قائلا ليس المهم أم نفسر الأشياء بل المهم أن نعيشها، وأن كل ما في وسعنا أن نتوصل إليه إنما هو أجزاء صغيرة من الحقيقة.
10- ويذهب تفكير الفيلسوف الألماني هيجل إلى القول: ما الإنسان إلى مجموعة أفعاله.
11- مثلث العظمة هرمس قال: إن الإنسان لم يُخلق لمعنى من المعاني إلا للعلم والعمل به.
من هنا فإن نظرة الفلاسفة إلى الإنسان مختلفة وماهية الأشياء مجهولة ولكن يمكن أن نجد معنى ورونق للحياة . ولما كانت كلمة بشر تنطبق على بني الإنسان من رجال ونساء فثمة ما يميز بين الجنسين من حيث تأثيره على محيطه، فالرجال تضع القوانين والنساء تصنع العادات والسلوك. في يد كل إنسان القدرة أن يختار ويوجه حياته ويبني نفسه عالما من المعاني والمفاهيم، عالما لنفسه حتى يكون في وضع أفضل مع نفسه ، مع أقاربه، مع الناس ومع محيطه.إذا صلح الإنسان صلح العالم ولكن كيف يتم إصلاحه وكيف تكون ماهيته وما هو دوره؟
يعبر سللي برودوم عن أهمية حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان بقوله: لقد عرفت سعادتي لكن في العالم الذي نعيش لا يمكن لأحد المفاخرة بإمكانية الإستغناء عن غيره من الناس، ومن ذلك الحين أحببت البشرية جمعاء. وبما أن الحياة البشرية هي ثمرة تعاون ومشاركة بين الناس وليس هناك إنسان "أوتركي" يستطيع أن يكفي ذاته من احتياجاته بنفسه، جاء الهدي والإرشاد لإصلاح هذه النفس البشرية، حيث قال عنها سقراط: " لا تستغني أطهر النفوس عن بعض الجهود في مقاومة الشر طلبا للترقي.". يولد الإنسان على عقيدة معينة، لوالدين معينين، وعلى لغة أم معينة وفي وطن معين، من الغيب يجيء وإلى الغيب يسير_ هل هذا صدفة أم وراء ذلك عبرة؟ هل تجسيد أنفسنا وتحقيق ذواتنا هو بالأكل والشرب والترف_ أرحام تدفع وأرض تبلع؟
- أم هناك دور علينا أن نلعبه ورسالة علينا أن نؤديها
- ما المعنى من حياتنا في هذه الدنيا
- لا يوجد منهج في هذا الكون بدون ضريبة والعظمة في المردود.
ولكن هل نستطيع أن نحدد أهم ما يريده الفرد لنفسه، وما ينشده في حياته؟ وما الذي نتطلع إليه نفسه ويسعى جاهدا لتحقيقه من الأهداف الكبيرة والغايات البعيدة.
نعم نستطيع أن نحدد ذلك إذا نظرنا إلى أنفسنا ونظرنا إلى البشر من حولنا واستقرأنا أحوال البشر في تاريخهم.نستطيع أن نحدد ذلك إذا عرفنا مقصودنا من الفرد هو الإنسان السوي لا الشاذ، الإنسان السليم لا المختل.
إن الفرد يريد أن يشعر بإنسانيته ويحيا بخصائصها، يريد أن يحس بكرامته وذاتيته، وأن له وزنا وقيمة في هذا الوجود. يريد أن يشعر أن لوجوده غاية ولحياته رسالة وأنه شيء مذكور بين أشياء هذا الكون العديدة وأنه مخلوق متميز عن القرود والدواب والحشرات، وأنه لم يخلق في هذه الأرض عبثا، ولا أعطي العقل وعلم العقل اعتباطا. الفرد ينشد الكرامة وينشد معها القوة، القوة اتجاه الطبيعة واتجاه الأحداث، القوة أمام طغيان الغير، وأمام شهوات النفس على حد سواء، القوة على تحقيق الغايات وأداء الواجبات، القوة التي تعوض الفرد عن ضعفه الجسدي وعجزه الخلقي وقصوره الذاتي إزاء الأقدار وإزاء الموت وإزاء المجتمع بقواه الكبيرة المتنوعة. وهو مع هذا ينشد شيئا آخر يلهث الناس جميعا في البحث عنه، إنه ينشد السعادة، ينشدها في هذه الحياة لا في الحياة الأخرى فحسب، لا يريد أن يقضي أيامه المقدرة له في هذه الدنيا شقيا تعيسا. يريد أن يعيش حياته ناعمة بسكينة النفس، وطمأنينة قلب. يريد أن يتمتع بالأمن الداخلي وبالرضى الذاتي، وبالأمل المشرق يضيء له آفاق حياته وبالحب الكبير_ هذه هي أهم وأعظم ما ينشده الإنسان السوي لنفسه ولكل من يحب من أهله ومن الناس.
أما الشواذ يريدون أن يعيشوا ليأكلوا، وأما الذين يريدون أن يعيشوا كالذئاب والسباع، تعدو وتسطو وتتسلط على غيرها بمنطق الناب والمخلب وتجد لذة في السطو، فليسوا مقياسا لكل البشر، ومع هذا لا يبعد أن يفيق أحدهم أو يصحو ليفتش عن نفسه أين هي؟ وعن ذاته ما هو؟ ويبحث عن الكرامة والقوة، عن السعادة والسكينة، عن المعاني والإنسانية الرفيعة التي بدونها لا يجد الإنسان ذاته ولا يتذوق لحياته طعما ولا يشعر لوجوده معنى أو قيمة.
يتبع..