المرحوم الشيخ أبو أحمد صالح طربيه
 بقلم الأستاذ الشيخ علي المن

انتقل إلى رحمته تعالى، قبل أشهر في قرية عسفيا، المرحوم الشيخ أبو أحمد صالح طربيه، عن عمر يناهز 95 عاماً. وهو ابن المرحوم الشيخ أحمد طربيه، أحد الرجال الدينين التقاة في الطائفة الدرزية، في مطلع القرن العشرين، وقد كان المرحوم الشيخ أحمد، من أركان المذهب في هذه البلاد، ومن الشخصيات الدينية المرموقة، الذين كانوا مرجعاً لكافة الأمور المذهبية.
وجاء في كتاب الأصول والأنساب، عن آل طربيه الدروز قوله :" إن آل طربيه موجودون في كفر حيم وكفر فاقود وبيصور والمعاصر وقبيع في جبل لبنان، وفي عيحا والماري في وادي التيم، وفي جرمانا والسويداء وقيصما ولبين في سوريا، ومنهم في الأزرق في المملكة الأردنية. من قبيع اللواء منير طربيه، من سلاح المدفعية، ترأس الأركان في الجيش في الثمانينات، وبالإضافة لمعارفه العسكرية، اشتهر بمناقبية تميز بها. ومنهم المجاهد غانم طربيه، ومن فروعهم بين الأسر الدرزية آل العنز، وآل سارة في بلدة الماري وآل صنطباي في عيحا وجرمانا، وأكبر هذه الفروع آل غنّام. ويقول الصغير أن أحدهم الشيخ حسين طربيه، جاء من لبنان إلى جبل العرب، وسكن أول الأمر محلة تدعى غوثة، قريبة من عرى، ثم انتقل إلى السويداء، وأعطي فيها أملاكا من قِبل صهريه سليم ومصطفى الأطرش، وكان للشيخ مكانة واحترام."
عاش الشيخ أبو أحمد صالح طربيه، في قرية عسفيا التي ولد ونشأ فيها، وكانت له فيها مواقف تاريخية مشهودة، خاصة في الثلاثينات من القرن العشرين، عندما قامت الثورة العربية الكبرى، وقد عانى المواطنون الدروز في البلاد وخاصة في عسفيا ودالية الكرمل وشفا عمرو، من معاملة الثوّار القاسية لهم، الذين استغلوا الثورة والفوضى والقوة التي بيدهم، لمطاردة الدروز والتنكيل بهم، بالرغم من أنهم استنفذوا كل قدرات الدروز وطاقاتهم المادية والاقتصادية لدعم الثورة. وقد قاد هذه العصابات في تلك الفترة، باسم الثورة، شخص اسمه يوسف أبو درة. وقد ذُكر في المصادر التاريخية، أن قيادة الثورة العربية، قسّمت فلسطين إلى مناطق وقيادات، وكان قائد منطقة حيفا وجبل الكرمل يوسف أبو درة من سيلة الظهر قضاء جنين. وكان مستبداً، إذ كان يأمر ثواره بقتل كل من كان يخالفه، مدّعياً أن ضحيته كان خائناً. وقد طلب من قريتي عسفيا ودالية الكرمل، أن تؤلف كل واحدة منها، لجنة لجمع التبرعات، وكذلك تأليف فصيل من 15 شابا مع أسلحتهم، لدعم الثورة العربية تحت قيادة أبو درة. وقد انصاعت القريتان لهذه الأوامر وتسلّح العسفاويون الشبان وخضعوا لتعليمات أبو درة للقيام بواجبهم. أما أبو درة نفسه، والذي كان في البداية عاملا بسيطا في ميناء حيفا، تردد على قريتي عسفيا ودالية الكرمل، فأكرمه السكان واستضافوه واحتفوا به، والثوار تحت قيادته، وكان يردد جملة "سبحان من ولاّني على رقاب العباد" وازدادت طلباته وطلبات رجاله، وفرضوا على كل بلد دفع مبالغ باهظة، وشراء أسلحة كثيرة. وقد انهال أبو درة ورجاله على شباب القريتين بالضرب، وحدثت من قبل الثوار أحداث شنيعة، لا يقبلها المنطق.  وفي هذه الظروف القاسية، تجمع 18 شاب من القريتين للدفاع عن القرية ومواجهة أبو درة،ودُعي مشايخ البلدة لاجتماع عُقد في الخلوة، وقرروا إرسال وفد من عسفيا، لشرح الظروف القاسية التي تمر بها القريتان لدروز الجليل وسوريا ولبنان. وقد تألف الوفد من المشايخ: شريف أبو ركن، رافع عطشة، صالح طربيه، ومسعد حمدان. وفي اليوم التالي بدأ الوفد رحلته مشيا على الأقدام في اتجاه شفاعمرو. وهناك حل على بيت الشيخ سلمان نصر.
وجاء في مذكرات الشيخ أبو أحمد صالح طربيه عن أعمال الوفد، أنه استمر في مقابلة الوجهاء والزعماء الدروز في شفاعمرو، ثم في يركا والجليل وباقي القرى الدرزية في البلاد. وقد ظل في البلاد الشيخان شريف أبو ركن ورافع عطشة، واستمر في المهمة الشيخ صالح طربيه والشيخ مسعد حمدان. دخل الرسولان الحدود اللبنانية عن طريق بنت جبيل، يرشدهما الشيخ جبر فارس من حرفيش، ووصلا مدينة حاصبيا، وحلا ضيفين عن الشيخ إسماعيل خير الدين. وفي صباح اليوم التالي عُقد اجتماع مع مشايخ البياضة، ومنهم الشيخ أبو علي مهنا حسّان، والشيخ أبو حسن علم الدين، فسلماهم الرسالة الموجّهة من مشايخ البلاد، فقرر الجميع التوجه لمقابلة الأمير مجيد أرسلان. واستمر الوفد توجهه إلى الشام، وقابلوا زيد بك الأطرش وصياح بك الأطرش، ومحمد عز الدين حلبي، وعقلة القطامي، والشيخ أبو كمال أسعد كنج، ثم قابل الوفد السيد فريد زين الدين ورتّب لهم زعماء البلاد مقابلة مع أعضاء اللجنة العربية العليا، ومنهم عزة دروزة، وأكرم زعيتر، وواصف كمال، الذين وعدوا بإصدار أوامرهم إلى القادة، للتوقف عن الأعمال الوحشية. ومن الشام انتقل الوفد إلى السويداء، وحل ضيفا عند الشيخ صالح طربيه ابن الجبل، وقابلوا عبد الغفار باشا الأطرش، واجتمعوا بعطوفة سلطان باشا الأطرش. وقد اهتم الجميع بالأمر ووعدوا بتقديم المساعدة، وانتقلوا من القريا إلى بيروت، وقابلوا هناك القنصل البريطاني في بيروت، وأسمعاه قصتهما. واهتم القنصل ووعد بتقديم المساعدة. وعاد الوفد بعد أن استطاع أن يلفت الأنظار إلى معاناة أبناء الطائفة الدرزية من الثوار بقيادة يوسف أبو درة.
وقد كانت للشيخ المرحوم أبو أحمد صالح طربيه، مواقف أخرى كثيرة ومشهودة، وكان نشيطاً وفعّالاً في كافة أمور الطائفة الدرزية في البلاد، وقد قام بتأبينه عند وفاته، الشيخ أبو سامي هاني أبو ركن، والشيخ أبو نزيه أمين كيوف، والدكتور حمد صعب، ورد باسم العائلة حفيده الشاب أيمن وهب . 