معرض القاهـرة الدولي للكتاب
أصبح معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يُعقد في أواخر شهر كانون ثاني من كل سنة، مهرجاناً ثقافياً عالمياً شاملاً، يطيب لكل إنسان أن يشترك فيه، وأن يتعامل معه، وأن يتواجد بين ملايين الكتب المعروضة، وبين آلاف الناس الذين يترقبون هذه المناسبة، لكي يكونوا جزءا منها. فإن كان الإنسان كاتبا، فهذا عيد للكتاب، وإن كان ناشرا، فهو أفضل سوق للرواج، وإن كان صحفيا، فهو مليء بالفعاليات والحوادث والتطورات، وإن كان قارئا، فإنه يجد أمامه، ما لذ وطاب، من أمتع وأشهى وألذ وأطيب القصص والروايات والمراجع والكتب. معرض الكتاب في القاهرة هو حدث ثقافي أصيل، عميق، يرسّخ جذور الثقافة والكتابة والتأليف، ويرفع من مستوى الكتّاب والشعراء والمؤلفين، ويثبت أنه مهما بلغت التقنية الجديدة، من حيث احتلال الكومبيوتر والإنترنت، منزلة كبيرة في حياة الإنسان، فيثبت المعرض، أن وضع الكتاب لم يختلّ، وأنه يظل دائماَ، أهم مصدر ووحي ومرجع للتعليم والثقافة. فالكتاب الذي لم يتغير منذ مئات السنين، سيظل بوضعه الحالي، مستحوذا على عقول الناس، ومسيراً لهم وهاديا ومرافقاً. إن منظر العائلات المصرية الحبيبة، التي تدخل أرض المعرض بلهفة وابتهاج، يبعث في نفوس العاملين في حقول الكتاب، الثقة والطمأنينة، أن عصر الكتاب لن ينقضي. وأنه في ظروف أخرى سوف يظل رائداً ومسيطراً.
لقد تعوّدنا منذ توقيع معاهدة السلام مع جمهورية مصر العربية، أن نشترك تقريبا سنويا في معرض القاهرة الدولي للكتاب. وقبل المعرض، سمعنا وقرأنا وتمنينا أن نلتقي بعمالقة الأدب في العالم العربي، وبعد المعرض، تحققت أمنياتنا هذه، واجتمعنا بأسماء براقة لامعة، طالما كنا تواقين للاجتماع بها. فالمعرض بالإضافة إلى عرضه للكتب، يقوم بتنظيم ندوات وسهرات ومساجلات ومحاضرات وفعاليات ثقافية منوّعة، باشتراك كبار المؤلفات والمؤلفين والشعراء والكتاب والمثقفين من العالم العربي بأسره. وعندما يتنقل المشاهد من سراي إلى سراي، ومن دار نشر إلى أخرى، يبتهج بأن اللغة العربية، والحمد لله، ما زالت مصدر إلهام ومبعث خلق وإبداع، لمئات وعشرات المؤلفات والمؤلفين. وكل سنة تزداد دور النشر المشتركة بالمعرض أكثر وأكثر، وفي كل سنة تجد وجوهاً جديدة ومشاريع جديدة، وأغلفة كتب صارخة تشدّك من بعيد، لأن تتصفّحها وتقلبها بين يديك. والمعرض يجمع في ربوعه، كافة الناشرين والكتّاب الناطقين باللغة العربية، من جميع أنحاء العالم. وكثيرا ما تشاهد شباباً من الدول الإسلامية في شرقي آسيا، مثل ماليزيا، اندونيسيا، سنغافورة وغيرها واقفين أمام الكتب يقلّبونها، يبتاعونها، ويحملونها على الأكتاف، وهم عادة مندوبون عن مؤسسات أكاديمية، ومكتبات أهلية، يحضرون خصيصا للقاهرة، لينقلوا الثقافة العربية والإسلامية إلى موطنهم، من أحسن مصدر لها. وهذا طبعاً يزيد من رواج الكتاب العربي، ويحسّن من تقنياته، ويرفع من مستواه، لأنه يصل إلى أسواق عالمية خارج العالم العربي.
وبالنسبة لنا، فيسعدني أن أنوّه، أني في كل سنة، أزداد غبطة وفخراً وحبورا عن كل سنة. فعندما أتجوّل في الصالات، أجد كل سنة، عدداً أكبر من إخواننا الناشرين من سوريا ولبنان، يشتركون في المعرض، وأعلم من الإخوة المشتركين، أن دور نشر جديدة فُتحت في جرمانا وفي السويداء وفي بيروت، وأن عالم الكتب والكتّاب، يأخذ نصيباً كبيراَ في مداركنا، ونقرأ عن أسماء جديدة لكاتبات وكتّأب، ينشرون أعمالاً على مستوى رفيع، تصل إلى المعرض، وتلاقي الرواج المناسب. ونحن منذ زمن طويل، نعلن أننا نقدّس الكلمة المكتوبة، وأننا نشجع كل مبادرة لإصدار كتاب، أو ديوان شعر، أو مجلة أو جريدة، وأن المجتمعات الراقية، لا تُقاس بما تنفقه من مدخولها على المأكل والمشرب والملبس، وإنما تقاس بما تنفقه على العلم والثقافة والأدب.  وقد اجتمعت بأكثر من عشرين ناشراً من الجبل، أو موظفاً يعمل في دار نشر، وهم جميعاً يشتركون في معارض للكتاب، في كافة العالم العربي، وينشرون العلوم والثقافة مثلهم مثل باقي الناشرين.