الجذور التاريخية والتسلسل العائلي

ملحق خاص عن:

المرحوم الشيخ ابو توفيق حمزة حلبي

2004-1914


ينتمي المرحوم الشيخ أبو توفيق حمزة, إلى عائلة حلبي في دالية الكرمل. وقد جاء أفراد العائلة إلى دالية الكرمل, أثناء الهجرة الحلبية الكبرى عام  1811, حيث نزحت حوالي خمسمائة عائلة من منطقة حلب, بسبب ضغوط دينية وسياسية, والتجأت إلى لبنان, وتوزّعت فيه وقسم من العائلات استمر في طريقه إلى الجليل والكرمل.
 وقد برز من العائلة في القرن التاسع عشر, الشيخ أبو توفيق صالح حلبي (حوالي 1910-1830), وهو جد الشيخ أبو توفيق حمزة  حلبي وكان يتمتع بمنزلة دينية رفيعة, فقد كان من لابسي العباءة المقلمة, وكان يتردد كثيرا على خلوات البياضة, ويجتمع بمشايخ الدين هناك, ويتباحث معهم في الشؤون المذهبية. وقد تمتع بمقدرة كبيرة على الحفظ, وكان ذكيا فطنا, فكان متميزا في عصره, بسعة الإطلاع, وبالمعلومات الدينية الوفيرة, وكذلك بالمعلومات الدنيوية الشاملة, فكان مرجعا عند رجال الدين, حيث كانوا يعتمدون عليه في حل المعضلات اللغوية والدينية والإجتماعية. وكان رفيقه في المنطقة الشيخ الجليل,الشيخ سليمان أبو تميمة من عسفيا, الذي كان شخصية دينية إجتماعية, لها شأنها, وكان لهما مواقف مشهورة في الدفاع عن رجال الدين, وفي الذود عن المواطنين, وفي تعميق الجذور التوحيدية. وكان الشيخ أبو توفيق صالح, رفيقا للشيخين الجليلين من بيت طريف, الشيخ مهنا طريف, والشيخ طريف طريف اللذين قاما بأعباء وظيفة الرئاسة الروحية للدروز في فلسطين ومنطقة بيروت. وفي سنوات الثمانينات من القرن التاسع عشر, حينما قام الشيخ مهنا طريف بجمع الأموال والتبرعات لترميم مقام النبي شعيب (ع) في حطين, قام الشيخ صالح بدور كبير وفعال في هذا المضمار, وكان من مجموعة المشايخ المقربين للشيخ, حيث أشرفوا على جمع الأموال, وعلى عملية الترميم ومن بعدها عملية التدشين. وبعد وفاة الشيخ مهنا عام 1889 وبعد ان تسلم الرئاسة الروحية مكانه ابنه الشيخ طريف طريف, استمر الشيخ ابو توفيق بالتعاون معه في الشؤون الدينية حتى وفاته.
وعندما انتقل إلى رحمته تعالى, جرت له جنازة كبيرة, حضرها كل أعيان البلاد من الطائفة الدرزية, وذلك للمنزلة الكبيرة التي كانت له في الأوساط الدينية والإجتماعية الدرزية. وقد انجب الشيخ صالح ولدين هما الشيخ أبو صالح توفيق والشيخ أبو علي محمد, أما الشيخ أبو صالح توفيق, فقد نشأ كذلك مثل والده على التقوى والدين وعمل الخير. لكنه لم يدم طويلا فقد مرض وتوفي وعمره حوالي سبعة وثلاثين سنة وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1916. وقد ذكر عنه أنه كان رجلا مستقيما ديّنا شجاعا كريما معطاء, وتروى عنه حادثة تدل على شجاعته وقوة إيمانه واحتماله. فقد أصيب إصبع يده بتورم خبيث, وبعد أن فحصه طبيب عثماني معروف في حينه, قرر قطع الإصبع ليقضي على التورم نهائيا. ولما تم تجهيز كل شيء مد الشيخ أبو صالح توفيق  إصبعه نحو الطبيب,  وأدار رأسه جانبا, وقال للطبيب إقطع. ولم يكن هناك مخدر ولا أي شيء يخفف الألم, فقد استعان الشيخ توفيق بإيمانه وصبره وجَلده, وتم قطع إصبعه دون أن ينبس ببنت شفة, ولم يصرخ ولم يتأوه, وإنما ظل صامدا صابرا, حتى أنهى الطبيب عملية القطع, ووضع عليها بعض الرشوش, التي عقمت الجرح وخففت من ألامه. أما الطبيب فقد ذهل من هذا الموقف, ونشره على الملأ في كل مكان, وظل كل حياته يذكر هذه الحادثة كلما التقى بمواطنين دروز ويقول لقد شاهدت أمامي وليا صالحا عندما قطعت إصبعه ولم يتصرف كالبشر العاديين.
وكان الشيخ ابو صالح توفيق, منذ صغر سنه, ورعا تقيا, سلك مسلكا شريفا, وكان قد زار البياضة, وتعلم فيها بعض الوقت, وقد بلغ مرتبة كبيرة في الدين, وكان له اطلاع واسع, وحاز على ثقة رجال الدين في القرية, كما كان من اصحاب المشورة والرأي في الأمر والنهي. وكان رفيق دربه وصديقه القريب الشيخ سلمان الخطيب نصر الدين الذي درس وإياه في خلوات البياضة الزاهرة. وكانت السلطات العثمانية قد طلبته للخدمة العسكرية فرفض, فقامت باعتقاله وسجنه في القشلة في الناصرة. وقد رفض من شدة ورعه, أن يأكل من أكل السجن, واقتات خلال أسبوع على مجموعة من الزبيب وضعها في جيبه وأكل منها. وبعد أسبوع قام إبن عمه, الشيخ المعروف أبو يوسف عزام الحلبي بدفع غرامة أو رشوة للسلطات وأطلق سراحه. وقد ولد له ولدان, أحدهما الشيخ صالح, وقد  أصيب بمرض وهو فتى, وفقد حاسة البصر في الثالثة عشر من عمره, وعاش كفيفا كل حياته, لكنه كان متوقد الذكاء,  وقضى كل حياته دون زواج  ناذرا نفسه لخدمة الخلوة ورجال الدين. وكان مؤدبا خلوقاً, يمتاز بارحاب واسعة وبابتسامة مستمرة. وكان الإبن الثاني الشيخ ابو توفيق حمزة حلبي.
 وقد ترك الشيخ أبو صالح توفيق, وصية دينية, تدل على عمق ايمانه وسعة ثقافته, وواسع مداركه, مُوقّعة من قبل مجموعة مميزة من مشايخ القرية, الذين كان لهم شأن كبير في الحياة الدينية, وهم الشيخ سلمان الخطيب، الشيخ ابو سليمان قبلان،الشيخ ابو صالح ذياب،الشيخ سليمان ابو تميمة،الشيخ زيدان اليوسف، الشيخ خير الصالح، والشيخ حمود النمر.وقد أوصى أن تكون رعاية ولديه صالح وحمزة بيد أخيه الشيخ ابو علي محمد, وكذلك بيد الشيخ ابو يوسف حسين  نصر الدين, وبإشراف خاله الشيخ ابو سليمان قبلان. وقد ذكر فضيلة المرحوم الشيخ, أبو يوسف امين طريف, الشيخ ابو صالح توفيق حلبي أمام أحفاده قائلاً :" هذا إسم كبير, ويجب عليكم المحافظة عليه. أنا لا أتذكر جدّكم, لأنه كما فهمت, عاش قليلاً ولم يدم طويلا,ً لكني أذكر أني عندما كنت في بداية حياتي في خلوات البياضة, كان المشايخ الكبار هناك, يذكرون الشيخ ابو صالح توفيق حلبي, بالتقدير والإكبار والإعجاب والتبجيل, وكانوا يقولون انه لم يأتِ من بلاد صفد الى البياضة رجل من مستواه في التقوى والمسلك الدقيق".
والحقيقة تقال ان الشيخ ابوصالح توفيق, ترك اثراً واضحاً وكبيراً في مشايخ القرية, وفي اوساط الطائفة الدرزية في البلاد, وظل الجميع الى فترة طويلة, يذكرونه بالخير ويترحّمون عليه ويعتزون بذكره وسمعته. وعند وفاته دفن بجانب الخلوة بمدفن والده وما زالوا حتى اليوم يوقدون الشموع تباركا به. وقد وصل كتاب تعزية في المرحوم الشيخ توفيق الحلبي من الشيخ ابو علي محمد الفارس وقريبته الست سعدى الحرفشاوية, فيه اجمل التعابير والآيات الدينية وعبارات المواساة.
 أمّا اخوه الشيخ ابو علي محمد, فقد عاش حياة طويلة وغزيرة بالأعمال الدينية وبالعلاقات الاجتماعية مع ابناء الطائفة في كل مكان. وقد ظهر من الشيخ ابي علي محمد بعض ما ظهر من أخيه الشيخ ابو صالح الذي رحل مُبكّرا,ً فقد كان الشيخ ابو علي محمد من أقطاب رجال الدين في القرية, وكانت له مواقف مشهورة,  واتصالات مع زعماء دروز في أماكن كثيرة. ففي اواسط عام 1945, قام بزيارة القرية, الشيخ ضياء الدين سلطان, أحد كبار رجال الدين في منطقة حلب, والذي يسكن قرية كفتين. وقد قضى  عدة ايام في ضيافة الشيخ ابو علي محمد وإبن أخيه الشيخ حمزة توفيق حلبي, واجتمع بمشايخ الدين في القرية, وعندما عاد الى بلاد حلب, بعث برسالة من كفتين, مؤرخة في الخامس عشر من شهر ايلول 1945 جاء فيها:
" لحضرة الأخ الطاهر, والعلم الزاهر, ابو علي محمد حلبي أدام الله وجوده
 نقدم اليكم أشواقا قلبية, وتحيات ودية دينية, ننسقها لكم فوق تلك القرطاس, بمزيد الأشواق الحارة لمقامكم الشريف, ونسأل المولى بمنّه وكرمه, ان تكونوا بسقفكم, بمزيد التوفيق والسعادة دينا ودنيا, بأمن الله ورسوله الكريم... ونحن نشكركم دائما,ً ونتشكركم بالثناء والحمد على حسن معروفكم وآدابكم. وصلنا الى الوطن المحبوب, وشاهدنا الأهل والقرائب بكل سرور وهناء, ونذكر فضلكم وجميلكم علينا, ولا ننسى ابداً ونسأل الله ان يكافيكم عنا احسن مكافأة. نحن وعيالنا وعائلتنا, آل عز الدين سلطان, نهديكم تحياتنا وأشواقنا, وتسليماتنا العطرية الى عموم المشايخ في ناديكم العامر, وخصوصاً الى ابن اخيكم الشهم الغيور, الشيخ حمزة, والى الشيخ ابو صالح ذياب وباقي الإخوان, ونوبوا عنا بالسلام لحضرة الطاهر الشيخ ابو حسن منهال, وأهل الدين قاطبة. نكلّفكم قراءة هذا الكتاب في خلوتكم الشريفة, أمام أهل المجلس رجالا ونساءً, وبلّغوا حضرات خيّاتنا السيدات, وعموم النساء عن لساني, "ان كل حرمة ما تشلح العصبة, تكون تحت الحق وغضب سيد الخلق..."
 من العاجز الفقير ضياء الدين سلطان".
 وكان الشيخ ابو علي محمد, قد كتب رثاءً مؤثراً بالمرحوم الشيخ ابو حسين علي الصباغ, من مجدل شمس, الذي انتقل الى رحمته تعالى في الرابع من شهر كانون ثاني 1947, وهو في البلاد, ودُفن في جولس, بجوار قبر سيدنا الشيخ علي الفارس, وجاء في في المرثاة :
" عاش هذا الراحل الكريم, من العمر ما ينوف عن ثمانين عاما, قضاها غالبا في الورع والبر والإفادة والتطلع والتصفح بالمطالعات بالعلوم الروحانية, حتى صار كأنه علماً ونبراساً يشار اليه بالبنان رحمه الله. كان من أصحاب الأخلاق السامية, ورياضة النفس, كان عفيفا شريفا حسن الأخلاق, عاملاً بمفترضات الدين, وأمر سيد المرسلين, شجاعا غير هيّاب عما يخالف مراسم الحق..."  وقد توفي الشيخ ابو علي محمد حلبي, عام 1972 ودفن ايضا بجانب قبر اخيه الشيخ ابو صالح توفيق, وكان الشيخ أبو علي محمد شخصية دينية مرموقة في القرية, وفي أيامه تم تأسيس الخلوة الكبيرة من قبل الشيخ أبو سليمان قبلان زيدان الذي كان أول إمام لها ولما توفي عين الشيخ أبو علي محمد مكانه. وقد كبرت في عهده الخلوة وضمت عددا كبيرا من مشايخ القرية, وما زالت هذه الخلوة هي أكبر خلوة في القرية, وتضم حوالي أربعمائة شيخا وعددا أكبر من النساء.
 وتسلم إدارة شؤون الخلوة بعده, ابنه الشيخ ابو محمد علي (1995-1910), الذي أدار أكبر خلوة في القرية, مدة ثلاث وعشرين سنة, وكان من المشايخ الأفاضل. وقد كان يحسن نسخ الكتب, ويحرر الرسائل ويسجّل المخطوطات. وعندما توفي, وصلت رسالة خاصة من الشيخ ابو يوسف حسن نعمان الحلبي, من السويداء في جبل الدروز, يرثي فيها الشيخ علي ومما جاء فيها :
" لحضرات مشايخنا وإخواننا آل الحلبي المكرمين
بمزيد اللوعة والأسف, وعظيم الحزن واللهف, تلقينا نبأ وفاة شيخنا واخينا وحبيبنا المفضل علينا, الشيخ ابو محمد علي صاحب العفة والطهارة, والديانة والصيانة, الباذل نفسه وماله لخدمة الدين, والمقتفي لمآثر سلفه الصالح, البررة الموحدين المخلصين... فبإسمنا وأهل بيتنا وعيالنا, نبعث اليكم بأحر التعازي, وان يتغمده بواسع رحمته, وان نشاهد وجوهكم النيّرة بالمحبة والإخلاص, فهنيئاً له قد نال السعادة العظمى, والمقام الرفيع الأسمى, فيا لها ركضة الى الفردوس الأعلى وإنا لله وإنا اليه راجعون"
وكتب الشيخ ابو يوسف الأبيات التالية"
 تالله من يوم بنتم عن دياركم
  لا زال دمعي على الخدين ينهمل
ولا لي عين أجوز الدار بعدكم
  ولا حلا ليَ بها حليٌ ولا حُلل
ولم أرَ الدار إلا دوما موحشةً 
  ولم يطب بها عز ولا خَوًل
يا حسرتي هل نرى الأحلال قد رجعوا
  الى الديار التي منها قد ارتحلوا
ونحتظي بالحبائب بعد فرقتهم
  والشمل يلتمّ والأحزان تنعزل
وتأنس الدار فيهم بعد وحشتها
  ويحضر الأنس فيها إذ بها نزلوا
ويصبح القلب مسرورا برؤيتهم
  والصدر منشرحا والغمّ يرتحل
هيهات هذا محال ان يصير لنا
وليس حظ لنا ذا الحال يحتمل
مني سلام على الأحباب ما طلعت
  شمس النهار وما الأوداق تنهمل"         
وبالنسبة للمرحوم الشيخ ابو توفيق حمزة فقد أنجب ولدين, هما توفيق وكمال, وقد سار توفيق على نهج أبائه وأجداده, وسلك طريق الدين, وتعمّق فيه, وعُيّن إماماً عام  1998, وبذلك يكون قد سار في نفس الطريق, والخط الذي وضعه قبل اكثر من مائة سنة, الجد الأكبر الشيخ ابو توفيق صالح حلبي, عن طريق إبنيْه الشيخ توفيق والشيخ ابو علي محمد, وعن طريق حفيديه الشيخ ابو توفيق حمزة والشيخ ابو محمد علي, إستمرارا للشيخ ابو حمزة توفيق, الذي يسير اليوم على نفس الدرب, ويُحيي المجد الكبير ويستمر حاملاً شعلة التقوى والإيمان لهذا البيت العريق.