ذكريات عائد من أفريقيا - الجزء الثالث
رحلة الى شمال نيجيريا

 
بقلم الشيخ ابو صافي جمال منصور
عسفيا


سافرت بحكم عملي الى شمال نيجيريا التي تعيش فيها الأغلبية الساحقة من المسلمين من قبيلةالهاوسا. استغرقت سفرتي بالطائرة من الجنوب الى الشمال حوالي ساعتين لاتساع هذه الدولة، لأصل الى عاصمة الإقليم مدينة كانوا. ومما يلفت النظر هنا وجود الكثير من البيض من مختلف أقطار العالم. في المدينة جوامع كبيرة ونوادي رياضية. شاهدت الآلاف يُصلون يوم الجمعة في الحدائق العامة, لعدم توفر الأماكن في الجوامع, حيث كثافة السكان في هذا الإقليم تفوق كل وصف. كانت وجهتي مدينة الى الشرق من مدينة كانوا تدعى مدينة جماري, بعيدة حوالي مائتي كليو متر. وصلتها في ساعات بعد الظهر ولفت نظري, سلطة وهيبة الدين والشريعة في هذه المدينة. عدد سكانها ينوف عن الخمسين الف نسمة كلهم من المسلمين. وقد حللت ضيفاً على الأمير مايسنغو, الذي أفرد لي جناحاً في قصره طيلة مدة إقامتي في مدينة جماري, وعيّن لي مساعداً خاصاً ليساعدني في مهمتي التي من أجلها وصلت.
مدينة جماري هي مسقط رأس الأمير مايسنغو. وفي صبيحة اليوم التالي، ولجت صالون الأمير، وهو بهذه الهيبة والاحترام الذي يكنّه له الأهالي . وقد توافدت عليه المشايخ والأعيان والوجوه للسلام عليه. وعندما يدخل كل وفد يركعون أمامه على الأرض مرددين كلمة "بركة بركة" فيرد عليهم: "معاذ الله ، معاذ الله". وعندما يظهر وفد آخر يستأذن ذلك الوفد بعد ان يضع الأمير في يد رئيس الوفد مبلغاً من المال ليكسب عطف هذا الوفد. وقد دُهشت لهذه المبالغ الطائلة الى يوزّعها الأمير. وفي ساعات بعد الظهر، أخذني مساعد الأمير الى بيته الذي يحيط به سور كبير مع بوابة واحدة ليعرّفني على زوجاته الأربعة. وقد طرق البوابة صائحاً:" إن معي بالباب ضيفا غريبا". وقد لمست ان كلامه بلغة الآمر الناهي فطلب من زوجاته ان تدخل كل واحدة الى غرفتها وقد طلبت إذناً منه لألتقط الصور فلم يمانع أبداً قائلاً أنني أنا الرجل الأبيض الوحيد الذي دخل داره متعرفاً على زوجاته اللاتي كنّ فيها غاية من الجمال والنظافة وحسن الاستقبال. وقد همست في أذنه كيف له ان يسيطر على اربع زوجات في دار واحدة وفي آن واحد فأخذ يضحك عالياً سائلاً زوجاته هل بيننا اية مشاكل؟ فكان الرد بالنفي طبعاً. وقلت في نفسي : ان لله في خلقه شؤون.
وفي اليوم التالي قمت بزيارة لأمير جماري، الأمير محمد محمدو الثالث وهو في الثلاثينات من عمره، طويل القامة، عريض المنكبين، دائم الابتسامة. ولجت ديوانه فإذا به غاص بالمشايخ والأعيان والكل يركع عند الدخول او الخروج من ذاك الديوان حيث تشعر بالوقار لهذا المحفل. وعندما شاهدني الأمير محاولاً خلع حذائي كما يفعل القوم هناك أشار لي لا حاجة في ذلك. وعندما سلمت عليه، أمر الجميع بمغادرة الديوان. وقدمت نفسي كصديق للأمير مايسنغو وأن الشركة التي أعمل بها هي التي بنت الجامع المقابل لديوانه فسُرّ كثيراً وسألني عن المسجد الأقصى والقدس فشرحت له عن الديموقراطية وحرية الأديان في اسرائيل وعن حرية العبادة المتوفرة لكل مؤمن في البلاد. وقد طلب مني مصحفاً للقرآن الكريم, حصلت عليه بعد ذلك من مدينة القدس وأرسلته له مع صديق لي ولا  تسأل عمّا كان فرحاً به. وعند خروجي من الديوان بصحبته صرّح لي انه مسافر الى مدينة كادونا, فوجئت بالجماهير التي أرادت توديع الأمير وغادر المكان وسط الهتاف والزغاريد والعيارات النارية من كوكبة من الفرسان يمتطون بها الخيول العربية الأصيلة, وشاهدت المارّة يركعون على الارض بمرور موكب الامير جانبهم.
 وقد علمت بعد هذا ان الأمير محمد محمدو من أغنياء المقاطعة, وهو يحل المشاكل بين الناس, وقراره نافذ لدى السلطات المركزية, وله عدة زوجات وعدد من الأبناء والبنات, وعائلته تحكم هذه المدينة منذ حوالي مائة عام.
وفي هذه الأثناء وصل الطاقم الذي أرسلته من لاغوس لفحص وتصليح بعض جوانب مسجد جماري وكم كانت دهشتي لانعدام الطاقة الكهربائية خلال النهار وتوفرها خلال الليل فقط في كل انحاء المدينة, وقد توجهت الى مدير شركة الكهرباء في المدينة شارحا ان هذا الوضع الشاذ لن يساعدني في إكمال مهمتي. وقد اتفقت مع مدير الشركة بأن أقدم الوقود من السولر ثلاثة براميل يومياً وهو يتعهد بإدارة المولد الكهربائي خلال النهار. وبالفعل أحضرنا له السولر ووصل التيار الكهربائي الى كل انحاء المدينة خلال النهار وكان الناس يرقصون فرحاً لوصول التيار في النهار.
وقد تصادف لقائي مع احد اصدقائي الاسرائيليين في هذه المدينة وسألته عن أعماله حيث انه مندوب لعدة شركات  تعمل في تلك المنطقة. وقد سرد لي قصة حدثت له مع احد رؤساء القبائل هناك لكي يوقع معه على صفقة تجارية. وقد دعاه ذلك الرئيس القبائلي الى منزله لتناول طعام الغداء وللتشاور قبل الإمضاء على الصفقة. وجلس صاحبنا  في مقابل الرئيس القبائلي قائلاً له :" هل تسمح لي ان أشاور والديّ بخصوص هذه الصفقة؟ فقال على الرحب والسعة. وكم كانت دهشة صديقي بأن أزاح الرئيس شرشف الطاولة لينظر هيكليْن عظميين واحد مقابل الآخر. فقد دفن هذا الرئيس والديه تحت طاولة الطعام ، وعلى حدّ زعمه انه يتشاور معهما في حالة إقدامه على اية صفقة تجارية. أمّا صاحبنا، فقد أغمي عليه وولّى هارباً من هذه الصفقة والتي لا يزال صاحبنا يعيشها في منامه حتى يومنا هذا.
وفي صبيحة اليوم التالي عملت بنصيحة الأمير مايسنغو لمقابلة امير مقاطعة باوتشي (الحاج سليمان ادمو). وصلت المدينة وسط صياح الأطفال نحوي (بانوري) اي هذا هو الابيض. وفي هذه المدينة يوجد صرح كبير لأحد وزراء نيجيريا الذي اغتيل هناك (ابو بكر تفاوة بليوه). المدينة نظيفة ومرتبة، وهذه المدينة عبارة عن تقاطع للطرق الرئيسية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، لهذا مكانتها الجغرافية والقبائلية.
وصلت قصر الأمير سليمان، فإذا هو قصر عظيم يحيط به سور شاهق، ويحرسه المدججون بالسلاح الابيض من سيوف وخناجر ورماح. وطلبت من رئيس الحرس بالدخول الى قصر الأمير، بالرغم من وجود المئات الذين ينتظرون حل مشاكلهم. وعاد رئيس الحرس قائلا بأن الأمير سوف يستقبلني في قصره. ويشعر الداخل الى هذا القصر الكبير بالرهبة لضخامة البناء والزخرفة والزركشة التي يزين بها هذا القصر، فتعود بك الذاكرة الى اساطير الف ليلة وليلة. وصلت باب القصر فإذا هو باب اذا اردت الولوج الى الداخل ما عليك إلا ان تنحني لقُصر الباب والمغزى في ذلك ان الداخل مجبر ان ينحني لصاحب القصر. وقد لفت نظري ان القصر مؤلف من عدة أعمدة وقناطر دونما اي اشتباك. وفيه من التحف والسجاد ما يعجز الانسان عن وصفه حيث يضفي هذا على الداخل الكثير من الهيبة والرعشة والوقار.
استقبلني الأمير الحاج سليمان بكل حفاوة وإكرام. وطلب مني ان أحدّثه عن اسرائيل والأقلية العربية والمسجد الأقصى الذي له أهمية بالغة في شمال نيجيريا. وقد شرح لي الأمير تاريخ هذا القصر الذي بُني قبل 145 عام. وتبيّن لي ان الأمير ملم ببعض الجمل العربية حيث زار بيروت والقاهرة والعديد من مدن الخليج. وقد طلب مني عند وداعه ان ارسل له نسخة من المصحف الكريم فوعدته بذلك والحقيقة أني أوفيت بالعهد.