الشيخ ابو محمد حسين عزام حلبي وذكرياته مع فضيلة المرحو

 
الشيخ ابو محمد حسين عزام حلبي, من المشايخ الأتقياء الذين تتبارك بوجودهم طائفتنا, حيث انه بالرغم من سنواته الأربعة وتسعين، فإنه والحمد لله, ما زال يشارك في زيارات وسهرات واجتماعات المشايخ في المقامات المختلفة, وهو رفيق درب لفضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, وهو شيخ واكب مسيرة الطائفة الدرزية منذ عهد الانتداب حتى أيامنا, وكان شريكاً في معظم الأحداث الدينية الهامة, التي حدثت في الطائفة الدرزية في هذه الفترة, وهو من المشايخ المبجلين, الذين خدموا بحكمتهم وبتعقلهم, أبناء هذه الطائفة في مجالات مختلفة, وكان دائما وما زال في مواقع الأحداث الدينية, يجده الرئيس الروحي والمشايخ, في موقع المسؤولية, وفي كل مناسبة فيها استشارة او اتخاذ قرار مصيري, بالنسبة للطائفة الكريمة.
الشيخ ابو محمد, يمثل جيلاً من مشايخ الطائفة, الذين سهروا عليها ورعوا شؤونها الدينية في الأجيال الأخيرة, وازدانوا بالتواضع والحلم والتعمق والحفظ والإستقامة,  ونحن نفتخر بالأجيال المتجددة من مشايخنا الجدد, الذين يسهرون على شؤوننا في هذه الأزمان, لكننا نعتز كذلك بكبار مشايخنا الذين ما زلنا نتبارك بوجودهم, وهم يخزنون في ذاكراتهم, أخبار وآلام ومسرات وحوادث هذه الطائفة الكريمة. ونحن إذ نستنير برأيهم ونهتدي بنصائحهم, يطيب لنا ان نجتمع بهم, ونسمع منهم أحاديث وقصص وأخبار, مما يذكرونه عن أوضاع وأخبار الطائفة, عندما كانوا في بداية حياتهم العامرة.  وقد كان لنا في السابق, لقاء مع الشيخ ابو علي صالح نصر الدين, واليوم نلتقي بالشيخ ابو محمد حسين حلبي ونسجّل في بيته العامر, بعض الأخبار والتفاصيل الشيقة عن اوضاع الطائفة في سنوات مضت.
يتحدث الشيخ عن علاقات أسرته بعائلة طريف, فقد عاصر المرحوم والده, الشيخ ابو يوسف عزام حلبي, المرحوم الشيخ طريف طريف, الذي قاد الطائفة الدرزية في البلاد في اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ويذكر الشيخ ابو محمد جنازة المرحوم الشيخ طريف, التي جرت عام 1928 في قرية جولس, وكان عمره ثمانية عشر سنة, فقد وصل خيّال من جولس وأبلغ سكان القرية بنبأ وفاة الشيخ, وبأن الجنازة ستجري في اليوم التالي, وقد تنظّم مشايخ آل عزام, ومعهم الشيخ ابو محمد, وسافروا على الخيل في منتصف الليل, واستغرق وصولهم مدة ست ساعات, حيث بلغوا قرية جولس مع إشراقة الصباح, وهناك فوجئ أهالي جولس, بأن أهالي الدالية وصلوا قبل أهالي القرى المجاورة.  وقد تجمّعت وفود المشايخ من كل القرى الدرزية في المناطق القريبة, وخاصة من قرى جنوب لبنان, ومن هضبة الجولان, ومن منطقة دمشق, بالإضافة الى أعيان ووجهاء البلاد من الطوائف الأخرى, حيث كانت تربط الشيخ علاقات وثيقة مع كافة المسؤولين والوجهاء من المسلمين والمسيحيين واليهود. وجرت جنازة من اكبر الجنازات,  ويذكر الشيخ ابو محمد, الندب المميز على المرحوم, الذي قام به الشيخ سلام ملاعب من قرية بيصور.
 وبرز في هذا الأجتماع, فضيلة الشيخ امين طريف, الذي كان شاباً في مقتبل العمر, لكن بوادر الوقار والرزانة والقيادة كانت ظاهرة على وجهه, وقام مع أخيه الشيخ سلمان طريف وباقي أفراد العائلة, وباقي زعماء الطائفة, باستقبال الوفود الكثيرة التي قدمت من كل حدب وصوب, لتشترك في جنازة المرحوم الشيخ طريف.
ومنذ ذلك الوقت, استمرت العلاقات بين العائلتين, وواظب الشيخ ابو محمد على القيام والإشتراك بكل اجتماع يدعوه اليه, فضيلة الشيخ, وبكل زيارة وبكل مناسبة مثل صلح او احتفال او اجتماع او مذاكرة او اي إلتئام لرجال الدين.
ويذكر الشيخ ابو محمد, جولة في لبنان, ترأسها فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف عام 1939 واشترك بها من القرية, المرحومون الشيخ ابو سليمان قبلان زيدان، الشيخ ابو علي محمد حلبي، الشيخ ابو صالح ذياب حلبي، الشيخ ابو علي رتيب حلبي والشيخ ابو توفيق حمزة حلبي. وحلّ الوفد في خلوة القطالب, وجرت هناك سهرة شاملة قام بإدارتها قيّم الخلوات فضيلة الشيخ ابو يوسف حسين هاني من بعذران. وقد اجتمع في هذه السهرة, عدد كبير من المشايخ المميزين المحترمين من جبال الشوف.  ومن هناك انتقل الوفد, الى قرية بطمة, لزيارة المرحوم الشيخ ابو يوسف سليم البيطار.  وهنا يتوقف الشيخ ابو محمد حسين, ليذكر بصورة خاصة الإجتماع الكبير الذي جرى للوفد في قصر المختارة, حيث حلوا ضيوفاً على آل جنبلاط الكرام, وقام فضيلة الشيخ امين وكبار المشايخ المرافقين له, بالإجتماع بالست نظيرة جنبلاط, التي كانت زعيمة الشوف, وقائدة درزية شجاعة ومحترمة, حيث كانت تلبس النقاب, وتجتمع بالمشايخ وأعيان البلاد, ولها حضور واحترام في كافة الأوساط الحاكمة في لبنان, وكذلك عند أبناء الطائفة الدرزية.  وفي حين اجتمع الكبار في الوفد مع الست نظيرة, اكتفى الشيخ ابو محمد الذي كان من الجيل الثاني بين المشتركين, بلقاء كمال بك جنبلاط, الذي كان شابا يافعاً, يدرس الحقوق في جامعة السوربون في باريس, وكان في إجازة تعليمية, فاستقبل المشايخ وقام وتجوّل معهم في أرجاء قصر المختارة, وشرح لهم عن معالم القصر وعن الأسلحة القديمة والآثار التاريخية, التي كانت موجودة فيه, كما قام بشرح ماضي عائلة جنبلاط, وذكر المشايخ والزعماء الذين عاشوا في هذا القصر, وقاموا بقيادة الطائفة الدرزية.  ويذكر الشيخ ابو محمد حسين,ان الأستاذ كمال جنبلاط, كان يتحلى بالآداب ودماثة الأخلاق والمنطق السليم, وقد أعجب به أعضاء الوفد, وشكروه على حسن استقباله ومبادرته, وعلى شرحه الوافي, وتوسّموا فيه ان يكون زعيما لهذه الطائفة.
 وبعد انتهاء الزيارة في قصر المختارة, قام الوفد بزيارة الى قرية جديدة الشوف, وحلوا ضيوفا على شيخ من بيت الجمول. وهناك قام فضيلة الشيخ امين طريف, وطلب من الشيخ ابو محمد واثنين من المشايخ, أن يرافقاه لزيارة شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ محمد طليع في نفس القرية, وكان اجتماعا ممتعاً وشيّقا مع الشيخ, وتدارس الشيخان اوضاع الطائفة بصورة عامة, واطمأن شيخ عقل لبنان على سلامة أبناء الطائفة في البلاد.  ومن هناك قام الوفد سيراً على الأقدام, الى بعقلين فقام فضيلة الشيخ, بوفد آخر بزيارة شيخ عقل الطائفة الثاني الشيخ حسين حمادة. وقام المشايخ الشباب بزيارة الشيخ ابو علي محمد عامر, وأمضوا السهرة في منزله الدافئ, وفي الصباح قام الوفد بزيارة الشيخ ابو محمد جواد ولي الدين, أطال الله عمره, وقام بمعيته بزيارة عدد من الستات الفاضلات, والمشايخ الأتقياء في البلدة. ثم انتقل الوفد لقرية بشتفين, ومنها الى قرية كفار حيم, لزيارة الشيخ ابو محمد نجيب ابو غنام, وبعدها الى قرية عبيه لزيارة فضيلة الشيخ ابو حسين محمود فرج في بيته.  وزار الوفد مقام الأمير السيد (ق) وكان هناك لقاء ديني حار ومؤثر. وفي هذه الأثناء, قام أبناء عائلة الحلبي بزيارة قريبهم الشيخ ابو محمد صالح حلبي في عرمون, وقام باقي المشايخ بزيارة مشايخ مدينة عاليه. من هناك انتقل الوفد الى مدينة راشيا, حيث حل ضيفا على الشيخ ابو محمد يوسف كاسب, الذي كان قد التجأ في ثورة 1925 الى قرية دالية الكرمل, مع افراد أسرته, وسكن فترة فيها, وقام باستقبال الوفد كأرْوَع ما يكون . ومن راشيا انتقل الوفد الى مدينة حاصبيا, لزيارة خلوات البياضة الزاهرة, وهناك اجتمع الوفد مع الشيخ ابو حسين يوسف علم الدين, الذي كان قد زار دالية الكرمل سابقا.ً وسهر أعضاء الوفد مع مشايخ البياضة المحترمين, سهرة دينية عميقة الأثر, ما زال الشيخ يذكرها حتى اليوم. وعاد الوفد الى البلاد بعد ان إطمأن على أحوال أبناء الطائفة الدرزية في لبنان واجتمع بهم وتبارك بلقائهم.
يذكر الشيخ ابو محمد, بعض الزيارات المميزة التي قامت بها شخصيات دينية لمقام النبي شعيب عليه السلام, وكان حاضراً فيها. فقد قام الوفد الدرزي برئاسة الشيخ عبد الغفار باشا الأطرش, بزيارة المقام وكان في معيته شيخ عقل الطائفة, الشيخ ابو حسين احمد الهجري. وقام في مناسبة اخرى, الشيخ ابو حسين محمود فرج, بزيارة المقام وكذلك الشيخ ابو محمد سعيد شهيب. وفي احدى المناسبات, قام الشيخ ابو حسيب اسعد الصايغ بزيارة مقام النبي شعيب عليه السلام, وكان معه صهره الشيخ ابو حسن عارف حلاوي. وقد رافقهم في هذه الزيارة الشيخ محمد حلبي من عرمون. ومن مشايخ جبل الدروز, يذكر ابو محمد زيارة الشيخ ابو حسين يوسف عبد الوهاب من بلدة الغارية في المقام .
ذكر الشيخ ابو محمد حسين, ان فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, كان يقوم في الخمسينات والستينات, بجولة تفقدية مع بعض المشايخ لكل القرى الدرزية, مرة كل سنة او كل عدة سنوات. وكان فضيلة الشيخ يجمع معه كبار المشايخ, ويقومون بجولة تستغرق حوالي الشهر في كل الخلوات والمقامات في القرى الدرزية. وكانوا يسعون الى إجراء الصلح وإلى تسوية الأمور وحل المشاكل التي كانت تحدث في القرى الدرزية, وكان الجميع يقبل خاطر الشيخ والمشايخ المرافقة له, فتصفوا القلوب وتنشرح النفوس, ويسود القرى في اثناء الزيارة جو وكأنه عيد, والكل يطلب صفو خاطر المشايخ, ويسمع لنصائحهم وإرشادهم, فتشعر القرية اثناء زيارة الوفد لها, وكأن البركة حلّت فيها, وتتعالى الناس عن  المشاكل الحياتية, وعن الأمور التي يعانون منها وينشغل الجميع بالوفد والضيوف.
وعن الشيخ موفق طريف, يقول الشيخ ابو محمد, انه لاحظ ان الشيخ موفق كان ملازما لفضيلة الشيخ المرحوم امين طريف, مدة طويلة وأنه شاب يقظ لبق, اكتسب الكثير من المشايخ ومن أخلاقهم وآدابهم, وهو انسان أصيل ومن بيت عريق, فلا عجب ان يقع اختيار المرحوم الشيخ عليه, ليكون خليفته والمستمر في طريقه. ولا عجب ان يتبوّأ الشيخ موفق هذا المنصب, باستحقاق وجدارة, وأن يكون اليوم القائد المتنوّر الملتزم بأصول وعادات وتراث هذه الطائفة الكريمة. 
وجدير بالذكر, ان الشيخ ابو محمد كان مرشحا في الستينات لمنصب قاض ٍ للمحكمة الدينية الدرزية, لكنه رفض هذا الترشيح, ونذر نفسه ان يكون رفيقاً ونصيراً للرئيس الروحي في الطائفة الدرزية, وأن يعمل كل ما باستطاعته, من اجل خدمة أبناء هذه الطائفة الكريمة.