فضيلة المرحوم في الذاكرة
فقرة من كتاب مذكرات الدكتور سلمان فلاح قيد الإعداد


بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح
لا أذكر ما هي المناسبة ولا متى كان ذلك,
لكني أذكر أني وقفت, وعمري خمس سنوات, بجانب بيتنا, وشاهدت شيخا مهيبا, فارع الطول, يلبس عمامة مدورة لم أر مثلها من قبل, يبتسم محييا, ويتقدم بخطوات ثابتة رزينة, ووراؤه عدد من المشايخ من قريتي ومن خارج القرية, يتوجه إلى والدي الذي وقف بالباب, فتناول أبي يده وقبلها, وقام الشيخ بدوره بتقبيل يد والدي, وسمعت عبارات الترحيب والتأهيل, ووالدي يدعو الشيخ وصحبه للدخول.
دخل الشيخ ورفاقه, إلى ديواننا الذي هيّأناه خصيصا لهذه المناسبة, فمنذ أسبوع تقريبا, والبيت كله على قدم وساق, يستعد لإستقبال الشيخ.  وكان والدي قد عاد قبل أسبوع من عرس في القرية مبتهجا مسرورا, وأخبر من في البيت, أن الشيخ أمين قادم لزيارة القرية, وسيحل ضيفا علينا. لم أكن أعرف من هو الشيخ أمين, لكني سمعت اسمه كثيرا يتردد في بيتنا وعند أقاربنا. سرت والدتي بهذا الخبر, وأعلنت أمام النساء حولها, أن التحضيرات للزيارة ستبدأ فورا. وقد أخذت الموضوع بجدية أكثر لأن والدي أوصى من أخبره واتفق وإياه أن يتناول الشيخ الغداء عندنا. أمي كانت معتادة على استقبال الضيوف, وإعداد وجبات الطعام, وأحيانا بدون سابق إنذار. فكانت تختار دجاجة من القن, وتعطيها لأحد الشباب كي يذبحها, ثم تبدأ بتحضير الوجبة الكاملة.أما اليوم فالموضوع يختلف, لأن عدد الضيوف كبير, ويبدو أن أهميتهم كبيرة كذلك, فقد أصر والدي أن يقوم بذبح شاة من القطيع, وأن تحضر أمي الكعك والحلوى, تماما مثلما يحدث عند اقتراب عيد الأضحى. ومنذ أسبوع والنساء في بيتنا تعملن طوال الوقت في تحضير الواجبات للضيوف. وقد شعرت كذلك أن التحضيرات كانت على قدم وساق في القرية كلها, وليس فقط في بيتنا, ولا بد أن  شخصية واحدة في الطائفة الدرزية كان بإمكانها أن تحدث كل هذه الإستعدادات, وأن تشغل القرية وسكانها بهذه الكثافة, وهي شخصية الشيخ أمين.
دخل المشايخ إلى الديوان, وتناولوا طعام الغداء, وتحدثوا قليلا, ثم انتقل الوفد إلى بعض البيوت في القرية, فقمنا نحن الأولاد, بمتابعتهم وتعلقنا أحيانا على الشبابيك الحديدية, في المنازل التي حلوا بها, لنشاهد المشايخ, ونسمع ما يقولون. وظلت صورة الشيخ أمين عالقة في ذهني, زمنا طويلا. وبعد سنوات, وجدت نفسي واقفا, أمام الشيخ أمين في مكتب رئيس الدولة في القدس, أترجم له ما يجري في الإحتفال, ثم تلاقت دروبنا في مناسبات كثيرة, وفي كل مرة كنت أستعيد ذلك المنظر حينما كان عمري خمس سنوات ورأيته يدخل بيتنا.
كانت هذه زيارة تفقدية قام بها الشيخ, بعد أن بدأت الحرب العالمية الثانية, وبعد أن استفحل الوضع الأمني بين اليهود والعرب في البلاد, وبعد أن قامت في البلاد ثورة عربية استمرت عدة سنوات, وكان فيها الدروز في خطر. فكان الشيخ أمين, بصفته رئيساً روحياً للطائفة, يقوم بجولات في القرى الدرزية, ويتفقّد أحوالها, ويشجع السكان على الصمود, ويوزع التعليمات والنصائح. وكانت قريتي, كفر سميع من القرى الدرزية الصغيرة في البلاد, وقد تحمّلت كثيراً من هجمات بعض الثوار, وتعدّياتهم واستفزازاتهم....
وفي عام 1954 حصل تطور هام في حياتي . ففي سوريا, قام الطاغية اديب الشيشكلي بمحاربة الدروز وقصفهم بالطائرات وضغط عليهم كثيراً. وقد سمع المواطنون في البلاد هذه الأخبار, وحدث غليان في القرى الدرزية هنا, خاصة وأن الزعيم الكبير سلطان الأطرش, فضّل ان يترك سوريا حقناً للدماء, لأنه لم يكن يرغب ان تكون فتنة في سوريا, فآثر الخروج كي يحل الشعب السوري قضيته بدون إراقة دماء. وهاجت الجماهير هنا في البلاد, وطلب الزعماء الدروز بالسماح للشباب الدروز بالذهاب الى جبل الدروز, لمساعدة اخوانهم هناك ضد الشيشكلي, وقد ذهب وجهاء الدروز الى القدس للقيام بمظاهرة هناك, وطلب فضيلة الشيخ امين طريف, مقابلة رئيس الحكومة آنذاك, السيد موشيه شاريت. وقد وافق رئيس الحكومة على قبول وفد برئاسة فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, وطلب أحد مساعديه مني, أن آتي خصيصا للقدس لأقوم بعملية الترجمة للوفد.
جئت للقدس, وهناك كانت لحظة رائعة لا بل تاريخية او قل رهيبة, ليس لأني اقف في حضرة رئيس حكومة اسرائيل السيد موشيه شاريت, فهذا الموقف قد تعودت عليه عندما وقفت أمام فخامة رئيس الدولة السيد اسحق بن صفي في حينه, وإنما لأني اقف ولأول مرة في حياتي, أمام شخصية طالما سمعت عنها الكثير, وطالما ردد ذكرها في بيتنا, المرحوم والدي بكل احترام وإجلال وتقديس, لقد شاهدته وأنا ولد بنظرة خاطفة, أما اليوم فإنه أمامي, وأجلس معه لأترجم أقواله لرئيس الحكومة, في مكتب رئيس وزراء اسرائيل. إقتربت منه وطرحت السلام عليه, فبهرني نور محياه, ولأول مرة في حياتي, شعرت برهبة القدسية والإيمان, وبهيبة الشيخ الوقور, والزعيم الروحي الكبير. وكان ذلك اللقاء  في مكتب رئيس الحكومة في الثاني من شهر شباط  1954. وكم يصعب علي وصف مشاعري في تلك اللحظات المهيبة, فها أنا ذا الشاب اليانع أقف بين يدي الرئيس الروحي للطائفة الدرزية, رمز الدين والقدسية, لأستمع لطلباته وأنقلها الى السيد شاريت, لإقناعه لتدخل اسرائيل فيما يجري بسوريا, لمساندة الدروز ووضع حد لسفك دمائهم, على أيدي الطغمة الحاكمة برئاسة اديب الشيشكلي. لم يقبل السيد شاريت بالتدخل فيما يجري, في سوريا, واكتفى بمدح فضيلة الشيخ امين طريف, وتقدير مواقف الدروز وشجاعتهم ورفضهم الظلم والطغيان, وأثنى على مواقفهم وإخلاصهم لدولة اسرائيل وللشعب اليهودي. ووعد بأن يسعى لحل المشكلة بطرق دبلوماسية. وبعد انتهاء الاجتماع خرج الشيخ امين الى وفود المشايخ المجتمعة في الساحة خارج المكتب, ليخبرهم برد رئيس الحكومة, وبانتهاء مهمة الوفد, ليعود الجميع الى بيوتهم.
 لقد كان هذا لقائي الأول بفضيلته, ومنذ اللحظة الاولى, انتابني شعور بالإجلال والتقدير, لهذا الشيخ الذي كان وما زال في نظري, وليا وقديسا ورمزا للخير والطهر والنقاء. وكم كنت مندهشاً عندما بدا الشيخ امين يسألني عن تعليمي في مدرسة عبرية مشهورة, وكيف وصلت اليها, وكيف تعلمت اللغة العبرية, وكيف اصل من كفر سميع القرية المعزولة النائية الى حيفا. وعندما أخبرت الشيخ بأنني اسعى الى اقامة منظمة شبيبة درزية وإني إخترت الحركة الكشفية، وبعد ان شرحت له ما هي الحركة الكشفية, وأننا اقمنا فروعاً لهذه الحركة في كفر سميع والبقيعة وحرفيش وشفاعمرو وابو سنان وقرى اخرى, وأننا نسعى الى اقامة فروع في مختلف القرى, بارك الشيخ امين خطانا, وتمنى لنا النجاح أمام الوفد الذي كان مجتمعا آنذاك في القدس, وعلى مسمع من الصحفيين وجمهور المجتمعين في المنطقة.