المختار الشيخ صالح حمود
بقلم الأستاذ مالك صلالحة
1956-1860

هو المرحوم المختار الشيخ ابو فرحان صالح ابراهيم فارس حمود, من سكان قرية بيت جن. وكان  من خيرة الرجال التي أنجبتها قرية بيت جن وكان أحد أقطابها ووجهائها.
كان يجمع في شخصيته كل السمات والصفات والشمائل الحميدة التي قلما تجتمع في شخص واحد. كان متواضعاً، كريما، مضيافاً، أميناً، وفياً، صادقاً، شجاعاً، غيوراً، على المصلحة العامة.
الى جانب ذلك كان تقياً ورعاً يخاف الله في تعامله مع نفسه ومع من حوله. يعمل بالمعروف وينهى عن المنكر، متمشياً مع هدى اركان الدعوة التوحيدية، على رأسها صدق اللسان وحفظ الإخوان. ولا عجب ان الناس رأوا به ملاذاً آمناً ومخزناً لأماناتهم ووصاياهم وأموالهم. كان كريماً الى ابعد الحدود. وكان بيته محجاً لأهل القرية وللضيوف من خارجها. ومن هنا فلا عجب ان بقي مختاراً للقرية مدة 32 عاماً دون منازع زمن الانتداب.
عمل الكثير على حل المشاكل والنزاعات بين الناس، زارعاً المحبة والإلفة في القلوب المتنافرة، حافظاً ومدافعاً عن حقوقهم ايماناً بمبدأ حفظ الاخوان وكان عضواً في لجنة الاصلاح بين الناس آنذاك. واشترك في عقد رايات صلح عديدة منها راية الصلح بين عائلة قاسم (فرج) وفارس في الرامة. أما اخوه حمود فكان قاض ٍ للشرع بين غرباء الجوار. وقد ذاع صيت وسمعة ابي فرحان في انحاء البلاد من الجليل شمالا حتى الكرمل والمثلث وقضاء نابلس جنوباً الى جبل الدروز شرقاً وحتى وادي التيم شمالا ذلك لمدى كرمه وسخائه وحسن استقباله للضيوف. حيث غدا مثلاً على ألسنة الناس وخاصة المعمّرين منها. وأصبح مضرباً للمثل في السخاء والكرم فيقولون (فلان مثل ابي فرحان بتاكل على صيته من هون لنابلس لحوران).
وقد انعكس هذا على معاملته لأهالي بيت جن عندما كانوا يتجولون متاجرين او زائرين للمناطق المذكورة. وهناك عدة أمثال وحوادث نسيق بعضها عبرة للأجيال القادمة.
فعلى أثر حرب 1967 زار أحد اقارب ابي فرحان نابلس ودخل احدى المطاعم لتناول الغداء، فلقيه شيخ طاعن في السن فعرفه من لهجته انه من الجليل، فسأله عن حاله – فأجاب انه من بيت جن، فتهلل وجه الشيخ بشراً وقال :" أنت من بلد ابو فرحان طعّام العيش وجاي توكل في المطعم ؟" وأقسم إلا أن يأخذه الى بيته ليتناول الغداء على مائدته على شرف ابي فرحان. حيث قص لضيفه كيف حلّ ضيفاً على أبي فرحان وكيف أحسن وفادته وضيافته دون معرفة. كما حدثت قصة مشابهة مع أشخاص من بيت جن هما المرحومين ابو جمال محمود كنج قبلان وابو نمر فارس هزيمة طافش وآخرين عندما كانوا في جولة تجارة في منطقة البصّة قرب رأس الناقورة. حيث طال بهم المشوار ونفذ الزاد منهم. فلجأ ابو نمر لأحد بيوت البصة وطرق الباب طلباً لبعض الزاد... ولما عرف صاحب المنزل من اي بلدة هم... أبى إلا ان يستضيفهم لأنهم من بلد ابي فرحان وذلك عرفاناً منه على كرم وحسن ضيافة ابي فرحان عندما زار بيت جن. وهناك العديد من القصص التي لا يسع المجال لذكرها... كما حدث زمن الانتداب مع اربعة من الخيّالة التجار من نابلس الذين طرقوا بابه في فصل الشتاء البارد فلاقاهم بأجمل ترحيب وقام بالواجب اتجاههم خير قيام عدة ايام ودون ملل او امتعاض... ورغم الفقر الشديد الذي كان شائعاً آنذاك. إضافة الى ما ذكرنا فقد كان ابو فرحان صاحب نخوة ومروءة وشهامة فكان بيته مأوى للدخيل الذي ابتلي بمصيبة... كما حدث مع شابين من آل عرايدة من المغار. حيث استضافهم وحماهم معرضاً حياته للخطر. حيث كانت الشرطة تحاصر البلدة بين فترة وأخرى بحثاً عنهما. وعندما اشتدت المضايقة، لجاً ابو فرحان الى حيلة حيث طلب الإذن من الشرطة للسماح لنساء القرية بالخروج الى عيون الماء لجلب المياه للشرب والغسيل فعمد الى ضيفيه وألبسهما ملابس نسائية وحمّلهما الجرار حيث خرجا مع النساء، وتمكنا من الهرب الى جبل الدروز في سوريا. وكانت نتيجة فعلته ان سُجن ستة اشهر ، مطبقاً بذلك وصية حفظ الاخوان.
كما زار بيته في 1936 المرحوم زيد بك الاطرش، وقد اشاد بأبي فرحان وكرمه وأهداه مسبحة لا تزال محفوظة لدى حفيده الشيخ ابو كريم سعيد حمود أطال الله عمره الذي أصبح خير خلف لخير سلف.
أما في سنوات الحرب وخاصة عام 1948، فقد كان بيته منزولا ومضافة مجانية لعشرات العائلات من النازحين والمهجرين من القرى المجاورة كصفد وبيريا ولوبية وعرابة وسخنين والمغار وذلك لعدة ايام وأسابيع حتى تسنى لهم العبور الى الحدود اللبنانية.
كما وجدير بالذكر والحق يقال ان ابي فرحان كان شجاعاً ونصيراً للضعفاء والفقراء والمستضعفين يقف كالسد المنيع في وجه المتغطرسين والظالمين حتى لقبه الناس وبحق " نُصرة الفقير" اي نصير الفقراء. إذ ان الاراضي زمن تركيا والانتداب كانت مشاعاً وتوزع كل اربع سنوات على الأنفس. وكان الأقوياء يحاولون الإستئثار بالاراضي الجديدة والخصبة لصالحهم. فكان ابو فرحان يقف كالطود الشمخ في وجههم ويحصّل حق الفقراء والمساكين، من اجل نصيب عادل من الارض الجيدة والصالحة. كما اشتهر بمواقفه الشريفة ضد تقسيم اراضي مزرعة الخيط في الحولة على الأنفس حيث كان يرى بذلك خطورة لضياع الارض، وهذا ما حصل عندما وافق المخاتير بعده على التقسيم. حيث ضاعت اراضي الخيط هباءاً. كما كان صادقاً وأميناً، وكان بيته مخزناً للأمانات والوصايا وكان ذا خط جميل حيث كان الناس يقصدونه لكتابة الحجج والوصايا وقيد الانفس والعقود في البيع والشراء والزواج والرهان الخ... حيث كان يتمتع بذكاء خارق وكان بمثابة كاتب عدل آنذاك.
هذا غيض من فيض من سيرة الرجل الفذ فرحم الله ابي فرحان وأكثر من أمثاله وقد صدق فيه قول الشاعر :
يبقى الثناء وتذهب الأموال          ولكل دهر ٍ دولة ورجالُ
ما نال حمدةَ الرجال وشكرهم      إلاّ الجوّاد بماله المفضال