التعليم من أجل الإنسان والمجتمع والعالم
 بقلم: د. جبر أبو ركن


التعليم أحد العوامل التي ساهمت وتساهم في تغيير الإنسان والمجتمع والعالم قديما وحديثا بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل الدين والروحانيات والسياسة والاقتصاد والفلسفة والمال والمواصلات والاتصال والعلوم وغيرها.
ما زال الجدل قائما حول مسألة ما مدى تأثير كل واحد من تلك العوامل على تغيير الناس والمجتمعات والدول والعالم خلال مراحل تطوّر وانتقال الإنسان والعالم من حالة البداوة والتنقل إلى حالة التمدّن والاستقرار والانتقال من المغارة القديمة إلى المدنية الحديثة، ومن الخيمة إلى المنزل الثابت.
أهداف ومناهج التعليم تغيّرت كثيرا على مد التاريخ. سابقا كان هدف التربية والتعليم تعلّم القراءة والكتابة لكي يقرأوا كتب الدين والتاريخ والأدب وغيرها، وفي العصر الحاضر يتعلّمون القراءة والكتابة من أجل التعلّم، وأصبح التعليم من أجل تطوير الإنسان وتقدّمه في جميع المجالات والمواضيع الممكنة وتحضيره من أجل المجتمع والعمل والدولة والعالم لتحقيق ذاته واكتساب القدرات العقلية والنفسية والجسمانية وتطويرها لتقدمه وتقدم المجتمع والعالم.
أحيانا كان نجاح عملية التعلّم في تحقيق الأهداف بسيطا وقليلا، وأحيانا أخرى كان كبيرا وقويا. في الحضارة اليونانية القديمة كان الفيلسوف أفلاطون يعلّم في أكاديميته التي أنشأها في أثينا- أول أكاديمية وجامعة في العالم- أربعة مواضيع فقط:
1-    الحساب والهندسة – الرياضيات العقلية
2-    الرياضة البدنية والفروسية – جميناسيوم.
3-    الموسيقى- لتطوير وتهذيب النفس
4-    الفلسفة والحكمة- لاكتشاف ماهية الأشياء.
كان هدف التعليم عنده تطوير مركّبات وعناصر الإنسان من جسدية ونفسية وعقلية وروحية. وما زالت هذه الأهداف والمواضيع تدخل في مناهج ووسائل عملية التعلّم حتى أيامنا هذه في معظم المؤسسات التربوية والتعليمية في العالم أجمع. ومع الزمن تفرّعت منها باقي المواضيع والعلوم العديدة في كل المجالات.
لنطرح سؤال هامّ: هل الإنسان استغل العلم والتعلم لبناء وتطور العالم أم لتدمير وخراب هذا العالم؟؟؟ المشكلة ليست في العلم والتعلّم بل في الإنسان نفسه- أهدافه ونواياه وسياسة الحُكام والملوك والزعماء-. الأمثلة عديدة من الناحيتيْن- عندما استعمل الإنسان العلم والمعرفة لأجل الزراعة والصناعة والثقافة والبناء والطب حدث التطور والازدهار والسلام وعندما استعملها في الحرب والقتل كان الدمار والخراب. وهكذا باقي القوى الفاعلة والمتواجدة في المجتمع والعالم. عندما يستعمل الإنسان الدين وغيره ويستغلّه للسلطة والسيطرة والمال والكراهية تجاه الآخرين ينتج عن ذلك الصراع والقتل والحرب. وكذلك في كيفية استغلال المال والثروات والاختراعات والمواصلات والاتصال.
استعمال الشيء من أجل التطور والتقدم والتوازن والسلام أو من اجل الطمع والسيطرة والإيذاء والحرب... وهذا يعتمد على النوايا والأهداف السياسية والدينية والقومية والدولية لزعماء المجتمعات والدول والعالم.
ما هي القضايا والأمور التي تواجه التعلم في العصر الحاضر وكيف يمكنه مساعدة الإنسان على حلّها بشكل صحيح ومفيد له ولعالمه القريب والبعيد.  هذه بعضها:
مشكلة الجهل الأمية: العلم والتعلم أهم عامل في حل هذه المشكلة ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ما زالت بعض الدول في العالم الثالث والمتخلّف تعاني من هذه المشكلة- حسب معطيات الأمم المتحدة ما بين ربع إلى ثلث سكان العالم يعانون من جهل القراءة والكتابة بدرجات ونِسب مختلفة. لكي ينجح التعلم في محو الأمية والجهل يحتاج إلى المال لإنشاء المدارس والمؤسسات التعليمية وتوفير معاشات كوادر التعليم، وسياسة تعليمية عند حُكام تلك الدول والمجتمعات.
مشكلة الفقر والجوع: حسب الأمم المتحدة فإن نصف سكان العالم تقريبا يعانون من الفقر والجوع بدرجات مختلفة في دولهم وبلدانهم. المال وسياسة الدول بإمكانها تخفيف هذه القضية أكثر من تأثير التعلم، أولا الخبز والطعام للمعدة وبعدها الكتاب والحاسوب للعقل والتطوّر الفكري والثقافي. ومع ذلك فإن التعلم ومعرفة المواضيع الزراعية ووسائلها وزيادة الإنتاج والاقتصاد كل ذلك يعمل على حلّ هذه القضية أو التخفيف من حدّتها على الأقل. ومع المعرفة الطبية وتحديد النسل وتوزيع صحيح لثروات البلاد والعالم.
مشكلة الجهل والأمية: تلوث الهواء والماء والغذاء- اكتشاف النفط واستعماله في مجالات الحياة في العصر الحاضر – منذ 140 سنة- أدى إلى تغييرات كبيرة في العالم- منها التقدم والازدهار في حياة الإنسان والبشر- الذهب الأسود مصطلح للنفط- ومنها الدمار والخراب- الشيطان الأسود مصطلح حديث للنفط وكان للتعلم نصيبه في الحليتين عندما استعمله الإنسان لتطوير الصناعة والتجارة والمواصلات والطب والعلوم والتكنولوجيا- ومن جهة ثانية عندما استعمله في الحروب والقتل والدمار ونتج عن كل ذلك تلوّث مقوّمات ومركّبات حياة الإنسان وهي الهواء والماء والغذاء (من الأرض والطبيعة الملوّثة بالسموم والكيماويات)- وتحاول بعض الدول حل هذه المشكلة عندها وفي باقي مناطق العالم. المشكلة ما زالت قائمة وتعاني منها البلدان بدرجات متفاوتة. الحلول تكمن في تجمع وتكاثف العوامل والقوى المختلفة منها السياسة والمال والعلم والتربية والمعرفة والاقتصاد والإعلام على المستوى المحلي والقطري والدولي والعالمي.
من أهداف التعلم الحديث خلق بيئة الإنسان والأجيال الناشئة القائمة على العوامل الطبيعية- نظافة الهواء والماء والتراب والتغذية الصحية والصحيحة وتربية هذه الأجيال على هذه القيم وغرسها في عقولهم ونفوسهم منذ الصغر في البيت والمدرسة والشارع والحارة والبلدة والدولة.
المشكلة الأخلاقية والسلوكية والروحية لم ينجح كثيرا التعلم في التربية من أجل القيم الأخلاقية والسلوك الحسن والروحانيات في العديد من المجتمعات والبلدان -وهذا ما يظهر اليوم في في العنف والإرهاب الاجتماعي والمحلي وانعدام الأمان والأمن وقلة الاحترام للعادات والتقاليد الجيدة منها وللقوانين والتعليمات. هذا يعود إلى فقدان التعلم لمكانته المركزية في التربية للقيم والأخلاق في البيت والمدرسة وكذلك فقدان بعض كوادر التعليم أنفسهم لهذه القيم والأخلاق -لأن فاقد الشيء لا يعطيه- ومنافسة وسائل الاتصال والماديات للتعلم الأخلاقي وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم هم ذهبوا.
هذا القول صحيح على المستوى الفردي والعائلي والاجتماعي والدولي، ملوك وحُكام ودول انهارت واندثرت عندما انعدم الضمير الإنساني والأخلاقي من سلوكهم وسياستهم مثل الفراعنة المصريين في نهاية حكمهم، والسلاطين العثمانيين في نهاية دولتهم ونهاية المماليك والعباسيين والفرس والرومان وألمانيا النازية وأنظمة حكم فاسدة وعديمة الأخلاق.
التعلم ومدى تأثيره على الإنسان والعالم هو أحد العوامل في السلوك البشري والدولي وليس الوحيد. المال والاقتصاد والسياسة والدين لها تأثير كبير على السلوكيات والتعامل والعلاقات ما بين البشر والدول.
ذات يوم التقى المال والعلم والأخلاق (الشرف) ودار جدل ونقاش بين مندوبيهم حول من الأهم منهم في حياة الإنسان. وفي نهاية اللقاء قال كل واحد منهم قبل أن يفترقوا ما يلي: "قال المال: أنا ذاهب الآن وإذا فقدني الإنسان فسوف يجدني وأعود إليه في العمل والبنوك. قال العلم: إذا فقدني الإنسان فسوف أعود إليه في المدارس والكتب والجامعات والإنترنت. قال الشرف (الأخلاق): المال والعلم يعود كل واحد منهم للإنسان إذا فُقد أحدهما أما أنا إذا فقدني الإنسان فلن أعود إله بتاتا ويبقى بلا شرف للأبد.
 يجب على المسئولين في التربية والتعليم العمل على إعادة مركزية التعلم في تربية وصقل شخصية الأجيال القادمة على القيم والأخلاق والمحبة والصدق والسلام وعدم إيذاء الغير وغير ذلك من القيم لكي نقيم بيئة بشرية وطبيعية صحية ومتوازنة وسعيدة وروحانية من أجل تطور الإنسان ومجتمعه وعالمه ماديا وروحانيا وعقليا ونفسيا وعلميا -تكنولوجيا.
العناصر المادية في حياة الإنسان تبقى في العالم المادي -الأرضي- بعد موت جسده -أغنى أغنياء العالم لا يأخذ معه أي شيء من أملاكه وأمواله- ودرجة تطوره الروحاني في الوجود الروحاني والأجيال القادمة تعتمد كليا على مدى تحصيله واكتسابه للخير والصالحات والسلوك الحسن وابتعاده عن الشر والحرام وعدم إيذاء الغير والإيمان العميق بقوة عليا -الله تعالى- مصدر المحبة والسلام والعدل وخالق العوالم المادية السفلى والعوالم الروحانية العليا والطاقات الكونية بأجمعها. الإنسان بطبيعته الجوهرية يحتاج على الجوهر والعنصر الثابت الذي لا يموت ولا يفنى لكي يعتمد عليه ويركن إليه في حياته ومماته -والتربية والتعلم من أجل القيم الإنسانية والروحانية من أهم الوسائل والمناهج لبناء نظام علمي جديد بشعوبه وبلدانه متوازن وعادل وآمن ومؤمن ومحب ومسالم وحضاري ماديا وروحانيا وعقليا. يجب على الإنسان وضع التعلم عاليا ومركزيا من بين العوامل المختلفة في بناء وتطوير نظام عالمي جدير حاضرا ومستقبلا.  