مشايخ آل تراب في القرن العشرين في بلاد صفد
بقلم الشيخ أبو نعيم نسيب بدر - حرفيش

Image

"ال تراب" هو اصطلاح تاريخي درزي، أُطلق على الدروز الذين عاشوا في البلاد في عهد الدعوة الدرزية في القرن الحادي عشر، وقد ورد في كتاب "عمدة العارفين" للشيخ محمد الأشرفاني أن ال تراب هم "شيوخ المواضع من الأهل والاصحاب"، كما وورد ذكر آل تراب في المصادر التوحيدية وفي رسائل الدعوة.
وتمت تسميتهم بهذا الاسم (آل تراب) نسبة لتواضعهم وعراقتهم وقربهم من الأرض والجذور وتسليمهم في أمورهم الدينية وتضحيتهم في سبيل استمرار الدعوة ونجاحها. وبرز من بينهم الشيخ طريف طريف وشقيقه مهنا طريف وشيخ الجزيرة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، الذي انحنت أمامه القامات والهامات الدينية والسياسية والاجتماعية، وكذلك الشيخ أبو حسن صالح أبو ملح من قرية البقيعة، والشيخ أبو محمد خليل طافش من قرية كفر سميع، والشيخ أبو محمد قاسم الفرهود والشيخ أبو علي محمد حسين الفارس، وابنه الشيخ أبو محمد علي الفارس من قرية حرفيش، والشيخ أبو صالح سلمان بدر ونجله الكاتب صالح بدر الذين كانوا متنقلي الإقامة ما بين حرفيش وخلوات البياضة في حاصبيا والتقوا لقراءة الذكر. رحمهم الله جميعا.
فيما يلي سرد لمناقب مشايخنا الاجلاء آنفي الذكر:
المرحوم الشيخ طريف طريف شغل منصب الرئيس الروحي للطائفة الدرزية وقد أصر في عهد الدولة العثمانية بأن تحصل الطائفة الدرزية على الحقوق والامتيازات بين الطوائف وطالب باعتراف شرعي بالطائفة الدرزية وبحقها لتعيين قضاة شرعيين دروز، وقد صدر فرمان عثماني بتعيين الشيخ طريف قاضي المذهب في بلاد فلسطين من قبل السلطات العثمانية سنة      1909 وأنيطت به مهمة متابعة الأمور الشرعية للطائفة الدرزية في المحاكم الإسلامية. الا أن الطائفة الدرزية في البلاد لم تحصل على محكمه شرعيه خاصه بها بسبب العدد القليل لأبنائها آنذاك، وحصل الشيخ طريف على رعاية الأحوال الشخصية للطائفة من قبل السلطات العثمانية. وتم تعيين قاضي شرع درزي في المحاكم الإسلامية لرعاية شؤون الطائفة. وكانت تضم دروز فلسطين ولبنان، وبعد قيام دولة إسرائيل شُكلت محاكم شرعيه خاصه للدروز.
أما الشيخ مهنا طريف فقد وكّل مهمة جمع تبرعات لبناء مقام النبي شعيب (ع) إلى الشيخ محمد قاسم الفرهود من قرية الرامة والشيخ محمد حسين الفارس من قرية حرفيش والشيخ خليل الطافش من قرية كفر سميع ورافقهم الشيخ أبو حسن منهال منصور من قرية عسفيا، حيث ذهب جميعهم إلى سوريا لجمع هذه التبرعات بهدف بناء مقام النبي شعيب (ع).  وعندما وصلوا نهر الشريعة (نهر الأردن) وقطعوا النهر، بقي الشيخ الشاب أبو حسن منهال منصور في الانتظار حتى غابوا عن الأنظار وقد توقع له هؤلاء المشايخ الاجلاء مستقبلاً دينيا رفيع المستوى، وبعد أن جمعوا التبرعات عادوا إلى البلاد وباشروا في بناء المقام الشريف.
ومما يُذكر عن الشيخ محمد حسين الفارس الذي تميز في مكانته الدينية المرموقة وحدة ذكائه وتواضعه، أنه في إحدى المرات أتى إليه الأفندي من آل قدوره الذي كان يملك نصف أملاك قرية حرفيش. وعندما وصل بيت الشيخ الجليل استقبله وذبح له شعتول من الماعز إكراما له وباشر في تحضير السفرة، ولمّا حضر إلى المائدة قال له الأفندي: يوجد لدي شرط وبودي أن تنفذه وإذا رفضت فلن آكل من زادك!  فقال له الشيخ: وما هو الشرط؟  فأجابه الأفندي: أنه هنالك رجل من أعوانه في القرية، رمى عليه المشايخ الحرمان الديني لسبب ما. وأراد الأفندي من الشيخ أن يرفعوا الحرمان عنه. فأجابه الشيخ: أنت يا أفندي شريكنا على الأرض ولكن لست شريكا لنا في الدين والعرض، وأن هذا الرجل الذي تتحدث عنه لا يستحق الدين، وكل ما أحضرته معك مخبأ لدينا، خذه منا على المكشوف. فأجاب الأفندي: فإذا تفضلوا على الميسور، فقال له الشيخ محمد: الميسور الغانم يا أفندي.
أما الشيخ الجليل خليل طافش، عندما كان في لبنان في فترة السفر برلك، مر في طريقه بمدينة طرابلس اللبنانية ودخل إحدى المخابز ليشتري الخبز ودفع ثمن الخبز لصاحب المخبز، وعندما عرف صاحب المخبز أنه من قرية كفر سميع بعد أن سأله عن ذلك رفض أن يأخذ منه ثمن الخبز وقال له: أنت من بلد الشيخ خليل طافش فكيف لي أن آخذ منك ثمن الخبز؟ دون أن يعرفه.
الشيخ أبو حسن صالح أبو ملح من قرية البقيعة، كان قد تنبأ أنه سوف يتم شق شارع من فوق القرية من جهة قريتي الرامة وبيت جن، وتنبأ كذلك بأن الصخور الكبيرة الموجودة في سفح الجبل سوف تصبح مقالع لأبناء القرية ولجني المال الطائل منها. وروى الشيخ سلمان بدر صديقه ورفيق دربه الديني أنه عندما حصد الشيخ أبو حسن صالح أبو ملح موسم القمح وجمعه حله كبيره، أتوا البدو وسرقوا منه قسما من حلة القمح وقد كانوا رعاة بقر في الجبل الذي كان يفصل بين حرفيش وقرية البقيعة، ثمّ أتت نمره وأكلت لهم رأس بقر من القطيع ، ومرة ثانيه تجرأوا وسرقوا من حلة القمح التابعة للشيخ فعادت النمرة مرة ثانيه وأكلت لهم رأسا من البقر، وعندها هرولوا مسرعين إلى الشيخ الجليل صالح أبو ملح من أجل أن يردع النمرة عن قطيعهم بعد أن اعترفوا بسرقة القمح وأعادوه للشيخ ، فسامحهم الشيخ وطلب من الله أن يمنع النمرة عن قطيعهم وكانت تلك النمرة ترد على عين ماء في وادي الحبيس حول جبل النبي سبلان ( ع) وحتى يومنا هذا يطلق عليها اسم عين النمرة نسبة إلى هذه النمرة.
الشيخ علي فارس من قرية حرفيش، عرف بمناقبه الحميدة الكثيرة إذ كانوا شباب القرية يهابونه ويحترمونه لمكانته الدينية ونظرته الثاقبة بنور الله، وكانوا يطأطئون رؤوسهم عند مقابلته، أما المدخنون من بينهم فكانوا يرمون بالسيجارة تحت نعالهم خشية من الشيخ.
أما الكاتب الشيخ الخطاط صالح بدر فقد عاش 34 عاما دون ان يتزوج، وعندما سقط حجر من إحدى المعالم التاريخية في القاهرة، نُقش عليه آية قرآنيه وبعد أن عجز علماء الأزهر هناك عن تحليلها، قرروا أن يرسلوا هذا الحجر إلى علماء خلوات البياضة التي وصفوها بأزهر الدروز، ليحللوا هذه الآيات فأتوا بالشيخ صالح بدر حيث أقفل الباب خلفه ثلاثة أيام متواصلة وحلل تلك الآية بنجاح ثم أرسلوا الإجابة إلى القاهرة فكتبت الصحف عنه في حينه. وكان قد كتب آية الكرسي على حجم حبة الرز ولا زالت موجودة حتى يومنا هذا في إحدى المتاحف الأوروبية. وما سمعناه من أجدادنا أن كتاباته ومخطوطاته بحجم حمل جمل.
الشيخ محمد قاسم فرهود من قرية الرامة، ولدى مكوثه في البياضة الزاهرة، طلب العودة من إخوانه فألحوا عليه أن يبقى ليرافقهم إلى قرية عرنه فلبى الدعوة ورافقهم إلى تلك القرية وأثناء مسيرهم في القرى غير الدرزية تعرض قطاع طرق للمشايخ محاولين اهانتهم وسلب أموالهم. فتقدم الشيخ فرهود بشجاعة باتجاه رئيس العصابة ومد يده ليسلم عليه إذ كان الشيخ نشيط وقوي الجسم وقال له: سلم، وخذ ما تشاء. ولمّا سلم عليه رئيس العصابة مسكه الشيخ جيدا بيده وكسر له كتفه فولوا أفراد العصابة هاربين.
وأخيرا نترحم على شيخنا الجليل الكاتب والشاعر الشيخ أبو وسام سميح ناطور فكم جنيت من مواسم الحصاد الفكري والعلمي والثقافي والأدبي، وجمعت غمار السنابل، سنابل العطاء إلى عرينك منبر العمامة، وقد كنت شامخا على ذلك المنبر، كريما وفيا سخيا كالنبع العذب الفوار، وقلمك شعاع المعرفة والعطاء، وكنت حريصا على الكلمة واللغة والقواعد والإنشاء ودعوت الى الابتعاد عن الجمل المختلطة والاصطلاحات المختصرة بالعبري وباللغات الاخرى. وقد نهل الجميع من حصادك العلمي والأدبي والثقافي. إلى جنات الخلود يا أبا وسام. كما ونترحم على مشايخنا الأجلاء أبو زين الدين حسن الحلبي والشيخ أبو علي مهنا فرج من يانوح وغيرهم من الذين كانوا موفدين من الأولياء الصالحين لرعاية شؤون أبناء عشيرتهم الدينية في هذه الدوحة المعروفية في الجولان والجليل والساحل والشاغور والكرمل. ونتمنى الشفاء العاجل للشيخ الجليل أبو يوسف صالح القضماني.

Image
ضريخ الشيخ أبو حسن صالح أبو ملح

Image
غرفة الشيخ الجليل خليل طافش