الذكرى السابعة والعشرون لرحيل فضيلة سيّدنا الشيخ أمين طريف (ر)

Image 

 
سبعة وعشرون عاما مضى وذكراه الطيبة وانواره المشعة وتعاليمه النيّرة وتاريخه المجيد ومواقفة المشرفة التي يشار اليها بالبنان وعطره الزكي الفواح لا زالوا وسيبقون يسطرون أمجاد الطائفة المعروفية في كل مكان في كافة انحاء المعمورة، ففضائل سيدنا المرحوم، سيد الجزيرة وشيخ العشيرة الشيخ أمين طريف، رضي الله عنه، خالدة ويتناقلها أبناء الطائفة المعروفية من جيل الى جيل.
لقد تعوّدنا في سنين خلت، أن نستهل شهر تشرين اول أكتوبر بلقاء يجمع المشايخ الأجلاء وأبناء العشيرة المعروفية في مزار سيادته، لإقامة المراسيم إحياءً لذكراه العطرة والتبارك والتبرّك بذكره وبتعاليمه، الا أن الظروف الراهنة التي نعيشها في ضوء تفشي فيروس الكورونا، قد دفعت بالهيئة الدينية برئاسة فضيلة الشيخ ابي حسن موفق طريف اطال الله عمره باتخاذ قرار يقضي بإلغاء الاجتماع التقليدي السنويّ، تماشيا مع التعليمات الرسمية للجهات الصحية والطبية وحفاظا على صحة وسلامة الجمهور. ونيابة عن ذلك، تم اعداد فيلم وثائقي حصريّ "سيد الجزيرة" وفاءً له وحفظا للأمانة والتاريخ العبق الخالد، وقد ارتأت اسرة العمامة اقتباس بعض ما ورد فيه:
"في مثل هذا اليوم، منذ 27 عاما، فقدت الطائفة الدرزية شيخها العلم المفرد وامام عصرها الأوحد، صاحب الفضل والفضيلة وحاوي المكارم الجليلة، ندرة الزمان ومرجع الاخوان شيخ العشيرة وسيّد الجزيرة فضيلة المرحوم سيدنا الشيخ أبا يوسف أمين طريف طيب الله ثراه وأدام عبق فضله وذكراه".
أما الرئيس الروحي للطائفة الدرزية فضيلة الشيخ موفق طريف فقال: "في كل عام وفي مثل هذا التاريخ نجتمع لنتذكر سيدنا الشيخ بقلوب منكسرة حزينة، مستذكرين ما كان له من أيادٍ بيضاء ناصعة في خدمة أبناء الطائفة، والسير بالمصلحة الطائفية نحو بر الأمان، فقد قضى سيادته طوال سنين حياته متنقلاً بين البيوت والناس مهتماً بسماع اخبارهم وفاتحاً امامهم باب داره وقلبه، محزوناً لحزنهم، مسروراً لفرحهم، ساهراً على حقوقهم، جابراً لخواطرهم، مع إحقاق الحق وتبيين أصحابه، حيث كان لا يخشى في قول كلمة الحق لومة لائم، لا ينثني عن الصدق في الدعوة الى العدل والانتصار للمظلوم من الظالم، كل هذا بأسلوب راقٍ جزيم وكلام عذب سلسبيل جعله محبوباً في قلوب العالمين ومكرّماً في المجالس والدواوين، يشار اليه بالبنان وتتناقل قصص افضاله على كل لسان، مقبولاً حيث توجه، صادقاً إن وعد، شجاعاً اذا انتقد، مخلصاً لله في السر والعلانية، مرموقاً بين الخلق بمحامده السنية ومناقبه النورانية، فما ان كان يحل الليل وتنام عيون الناس كان فضيلته يقوم الى الصلاة بكل صدق وإخلاص متوسلا بآيات الفلاح، طالباً من مولاه السماح، وقد صادفته كثيرا وهو يجلس ويبكي ويئن ويشكو الى مولاه ما يعانيه من اشتياق بصون شجي يحن، باسطاً بين يدي الله أخبار يومه واعماله، طالباً منه تعالى ان يسدد خطاه ويستجيب لدعائه واقواله معترفاً بالعجز والتقصير وذارفاً في حبه الله الدمع الكثير، وبرزت منه الكرامات العجيبات واشير اليه حول العالم مع اختلاف الاديان والنسب واللغات، معروف عند خالقه بالصدق واليقين ومشهوراً بين شيوخ عصره بما ظهر عنه من الجمع بين القيادة في الدنيا والسيادة في الدين". وختم فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية بالقول: وها نحن اليوم، وبعد 27 سنة على رحيل فضيلته، لا زلنا نجتمع تحت ظل صورته ونتمسك بما سمعناه من نصائحه وحكمته، حاملين من بعده برفقة مشايخنا التقاة أعباء الخدمة والمسيرة وسائرين على نهجه وخطته في الحفاظ على هذه الأمانة الكبيرة، عاملين بموجب ما طالبنا فيه من تثبيت القيم التوحيدية في نفوس أبناء الطائفة وبناتها والسهر على خدمة مواقعها المقدسة ومقاماتها، مكرسين كل ما أوتينا من بعد فضيلته من اجل المضي بالطائفة الدرزية الى نيل كامل الحقوق وتحقيق الكثير من الإنجازات مؤكدين اننا نستمد البركة من ثقته ونستلهم الحكمة والفطنة من فيض تراثه وحكمته، عليه وفي مثل هذا اليوم التذكاري الرسمي نتوجه الى جميع أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان مترحّمين مرة أخرى على روح سيدنا الشيخ أبي يوسف أمين رحمه الله ومعتذرين عن تعليق مراسم الزيارة لهذا العام عملا بالمسؤولية الجماعية وتحفظا لما تعانيه قرانا في الأشهر الأخيرة من تزايد مقلق في عدد المصابين بوباء الكورونا المقيت، دعينا الله تبارك وتعالى ببركة صاحب هذه الذكرى، أن تزول هذه الغمامة عن دول العالم أجمع عمّا قريب، وأن تعود الحياة الى ما كانت عليه في السابق ونعود مرة أخرى الى الاجتماع واحياء ذكرى المرحوم سيدنا الشيخ أمين وغيره من الشخصيات والقامات التي لا زلنا على نهجها نستمر ونحيا وبذكرها الطيب نستنير ونرقى.     رحم الله سيدنا الشيخ وأعاننا واياكم جميعا على حسن الاتباع وطيب الاقتداء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما وشمل هذا الفيلم الوثائقي كلمات وأحاديث هامة لعدد من كبار المشايخ في لبنان وبضمنهم فضيلة الشيخ الجليل أبو علي سليمان أبو ذياب الذي قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، الأمين الولي المفضال، العارف بالله تعالى الشيخ أبو يوسف أمين طريف الفاضل الشريف رضي الله عنه، جلس لدى بساط رحمة الله وساحة قربه ورأفته ولاذ بظل صونه وعنايته، وتشرف بمعرفة الله سبحانه وتعزز بعزته، ورفع جبين طائفته وأمته بصدقه وكرامته، نودي ليلة وداعه الأخير من أهله ومحبيه وبني قومه وعارفيه، يا شيخنا يا سيدنا يا ركننا يا سندنا يا علمنا يا كاشف همنّا يا سيد العشيرة يا شيخ الجزيرة، رحمات الله الوافرة على روحك الطاهرة، كان الأمين الفاضل سيد الطائفة التوحيدية في زمانه وشيخ جزيرة الشام كلها في أوانه". فضيلة الشيخ ماجد أبو سعد من لبنان تحدث أيضا عن مناقب سيدنا الراحل الشيخ أمين طريف: "كان شيخنا الجليل يجالس القوم وهو تعالى أبدا جليسه ويؤنس مريديه وهو تعالى أنيسه فان ذكر الله بكى بكاء الخشية بدموع على خديه مترادفة، وان مدحه أحد او بجله بكى بكاء اعتذار، بكى اعتذارا طامعا مع حسن ظنه بمولاه ان لا تفوته الكرامة الكبرى، وكرامة العز والجاه في الدنيا تركض نحوه، ذليلة خاضعة فيهرب خفا من وهمها وسراباتها اللامعة الى حقيقة الكرامة الى حقيقة الكرامة في الدار الأخرى وانوارها الساطعة".
فضيلة الشيخ أبو علي حسين الحلبي من دالية الكرمل قال: "قام بخدمة المقامات، مقامات الأنبياء المقدسة عليهم الصلاة والسلام، مثل مقام النبي شعيب والخضر وسبلان، وأقام لهم زيارات موسمية وأعياد سنوية، ومن المعجب استرجاع منطقة الشحّار في لبنان حيث يوجد ضريح الأمير السيد قدس الله سره في عبيه، فبالقدر الأعلى ودعائه استُرجعت وتحقق النصر لله في لبنان، ومن الجدير بالذكر هنا دعاؤه وصرخته واستغاثته أمام هذا الضريح المقدس الشريف، حين بدأت تلك المدمرة الحربية الغادرة بالقصف على قرى الطائفة فقد تحقق دعاؤه وطلبه ورجعت المدمرة خاسرة وتحقق النصر للأهل الكرام".

Image

وكان المحرر المسؤول لمجلة العمامة المرحوم الشيخ الكاتب سميح ناطور، قد تحدث وكتب مرارا عن مناقب وخصال وأعمال سيدنا المرحوم فضيلة الشيخ أمين طريف التي لا تعد ولا تحصى، وقد رأينا لزاما علينا في هذه الذكرى وهذا المقام الخاص أن ننشر احداها والتي كان كتبها المرحوم في العدد 17 من مجلة "العمامة" في شهر تشرين أول عام 1993 تحت عنوان "شيخ الجزيرة إلى الواحات": "بعد سنوات سيصبح اسم الشيخ أمين طريف اسماً أسطورياً مقدساً في أوساط أبناء الطائفة الدرزية. وهو من القلائل في العالم الذي فرضوا في حياتهم هالة من القدسية حول شخصيّتهم في عيون الناس بسلوكهم وتصرّفاتهم وأعمالهم الخيّرة. وأقول إنني اعتبر نفسي من السعداء من بين آلاف أبناء الطائفة الدرزية الذي كان له الحظّ بمقابلة المرحوم الشيخ والتحدّث إليه وتقبيل يديه. وكنا عندما نقترب من قريته جولس حيث بيته العامر، أو عندما نقابله في الزيارات الموسمية في مقام سيدنا شعيب عليه السلام، أو في أي مكان، كنا نشعر أننا أمام وليّ صالح تتجسّد في شخصيته كل تعاليم دين التوحيد، وكل القيَم والمزايا التي يدعو إليها الدين الحنيف. كنا نشعر اننا أمام عملاق تاريخي كل عظمته في بساطته، وكل هيبته من تواضعه، وكل وقاره من هدوئه. لم يكن الشيخ كالبابا، راعيا لمليار من المؤمنين، أو كرئيس لدولة عظمى، او قائدا لجيوش جرّارة، لكي تحترمه وتهابه بسبب عظمة المكان الذي يتربّع عليه. كان الشيخ رئيسا روحيا لطائفة صغيرة مسالمة عدد افرادها جميعها لا يزيد عن عدد سكان مدينة نائية في الولايات المتحدة، لكن الشيخ كان من أنبل وأعظم الشخصيّات التي عاشت في عصره".      