الزيارة السنوية لمقام سيدنا أبو عبداللة (ع)
 
نحتفل في هذه الايام، بالزيارة السنوية المباركة لمقام سيدنا ابي عبدالله عليه السلام، الواقع في قرية عسفيا الكرميلية، وكما هو معروف، فقد دخل هذا المقام المقدس، الذي تتوافد اليه الجماهير من الكرمل والجليل والجولان للتبارك والصلاة وإيفاء النذور والاجتماع بإخوان الدين، الى وعي الجماهير الدرزية والى خارطة الأماكن المقدسة الرئيسية منذ سنين طوال، وكان فضيلة المرحوم سيد الجزيرة وشيخ العشيرة فضيلة الشيخ أمين طريف رضي الله عنه، قد اتخذ قراراً في العام ١٩٩٠ بموافقة ودعم المشايخ الإجلاء، بإجراء زيارة سنوية منظمة في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من كل عام لمقام سيدنا أبي عبدالله عليه السلام، وقد أصبحت هذه الزيارة سنّة وعادة تعوّد المشايخ الكرام على المشاركة فيها والاجتماع بالمقام الشريف.
لقد ظهر اول وجود لمقام سيدنا أبي عبدالله حالاً عند تأسيس قرية عسفيا قبل نحو اربعة قرون، وتناقل سكان القرية الأحاديث الطيبة عن عين الماء الواقعة غربي القرية، واسمها عين ابو عبد الله عليه والسلام، ولم يبخل مشايخ قرية عسفيا وسلطتها المحلية وقادتها على مر السنين، وعلى رأسهم المرحوم الشيخ الجليل التقي فارس يوسف ابو فارس واخرون مع حفظ الاسماء والألقاب، برعاية وبناء وتوسيع وصيانة المقام حتى اوصلوه الى وضعه اللائق الراهن.
وكان سيدنا ابو عبد الله محمد بن وهب القرشي، أحد أقطاب الدعوة الدرزية في عصر الحاكم بأمر الله، واشتهر بتجواله في البلاد ما بين القاهرة ووادي التيم، حيث قام بتفقد احوال المؤمنين ورعاية شؤونهم، ومن المتوقع أن يكون قد مرّ بالكرمل في طريقه من مصر الى لبنان ومكث فيه فترة من الزمن، واتخذ مقراً له كهفاً بالقرب من عين الماء في بقعة يانعة في جبال الكرمل الشامخ والمخضر. وأشار عدد من المؤرخين والمستشرقين الأجانب والعرب الى أن سيدنا أبو عبدالله قد خدم دعوة التوحيد قبل التبشير بها ونشرها على الملأ قاطبة بأربعة عشر عاما، وكان ذلك عام 393 للهجرة النبوية الشريفة وعند نشر الدعوة عام 408 للهجرة كان سيدنا أبو عبدالله ثالث الأئمة الكبار بعد السيدين الجليلين أبو الفضل وأبو إبراهيم واليه أوكلت مهمات دينية بين الموحدين الذين قبلوا هذه الدعوة وناصروها وعاضدوها.
وفي هذه الزيارة والمناسبة العطرة يجدر بنا أن نستذكر الكلمة التي كان قد القاها المرحوم الشيخ الكاتب سميح ناطور المحرر المسؤول لمجلة العمامة، في الزيارة السنوية قبل عامين لسيدنا أبي عبد الله عليه السلام:
"حضرات المشايخ الأفاضل الأجلاء
وتظل في دفاتر التاريخ وفي ثنايا الكتب والأسفار
وفي اذهان البشر وفي عقول المتنورين
تظل الكلمة خالدة باقية شاهدة على عظمة الكون
وعلى قدرات الخالق وعلى اكبر معجزة في التاريخ
وهي عقل الانسان
وتظل عقيدة التوحيد أجل وأشرف وأعرق،،،
وتظل جموع التوحيد التي أبدعها الخالق
في رعايته، وحمايته وتحت كنفه وولايته.
وهنا ، وفي ظل زيارة سيدنا، سفير القدرة
 أبي عبد الله عليه السلام
وفي التئام والتحام الكلمة والتوحيد والانسان
في أجمل بقعة على الكرمل المقدس،
وبحضور الجموع المبجلة من مشايخ الطائفة واعيانها،
يطيب لنا، نحن من حظانا الله، العلي الأعلى
بالمعرفة والنور والهداية، أن نتوجه للخالق، سبحانه وتعالى
بالحمد، والشكر، والتقدير، باجتماعنا هذا، بين جدران هيكل الكلمة،
لما يسر لنا في الآونة الأخيرة، من انتصارات، وانجازات، ومعجزات،
حيث تم تحرير مختطفات ومختطفين من بين براثن ومخالب وحوش،
دون أن يَخدش حياءهم أي عنصر،
كما أن الحرب الأهلية السورية عصفت بالطائفة وهزتها،
لكن الطائفة الكريمة، خرجت من هذه المحنة، بأضرار طفيفة
نسبيا للآخرين، مع كل اسفنا على مَن فقدنا.
وكل ذلك بهداية، وإرادة ربانية عليا،
وبصمود، وكفاح، جماهيرنا من أهل التوحيد،
وبمساعي، قادتنا، وزعمائنا، وممثلينا،
وفي مقدمتهم فضيلة شيخنا الجليل الشيخ أبو حسن موفق طريف،
سفير قدير، قام في هذه الفترة، مزودا، بتعاليم، وإرشادات، ودعوات
فضيلة شيخنا الكبير، المرحوم سيدنا أبي يوسف أمين،
فتوجه إلى أقطاب العالم واركانه، وشرح أوضاعنا على الملأ
وتوسط وسعى، مدعوما بالعزة الإلهية، وتحقق له كل ما أراد،
وخرجت الطائفة، بحضورعالمي وتواجد دولي، وكرامات بين الأمم.
وإننا إذ نسجل، بذلك إنجازا تاريخيا،
نتوجه إلى جميع قياداتنا في كل مكان، وندعو للوحدة، والتكاتف،
والعودة إلى دفء التوحيد، والتمسك بأهداب الدين،
والمحافظة على الصلات،
راجين من راعينا، وحامينا، أن يعيد هذه الزيارة المباركة،
والزيارات الأخرى المماثلة، على كافة أهل التوحيد، في كل مكان،
وهم ينعمون بالعزة، والكرامة، والسؤدد،
كما عهدناهم، منذ قرون، وعلى مر التاريخ.
وفي الختام ،هنيئا،
هنيئا لأمة شعار أتقيائها، وأساطينها، وكبارها، وشيوخها،
هو التواضع، والخشوع، والتبتل، والتقشف، وقهر النفس.
زيارة مقبولة، وكل عام وأنتم بخير."

الكلمة بالفيديو:
shorturl.at/rDGQ5