المرجعية التوحيدية والقيادة الحكيمة
فُجعت قرية كسرى بحدث جلل هزّ جميع أركانها وزعزع كافة أوصالها وأذل الجميع وكاد أن يؤدّي إلى صراع دموي لا نهاية له إلا أن الضوابط الاجتماعية والعادات التقليدية والكرامات القروية ووجود الشخصيات الحكيمة الراقية المؤمنة الفطنة في مراكز القرار اقتلع من هذا الحدث كل مواطن الخطر وكل مواقع التفجّر والالتهاب وردّه إلى الحجم الطبيعي الذي يليق به. فقد تزامنت المرجعية التوحيدية مع الضوابط الاجتماعية مع الشهامة والتعالي المعروفية والقيادة الطائفية الحكيمة فخرجت قرية كسرى من هذا الحدث أقوى وأرصّ وأمتن وأشجع وأرقى مما كانت عليه حتى الآن ويجب القول إنها كانت تتمركز القمّة.
لا أحد يمكن أن يضمن أن تسير كل الأمور في كل القرى في كل الأوقات بدون حدوث أعمال شغب أو تجاوزات أو مخالفات أو تصرفات نابية أو اعمال مشينة أو انحراف غير لائق من قِبل فرد أو بعض الأفراد في أي مجتمع. كل مجتمع معرّض في كل لحظة لوقوع مفاجآت سلبية كهذه. وكما نعلم الشيطان موجود في كل بيئة وفي كل كيان وهو يبذل جهودا كبيرة للإغراء والإغواء والتحريض وعمل الشرّ. ولكن الله سبحانه وتعالى بعث في الوجود شخصيات لها دور في كل زمان ومكان لتخفف من تأثير هذه الأحداث ولتمنع تدهورها وتورط أعداد أكبر في أعمال انتقامية وأخرى قد تسبب لهذا المجتمع اضرارا كبيرة لا تُعوَّض أحيانا. قرية كسرى من أكثر القرى المميّزة في بلادنا وفي العالم التوحيدي، نسبة المتدينين فيها هي من أكبر النسب في العالم قياسا مع عدد السكان.  الصلاة في خلوتها تجري على مرحلتيْن، مثلها مثل قرية يركا لكن يركا فيها 17 ألف نسمة وكسرى فيها 7سبعة آلاف نسمة. قرية كسرى اتّفقت منذ عشرات السنين على انتخابات قيادية للسلطة المحلية حسب برنامج دوري يمرّ بكافة العائلات الصغيرة منها قبل الكبيرة. والجميع متقيّد بذلك وقد التزم رجال الدين قبل غيرهم بدفع الضرائب ومستحقات السلطة المحلية ويستحي أي فرد أن يتأخر عن ذلك حتى ولو كانت هناك عوائق أو ظروف تمنعه من القيام بواجبه الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية وغيرها في قرية كسرى هي من أرقى الخدمات في الوسط العربي في البلاد. كسرى كانت مغلقة قبل سنوات بدون شارع بدون كهرباء بدون تلفونات وكانت تعيش وكأنها في القرون الوسطى وفجأة انطلق شباب وشيوخ القرية وارتادوا الجامعات وقبلوا للوظائف المركزية في البلاد وأصبحوا من قيادة الطائفة الدرزية والمجتمع العربي في هذه الدولة. كسرى أهلها تقدّموا لكنهم حافظوا على البراءة والعفوية والبساطة والطيبة التي تمتاز بها أرضهم التي كانوا يفلحونها ويعتاشون منها. كسرى بلد فيها مدرسة ثانوية هي أكثر مدرسة مستقرة ناجحة تمدّ القرية كل سنة بفوج من المتفوقين ينتشروا في الجامعات ويرفعوا من مستوى القرية والطائفة والدولة. كسرى الساطعة المشرقة المتألّقة تصاب أحيانا بنكسة أو بطعنة أو بحدث شاذ غريب عن كيانها وعن واقعها وعن مسيرة حياتها وأحيانا يكون هذا الحدث شديد الألم. ويكون من الصعب التغلّب عليه وطيّه واحتوائه. لكن كسرى حاباها الله بمشايخ أفاضل وبشباب حكماء وبأهالٍ طيّبين تجعلهم في كل مرة يترفّعون عن الصغائر ويتجاوزون عن المخالفات ويرتقون إلى أسمى الأخلاقيات، هذه هي كسرى التي وجدناها هذا الأسبوع إثر الحادث الأليم الذي وقع فيها وجدنا هناك طودا شامخا وشيخا مهيبا وإنسانا عملاقا هو الشيخ ابو فؤاد محاسن عبد الله أمدّ الله في عمره هذا الإنسان جلس في بيت الشعب كجبل الشيخ يفرض احترامه وتعاليمه ويقول إن هذا قضاء الله وعلينا ألاّ يخدعنا الشيطان وأن نوقف سفك الدماء. وأقول كلمة واحدة من أبي فؤاد كانت كافية لأن تخرج من قرية كسرى 15 جنازة لا سمح الله وكلمة واحدة جعلت من كسرى في ذلك اليوم قدوة ومنارة ونموذجا للأخلاق وعدم مواجهة الشر بالشر وإنما وضع حد لألاعيب الشيطان والمحافظة على مجتمع نقي سليم ونحن إذ نشكر الشيخ ابي فؤاد على ذلك، نشكر البيئة الطيّبة التي نما فيها أبو فؤاد وهم باقي المشايخ الأفاضل المحترمين من كافة العائلات في قرية كسرى الطاهرة النقية المعطاءة. كل فرد في القرية كان من الممكن أن يجرّ القرية إلى متاهات لكن الانضباط والتروي والتعقّل الذي امتاز به الشيخ أبو فؤاد هو جزء من التروي والتعقل والتعال الذي امتازت به قرية كسرة يأتي دور فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية ولجنة الصلح المكوّنة من مشايخ ووجهاء طيبين يتحمّلون مسؤولية كبيرة إذ أنك تجدهم بعد وقوع حدث في مركز الأحداث يضبطون الأمور ويحصرونها في نطاقها الضيق ولا يسمحون لها أن تنتشر أو تتوزّع. إن هيبة فضيلة الشيخ موفق وكرامته وحب الناس له وتقديرهم لأعماله في كافة القرى الدرزية هي رصيد ثمين لهذه الطائفة أن يقودها في هذه الظروف إنسان حكيم وقائد بارع وشيخ متعمّق بالإيمان ووجيه ينظر إلى مجتمعه وكأنه مملكة عظيمة أو إمبراطورية ساحقة لأنه يعتبر أن كل شاب وفتاة في الطائفة وكل طالب وطالبة وكل مؤمن ومؤمنة وكل فرد هم عناصر أخلاقية رفيعة المستوى تتمتع بمزايا ومناقب مستوحاة من التعاليم الشريفة وتتغنى بماضٍ طائفي توحيدي عريق أصيل.