عِبَر من غيمة الكورونا الحالكة
بقلم الشيخ أبو إيال حميد حديد
Image

هذا بلاغ للعالمين، وإشارة تلفت الأنظار، وعلامة من علامات الساعة، ورسالة إلى أولي الألباب، وامتحان في قراءة الواقع الأكيد، والإثبات القويم على قدرة الخالق تعالى في ملكه السماوات والأرض والكون وما يحتويه بقبضة يده، وهو القدير العظيم. إذن البلاغ للبشر أجمع، المتسارع في النفوذ بقوة عقله وإدراكه وتفسيراته وتقديراته وعلمه وقدراته التي تجاوزت الأحلام، للوصول إلى الغايات الكبرى، والتفوّق بالإبداع والاختراعات، والصراع المقيت الذي يدور بين الأدمغة والمفكّرين اللامعين، للتطاول على عظمة الخالق في ملكوته، وهو العلي القدير سبحانه.
أنجز الإنسان بعقله الذي منحه إياه باريه، وفضّله على سائر أحياء الكون، وأبحر في سياق الحياة، وحصل على مهارات عديدة، واختراعات جمّة، تعود بالفائدة لرفاهية البشر والناس، وتجعل حياتهم هنيئة على المستوى العالي ولا ينقصهم شيء من كل ما يشتهيه المرء في تخيّلاته، وكأنه في جنة الفردوس، وهذا كله بتوفيق من رب العالمين، هذه النعم المتوفّرة بجهد الإنسان واجتهاده في مصارعة الحياة التي تأتي بالعناء والتعب، فالطائر المخلوق وكل مخلوق له رزقه من ربّه، ولكن يجب عليه أن يسارع لكسبه، ولو مكث في عشّه لن يصله رزقه إليه، وهذه سُنّة الحياة، السعي لكسب لقمة العيش لكي يتسنى الوصول إليه، وهكذا يدور مشوار الحياة للحصول على العيش الكريم الذي يصبو إليه كل مخلوق على هذه الأرض. هذا السعي مبارك بذكر الله عز وجل لكي ينال الإنسان رضى خالقه لكي يوفّقه في سعيه، ومحاولاته للوصول إلى هذه الغاية الكبرى، ولكي يديم عليه هذه النعمة التي وصل إليها بعد العناء والشقاء، والتوفيق في مهمّات الحياة مشروطة بالحمد والثناء على باعث الأرزاق والنعم، فمن حمده زاده، فالحفاظ على النعمة لكي لا تزول ،مرهون بذكر الرازق الكريم، فيتمتّع الإنسان بنعم كبيرة لا  حصر لها، نعمة في عافيته، ونعم في دخله، ونعم في ذريته، ونعم كثيرة وإن تعدّ نعمة ربك لن تحصاها، وهذا فضل للباري تعالى، فالبشر في سنة 2020 يعيش في رغد عميم وإمكانيات لا يتخيّلها العقل، ونسي الحمد والشكر لمن يُشكر، وتناسى واجباته الأساسية البسيطة في تقويم الأمور، وأعماه البصر عن رؤية الواقع وما طالته البصيرة بإدراك الحقيقة، ومال به التفكير إلى المنحدرات، وغشّه التقدير في صراع البقاء، وراوغه الوهم بأن الصراع هيّن وليّن، وهذا كله غرور.       وفي شهر يناير بعث الله لعبده إشارة كان قد بعث عدّة إشارات قبلها، وكانت منحصرة في مكان ما في هذا الكون، من أعاصير وبراكين وحرائق، وتخيل لكل بعيد عن هذه الكوارث أنها مبعوثة لفئة معيّنة في هذا العالم، ولم يتيقظ أحد. وهذه المرّة بعث إشارة للعالم بأجمعه، وقف العالم والناس حائرين، عاجزين، محيّرين، كيف يتعاملون مع هذه المحنة، التي تزهق الأرواح بالعشرات والمئات أو الألوف، مع العجز بتدارك الآفة التي تشلّ الحياة بأركانها، وكيف الحيلة إلى وقف هذا الهيجان في نفوس الخلق، الذي بات حبيس الأنظمة والدول والأمم عامة. حالة لم يشهدها الأنام بحكوماتها ومسئوليها وخبرائها، معجزة القرن والتاريخ، أرغمت جميع دول الكرة الأرضية إغلاق الحدود بين الدول والأنام، وفرضت على المواطنين الحجر الصحي في بيوتهم بقوة القانون، وإصدار تعليمات على تحركات البشر والآليات، ووقف العمل في أغلب مجالات الحياة، وإرغام الناس على المكوث في بيوتهم كالنمل في الجحور، وإجبارهم بقوة الشرطة والقانون عدم التجوّل والسفر ، حالة غريبة لم يعهدها الإنسان على وجه البسيطة بسبب جرثومة لا تراها العين المجرّدة، حبست بني البشر لتخوّفهم من العدوى التي تنتقل من شخص إلى آخر، الفوضى عارمة عند العلماء في محاولة لمقاومتها والتصدّي إليها بأي دواء أو علاج، وهي تنتشر بدون رحمة ولا تمييز. ونحن في هذه المحنة بين جدران المنزل نتوق إلى الحريّة التي فارقناها قبل أيام قلائل، نقف مع أنفسنا ونتأمل ونتساءل أين كنّا وأين أصبحنا، يأخذنا التفكير إلى الماضي القريب، كيف كان الحال، ولا نصدّق أنفسنا هل هذا معقول أو هل يقبله العقل والإدراك. البارحة كنا مسافرين إلى الدولة الفلانية وتنزّهنا في أماكن عدة ولم يُحسب للآتي أي حساب أو تخيّل، سبحان مغيِّر الأحوال وهو على كل شيء قدير.
الدوّامة مستمرة ونحن على هذا الحال ما يقارب الشهريْن، تضيق علينا الدنيا بالتعليمات والتقيّد والالتزام، ونحن في حيرة لا سابقة لها. الدول في حيرة والموت قريب من كل مخلوق أكثر من الإيمان بأن الساعة آتية لا ريب فيها، ولكن الظلام دامس، قابل على شتى الأمم، مصحوبا بخيبة الآمال من الإدارات الدولية والوزارات العاجزة عن تفادي الأخطار.
التشديد على المخالطة والتقارب الجسدي بين الناس سبب في عدم التجمع والالتقاء أكثر من شخصين حتى عشرة أشخاص، وسبّب غلق المعابد والكنائس والجوامع ودور العبادة على شتى أنواعها، عدا المجمعات والحوانيت والمطاعم كافة، لتفادي انتشار العدوى. فكل خوري أو كاهن او شيخ بات يبعث صلواته ودعاءه لرب العالمين من محرابه في بيته، فيرسل ويطلب الرحمة والغفران من القادر، الحاكم، العادل، الرحمن الرحيم، ليرأف بالبشر ويزيل هذه الغيمة الحالكة من فوق رؤوس العبيد، وينقذهم من الهلاك وهو على كل شيء قدير.
عاد الإنسان إلى بيته الذي عمّره ليسكن بين جدرانه بأمان واطمئنان، عاد إلى أفراد عائلته، ليجلس بينهم ويتبادلوا جميع أنواع الأحاديث، وهذه فرصة نادرة في عصرنا، عصر الصراع في مهام الدنيا الواسعة المتنوّعة، فرصة ليعيد الإنسان النظر، أن كل الحضارة في هذا الكون قد تزول ببرهة ضئيلة، كل المباني الضخمة شوهدت وكأنها جبال لا يسكنها بشر، كل السيارات والآليات باتت ساكنة عن الحركة وكأن لا حاجة لها، والذي يصعب التفكير به وتفهّمه وقبوله في هذه المحنة هو المفاجأة المذهلة في ظهور الوباء، وكـأنه قدر فاجأ البشرية دون إنذار، أو دليل، او علامة تدل على هذا الواقع الغريب. فسبحان مالك الملك، له الإرادة والمشيئة، والكون بين يديه، يرحم من يشاء، وما على العبد إلا الرضى والتسليم، نهاية العلم والتعليم. فلطفك يا قاهر عباده بالموت، الحي الذي لا يموت، أغثنا وارفع عنا مصائب الدهر والكوارث، ونجنا برحمتك وشفقتك وصونك، وسامحنا واشفع لنا، أنت الغفور الكريم، عودوا بضمائركم إلى ربكم لأنكم خُلقتم للعبادة.