كلمة فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الاعتداء الآثم على مقام الأمير السيد (ق) لن يمنعنا في المستقبل أن نمدّ يد العون لمن يحتاج

بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية
Image

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد وقفنا في الثمانينات من القرن الماضي هنا، بحسرة وقلق وغضب، أمام محاولات الكتائب اللبنانية، اقتلاع جذور الموحدين الدروز من لبنان ورموزهم مثل المقامات، وتهجيرهم والاستيلاء على مواقعهم، كي يتحكّموا ويستبدّوا بشؤون لبنان، واستطاعت القوات اللبنانية الآثمة والغاشمة، أن تستغلّ ظروفا دولية، وتطورات إقليمية، ومركّبات سياسية آنية، وأن تحتل بعض القرى الدرزية في منطقة الشحّار، ومن ضمنها بلدة عبيه التاريخية، التي عاش فيها ونشأ أحد كبار العلماء والمشايخ الدروز، قداسة الأمير السيد عبد الله التنوخي، (ق)   الذي كان وما زال ضريحه هناك، يمثّل كل الكيان التوحيدي الدرزي، وكل الفضائل التوحيدية التي عاش على نورها وعلى ضوئها أهل التوحيد. وكان المخطّط الكتائبي يقضي بتهجير كافة المواطنين الدروز من جبال الشوف والمتن وبيروت ومنطقة حاصبيا إلى ما وراء الحدود كي يخلو لهم الجو. ونجحوا جزئيا في استغلال طيبة قلب بعض الزعماء الدروز، وبدعم مكثّف من القوات الأمريكية والأسطول السادس، فنجحوا لبضعة أشهر في السيطرة على بعض القرى واحتلالها. وقد أظهر هؤلاء أبشع صور الحقد والوحشية في التعامل مع السكان، وكان الشيخ مسعود الغريب القاضي على عفويته وبراءته، يصدّق كلامهم المعسول، ووعودهم الجوفاء، وعندما نبّهه زعماء الطائفة الآخرون، إلى إمكانية حصول خدعة، ظل يؤمن أنهم لن يفعلوا ذلك، فمنع أبناء طائفته من المقاومة والدفاع وصد الهجوم، وكان هو في مقدمة المغدورين، ومعه شيخ الشهداء المرحوم فضيلة الشيخ أبو عفيف محمد فرج، حفيد فضيلة الشيخ أبي حسين محمود فرج وأهل بيته،  حيث أباد هؤلاء الوحشيون كل السكان في القرى، وقتلوا الشيوخ والأطفال والنساء، وتركوا جثثهم في العراء، طوال مدة سيطرتهم، إلاّ أن الله سبحانه وتعالى، ناصر قوات التوحيد، وبث فيها روح الفروسية والعزم والقوة، وجعلها تستعيد الشحّار  للنفوذ الدرزي كما كان، وكسر شوكة أولئك الذين خانوا العهود، ونكروا النعمة، واعتدوا بأبشع الصور على من حماهم، وفتح بيته وأراضيه وقلبه لهم، حينما جاءوا من مناطق مسيحية أرثوذكسية، وطوردوا فقط لأنهم  مسيحيون كاثوليك. وكان الموحدون الدروز في ذلك الوقت في أوج قوتهم، في عهد حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي برهن أنه يمكن في أصعب ظروف الاستبداد، والجهل، والتخلّف، الذي أصاب الإمبراطورية العثمانية الحاكمة، أن يبني حكما متحررا، متنورا، متقدما، مبنيا على المساواة والتسامح والتعاون بين الطوائف من أجل كافة المواطنين، دون أن تتحكم طائفة بأخرى، وإنما على أساس من التعاون والتفاهم لمصلحة جميع السكان. وقد قام الأمير فخر الدين، ذلك الإنسان الشجاع، المتميز بأفكار تقدمية، بتجاهل كل النصائح التي حذرته من خطر أولئك الغرباء، الذين يدخلهم إلى قعر بيته، ذاكرا أن شيم الدروز وأخلاقهم، لا تسمح له إلاّ أن يمد يد المساعدة لمن يحتاج، وكان هؤلاء بحاجة إلى هذه المساعدة. فقام الأمير فخر الدين، ومعه كافة شيوخ العائلات الدرزية النافذة الحاكمة، بمنح اللاجئين المسيحيين الأراضي، ومساعدتهم على بناء أديرة وكنائس وبيوت، ووفروا لهم الفرصة لأن يعيشوا بكرامة واحترام، إلى جانب الموحدين الدروز، الذين كان في حينه، الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، قد طلب منهم في القرن الثامن الميلادي أن يأتوا من مواقعهم في غربي العراق وفي بلاد الشام، وأن يقطنوا جبال لبنان، وأن يواجهوا البيزنطيين الذين حاولوا الاعتداء على الإمبراطورية العباسية.
 وقد بنى الدروز بعد تقبّل الدعوة التوحيدية الدرزية، حكما قويا مزدهرا بالعلم والصناعة والزراعة المتطورة، وفتح فخر الدين طرق التجارة مع أوروبا، وقام اللبنانيون بتصدير المواد الزراعية للغرب وقاموا باستيراد الخبرات والأساليب الحديثة من أوروبا في الزراعة والري والتسويق في هذه المواضيع وأصبحت لبنان في عهد فخر الدين نافذة الشرق إلى الغرب، وكان كل تقدم يحصل، يمر عن طريق لبنان مما ساهم في اندماج المسيحيين بين الدروز وباقي الطوائف. ولم تكن أوضاع الدروز مستقرة آمنة مطمئنة في كل تلك الفترة. فقد جابه الدروز الأعداء من كل حدب وصوب، من الصليبيين والتتار والمماليك والولاة العثمانيين الغاشمين وعناصر أخرى حاقدة وتغلّبوا عليهم، وبنى فخر الدين حضارة لبنانية سادت في الشرق منذ القرن السابع عشر حتى القرن العشرين، وكانت وجه لبنان الحسن والناصع أمام الغرب، والعالم الإسلامي، وأمام الدول التي بدأت تتكوّن في أوروبا في عصر النهضة. ووصل تأثيرها إلى الشرق، فكان لبنان في حكم فخر الدين وآل معن الرابط بين حضارة الغرب وروحانية الشرق. واستقلّ اللاجئون هذا الانفتاح، وبدأت الإرساليات الأجنبية تتمركز في لبنان، بحجة دعم السكان ضد التخلف العثماني، وأخذ بعض الأشخاص من بين اللاجئين، وخاصة رجال الدين النظر إلى الموحدين الدروز بعين العداء والمنافسة، مدعومين من قِبل الدول الغربية، التي وجدت فرصة طيبة في وجود الرجل العثماني المريض للتحكّم في المنطقة ككل، واستغلال مقدّراتها والسيطرة على شعوبها. وهكذا نكث اللاجئون العهد وتألّبوا على القادة والزعماء وبدأوا بالتفكير في السيطرة على لبنان.
إلا أن العائلات الدرزية التي شعرت مع الوقت أنها خُدعت واستُغلت، كانت يقظة للمطامع وحاولت أن تواجهها، حفاظا على مراكزها منذ ألف سنة، فوقعت المشاحنات في منتصف القرن التاسع عشر، وبلغت أوجها في حوادث الستين، مما أدى إلى تأليف حلف أوروبي مسيحي، فرض نفسه على الإمبراطورية العثمانية، وطارد الدروز وحكم على زعمائهم بالإعدام أو النفي، وحدّد من قوتهم. ففقد الدروز حكمهم في لبنان الذي استمر ثمانية قرون إلى عهد بشير الشهابي الذي خدع الدروز وطاردهم وقتل زعماءهم واستبدّ بالحكم بالرغم من أنه انتُخب من قِبل العائلات الدرزية ليدير دفة الحكم.
وبالرغم من تزايد عدد السكان في لبنان من باقي الطوائف وتقلّص نفوذ الدروز، إلاّ أن الموحدين الدروز كانوا دائما محط الأنظار، وهدفا لكل طامع ولكل متعدٍّ، ولم يسمحوا لأنفسهم أن يتخلوا عن الدور التاريخي الذي قاموا به، وبرز منهم السياسي والمفكّر والقائد العسكري والشيخ التقي. فدعموا الديموقراطية وضحوا من أجلها وآمنوا بالعدل والمساواة للجميع، وما نشهده اليوم في لبنان، هو إحدى نتائج طيبة القلب الدرزية التي تلازم كل درزي في كل مكان، ومع كل هذا، لن نتخلى عن مبادئنا، وسنعمل على حماية كل طريد وإيواء كل لاجئ، في كل زمان ومكان. 