كلمات في ذكرى المرحوم الشيخ أبو علي مهنا فرج

 هنيئًا لك يا طيّب الذكر
بقلم الشيخ محمد صالح بدر -  عين الأسد
 
بسم الله الرحمن الرحيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، نحمده تعالى في السّراء والضرّاء وفي كل الأحوال، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
شاء القدر في الرابع من تموز سنة 2018 م بوفاة ورحيل الشيخ الجليل والعلم الفضيل، فقيد المجتمع وخاصة أهل الدين، الورع التّقيّ الدّيان شيخنا وبركة البلاد الشيخ أبو علي مهنا فرج رحمات الله عليه.  كان شيخنا الجليل الرّاحل من الرّعيل الأوّل حيث تباركنا بوجوده وأنفاسه الطّاهرة وهيبته ووقاره المميز، فعندما كنّا نلتقي ونجتمع معًا، لمسنا من حضرته الملقى الطيّب والتّواضع البارز، فكانت ألفاظه بريئة وروحانيّة معطّرة بذكر الخير لا يُملّ منها.
إن ما عرفناه عن شيخنا الجليل، انه كان من نوادر شيوخ المجتمع بإيمانه وسريرته، كان محبًا للإخوان والمجتمع الدّينيّ، فدلالة على ذلك مشاركته في الاجتماعات الدّينيّة حتى في أواخر حياته على الرغم من عجزه بسبب سنه المتقدم، فبدون شك أن اصراره على لقاء إخوانه يدل على ايمانه ومحافظته على الفرائض الدّينيّة ومحبته الكبيرة لإخوانه وثقته بنيل الأجر الكبير ورضاء خالق البريّة جل وعلا.
بلا شك أن الموقف التأبيني الذي حظي به المرحوم عند وفاته بحضور الكثير الكثير من شرائح المجتمع، دلّ على الكرامة لحضرته وأهميته الكبيرة في المجتمع وخاصة المجتمع الدّيني، فهذه المواقف مخصصة لأصحاب الفضل والكرامات، ف شيخنا الجليل ورحمات الله عليك، ولنا العوض بسلامة حضراتكم، ووفق الله خلفه الكريم وإنا لله وإنا اليه راجعون. 
 


عصفور من عصافير الجنة
بقلم الشيخ جمال محمد عقاب المغربي - بقعاثا

حكاية المرحوم الشيخ الجليل الطاهر، والعلم المنير الفاضل حكاية قرن من الزمن، رسم معالمه، وأرسى قواعده على أسس من الإيمان والتواضع والقدوة الحسنة، فهو شيخ من مشايخ الجزيرة، وعصفور من عصافير الجنة، والذين مرّوا في بلاد القداسة أرض المقدسات.
تربى الشيخ في بيت كريم طاهر، وقد عرفته عن قرب، ومما أغنى معرفتي به ما كنت أسمع وأنا في نعومة أظفاري من جدّي المرحوم الشيخ أبو محمد عقاب المغربي، عندما رحل وغيره إبّان ثورة 1925 والتي قادها المرحوم سلطان باشا الأطرش ضد الانتداب الفرنسي.
فكان بيت المرحوم الشيخ أبو علي مهنا فرج المحطة الأولى، وكان يروي لنا عنها الكثير، فكان بيت المرحوم منهلا عذبا للقاصي والداني، فهو من مشايخ آل تراب الميامين الذين كان لهم الفضل الكبير في استمرار الدعوة.
إخواني – الناظر للمرحوم نظرة المستكشف فيبدو له سرّ التوحيد جليّا، الفيّاض الذي أذكى بلادنا بالأنس والمحبة والسيرة العطرة، رحم الله شيخنا الفاضل، وألهمنا على السير وراءه اقتداءً به، ونوّر دربنا بهديه، فهؤلاء هم خميرة الأرض وعطرها. نفّعنا الله ببركاته. وإنا لله وإنا إليه راجعون. 



خواطر ومواقف بذكرى "قنديل الجبل"
بقلم الشيخ أبو صالح سلمان عبد الله – كسرى

 
بسم الله الرحمن الرحيم، عندما فقدنا المرحوم الشيخ الجليل أبو علي مهنا فرج، شعرنا أننا فقدنا الأب الفاضل والمرشد النضوح، وخسرت الطائفة علما من أعلامها، ونبراسا من السلف الصالح ندر أمثاله في عصرنا، حيث كان المرحوم دليل السالكين، وعمدة العارفين، ومرجعية دينية لإخوان الدين، وفي الوقت ذاته كان الأب الحنون، والجد الأصيل، والأخ الطيّب، والصديق الصدوق، اتّسم بالتواضع وطيبة الأخلاق ودماثة الخلق، أحب الصغير والكبير، المتديّن ومن لم يتّصل بالدين، وشعاره حفظ الإخوان واحترام الجميع.
عرفتُ المرحوم طيب الذكر شيخنا الجليل، حيث كنتُ أتردّد في السنوات الأخيرة إلى بيته العامر المفتوح، لكي أتبارك منه، وأستقي من حكمته، واستمتع إلى أقواله وقصصه الحكيمة، لطالما كان بيته مقرّا ومحجّا يؤمه الناس لاستشارة أو لحل مشاكلهم، أو لتحكيمه في خلافات اجتماعية وعائلية، فبيته كان بمثابة قاعة المحكمة وكل من لجأ إليه قبل خاطره، وما أصدره من حكم استُقبل برحابة صدر من جميع الأطراف، ومهما كان الخلاف عميقا، خرجوا من بته راضين شاكرين.
فكان المرحوم يأمر بحفظ الإخوان، ويحثّهم على حلّ خلافاتهم بالتي هي أحسن، خارج أروقة القضاء أو الدوائر الرسمية، من هذا المنطلق كان المرحوم مؤتمنا على ثقة الناس على السواء. هذه الثقة اكتُسبت على مدار سنين حياته، وبُنيت على طيب نشأته، إذ ترعرع المرحوم في بيت دين وكرم ومودة الناس وخدمتهم. فوالده المرحوم الشيخ أبو قاسم محمد فرج، كان بيته محطّا للزوّار، ومضافة للوافدين من الجبل إلى الساحل، ومن الساحل إلى الجبل، فكان يُحسن استقبالهم ويقوم بأصول الضيافة بشكل مستديم، بالإضافة إلى ذلك كان والده المرحوم يحلّ الخلافات بين الناس، ومركزا للتداول في قضايا المجتمع عامّة، ومن كافة القرى، وكان خاطره مقبولا وحظي بالاحترام والتقدير عند جميع أبناء الطائفة المعروفية من علمانيين وجسمانيين، من رجال مجتمع ومشايخ الدين والرئاسة الروحية.
فكان المرحوم والده يتقلد العباءة المقلّمة، لسمو منزلته الدينية وتقواه، والتي انتقلت إلى شيخنا المرحوم ابنه أبو علي مهنا فرج يتقلدها بعد وفاة والده.
حدثني الشيخ أبو علي مهنا فرج أنه يوم وفاة والده حضر فضيلة الشيخ المرحوم أمين طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، والمرحومة الست أم نسيب فاطمة، ابنة الشيخ الجليل خليل طافش، رضي الله عنهما، حيث طلبت الست أم نسيب من سيدنا الشيخ أمين طريف (ر.ع) أن يقلّد العباءة المقلّمة التي كان يرتديها الشيخ أبو قاسم محمد فرج (ر) لابنه الشيخ مهنا. فكان جواب سيدنا الشيخ أمين: "أنه خاطر شريف وخاطرك مقبول" وهكذا كان.
اختيار المشايخ للشيخ الراحل أبو علي مهنا فرج، يدلّ على ثقتهم به، كان أخوه الكبير المرحوم الشيخ أبو محمد إسماعيل مركز دعم وسند للشيخ أبو علي مهنا، وكان يفضّله عن نفسه ولطالما سمعت منه عن مآثر أخيه وكان دائما يسألني ويطلب مني زيارته والسؤال عن حاله.
كانت تربط الشيخ أبو علي مهنا فرج علاقات حميمة بأهل كسرى تعود إلى سنوات عديدة، حيث بدأ يتعلم أصول الدين والقراءة والكتابة عند الخطيب في قرية كسرى، ومن ثم تزوّج من المرحومة نعامة فندي غانم ابنة قرية كسرى التي كان لها مكانة خاصة عنده، وامتازت المرحومة بطيبة قلبها، بتقواها وبتواضعها وكانت الأم الصالحة لأبنائه. كان المرحوم محبّا للأرض وعطائها كالمرحوم والده فكانوا يوزّعون من محصول القمح على العائلات المستورة.
كانت تربط المرحوم علاقة صداقة بالشيخ أبو علي منصور عماشة من بقعاثا، فكان شيخنا يزرع كل سنة "شكارة" قمح ويخصص محصولها كاملا له. كان المرحوم موضع ثقة عند الجميع وتم تعييه من قِبل قريته يانوح ليكون رئيس لجنة الدفاع عن الأرض والتصدي لمصادرة الراضي.استطاع المرحوم فض خلافات عائلية عديدة في الطائفة الدرزية وإصلاح ذات البين بينها، ومنها نذكر مساعيه للصلح في قرية كسرى.أُطلق عليه لقب "قنديل الجبل" لكرامته ومنزلته الدينية فالإضافة إلى مركزه الديني ووقاره وحكمته، كان المرحوم يحظى بطلّة بهية فريدة، تجده متأهبا لمقابلة الناس برحابة صدر، ووجه بشوش وكرم نفس وسموّ أخلاق ندر ما اجتمعت في شخص واحد.
وفي الختام رحم الله شيخنا الفاضل وهدانا وإياكم على نهجه الصالح وطاعة الله وتقواه.  



يا كوكبا تلألأ في فجر الفلح
بقلم الشيخ كيان أمين فارس – الرامة
بسم الله الرحمن الرحيم
لستُ أهلا أن أخوض غمار تأبين الأعيان، ولستُ من خيول هذا الميدان، لكنها وقفة وفاء في موقف مهيب، بلسان عاجزٍ ويراعِ حائرٍ وقلب كئيب، على سبيل الخدمة التي أرجو بها العفو والتقريب.
إنّ العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإن الشوق ليقرع، أبواب الوصول إلى أرباب العقول، إلى شيوخ البلاد، إلى صفوة العباد، إلى سدرة الزهّاد. وكيف لا يُضرم الشوق النيران، وقد تجرّعنا مرارة الفقدان، وفراغ الحال ونفاد العنوان، برحيلك يا قنديل الجليل يا شيخ الجبل، يا من بكّرت الرحيل وفارقتنا على عجل، لتتركنا في عالم المُلك التحيل وترتقي إلى ملكوت الأزل، يا مَن رقى فلك الصعود، في بروج السعود، إلى المحل البديع، إلى الملأ الرفيع، يا كوكبا تلألأ في فجر الفلح، وشهابا سما وعلا وعرَج، واعتلى على أعلى درج، يا سليل الأطهار التي يشدوها الحديث بلا حرج، يا شيخنا الطاهر، يا شيخ أبا علي مهنا فرج. لقد صدع ارتحالك قلوب الإخوان، وأصاب الفراق كبد الطائفة بسهام الأشجان، وأزعج الغروب شموس الأوطان، يا مبعث النور ويا فقيد الدين والإيمان، وفقيد التواضع وفقيد المحبة وفقيد الإنسان. يا من وعظتنا بالحال قبل القال، لطالما قدّمت لنا رمزا مليّا، ونموذجا حيّا، ومثالا قويّا، لشيوخ آل ابي تراب، بتواضعك الذي آثر الأحباب، على نفسك التي بعتها طمعا في أعظم ثواب... يا خير ذكرى، هل نجتمع بعد طول غياب؟ هل يتحقق الحلم بلقاء الرسول والأصحاب؟!
فيا حسرتنا ويا لوعتنا ويا وحشتنا ... يا وحشة الليل بغياب الأقمار المنيرة، لأنكم أعلام للهدى في ديجور الظلمات العسيرة، يا رموز الأمّة يا شيوخ العشيرة. ويا أسفاه على ضعف الهمّة، وشحّ العزيمة، وغصّة الأحداق، والعجز والتقصير عن اللحاق، بميدان السباق، والضّمّر العتاق، لكننا، مهما استعرت الأشواق، ومهما عزّ الفراق، لن نقول إلاّ ما يرضي العليّ الخلاّق. فسبحان الدائم الباقي، وجلّ في علاه الذي لا يحمد على مكروه سواه، نطلب عفوه ورضاه، ونحمده تعالى الذي جعل الصبر حصنا لمن اعتقده وارتضاه، وحكم به وأمضاه.
وفي الختام، عزاؤنا بنزهة الإخوان، بما تبقى لنا من أعيان، أدام الله لنا مهلتهم، وأبقاهم لنا حرزا وعلى رؤوسنا تيجانا. قدّرنا الله تعالى على اقتفاء آثارهم الروحية، وتعاليمهم الأبدية، ومناهلهم التوحيدية، واجعلنا من جملة التابعين لهم بإحسان، إنه رؤوف منّان.
الرحمة والرضوان لحضرتك يا شيخنا الجليل المفضال، والتوفيق والتسديد والعمر المديد لأنجالك البررة الذين نتمنى ونسأل الله تعالى لأن يبقيهم لما، كما عهدناكم على الدروز، خير خلف لخير سلف. سلام الله عليك يا شيخ الجبل، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 