في رحاب الكرمل المقدس
بقلم الشيخ أبو صلاح رجا نصر الدين


Image

اكتسب جبل الكرمل منذ القدم، هالة من القدسية، حيث كان من أوائل المناطق التي استوطنها إنسان في بلادنا، إذ تدل الكهوف والقبور التي عُثر على بقاياها في سفوح جبل الكرمل المختلفة، أن الجبل كان مأهولا بغزارة، وأنه كان مقصدا في البداية لطلاب الوحدة والعزلة والخلوة والتفرغ للصلاة والعبادة، ثم امتلأ بتجمعات سكانية كثيرة. ومع مرور الزمن، تغيّرت وتبدّلت القبائل والطوائف التي سكنته، وكل واحدة منها تركت اثرا يدل على عقيدتها وآلهتها، لذلك استمرّ الكرمل يستقطب اهتمام الرحالة والزائرين والرواد، كما أنه نعم، بأن مر به واستوطنه لبعض الحين، عدد من عمالقة التاريخ، ومن الأنبياء، ومن الأولياء الصالحين، وفي مقدمتهم، سيدنا فيثاغورس ع، وكذلك النبي إيليا - سيدنا أبو إبراهيم والخضر عليه السلام، وعدد كبير من الأولياء وذوي المقامات الرفيعة في كافة الأديان. وقد بقي لنا من هذه الآثار، أولا ذكريات عطرة ومعلومات دسمة عن حياة وأعمال وكرامات الشخصيات القديمة التي عاشت في الكرمل، وتركوا لنا ثانية، مزارات ومقامات وأضرحة نتبارك بها ونحافظ عليها.
 لقد كانت السفوح الغربية لجبل الكرمل، المشرفة على البحر المتوسط، تجذب أعدادا كبيرة من المغامرين والروّاد، واكتُشفت فيها مغائر كثيرة، ولا غرابة، فقد كانت بلادنا مقدسة كلها منذ أدوار كثيرة في التاريخ، وكان الجميع يحاول أن يتمسّك بموقع في الكرمل، بسبب هيبته وعنفوانه واستراتيجيته.
وفي بداية القرن السادس عشر، وحينما كان الأمير فخر الدين المعني الثاني، يقود حملة لإخماد بعض الفتن في ولايته التي امتدت من شمال لبنان إلى مشارف العريش جنوبا، وإلى ما وراء نهر الأردن، حتى حدود الصحراء العربية، انتبه الأمير فخر الدين، عندما وقف في إحدى القمم العالية من الكرمل، ونظر شرقا، فشاهد جبل الشيخ وجبال الجليل وهضبة الجولان وجبال الأردن، وامتد نظره على طول اتساع مرج بن عامر، الذي كان يعجّ بالبدو النشيطين، والقبائل العربية الأخرى، فقرر بناء 18 قرية درزية على الكرمل، قام بتوطينها بعائلات جنوده من الدروز، وكانت سيادة الأمير فخر الدين مطلقة، وتحكم بالمنطقة، وعمّر هذه القرى، التي تواجدت بين نقطتين مقدستين، الأولى مقام سيدنا أبي إبراهيم عليه السلام في دالية الكرمل، حيث بُنيت حوله قرى دالية الكرمل، أم الشقف، الشلالة، بستان، وبين الطرف الشرقي للكرمل، حيث وقعت المعجزة بين سيدنا إيليا عليه السلام وبين أنبياء العدم، وانتصر فيها عُبّاد الله، وأقيمت في وقت لاحق الكنيسة في دير المحرقة، وفي الطرف الشمالي من الكرمل، عاش سيدنا أبو عبد الله عليه السلام، بجانب عين العلق، ولذلك اقام فخر الدين المعني الذي كان يرافقه عدد من مشايخ الدين الدروز الأجلاء، لتنويره وإرشاده وإسداء النصيحة له، حيث كان درزيا حقيقيا، لكنه كان منفتحا على الديانات الأخرى ولم يكن متعصبا ابدا، أقام القرى للمحافظة على قدسية الجبل.
ونحن نحتفل في كل عام بالزيارة السنوية لمقام سيدنا أبي إبراهيم عليه السلام، في شهر تموز، وبالزيارة السنوية لقام سيدنا أبي عبد الله في شهر تشرين أول، ونقوم بإحياء ذكرى أولياء صالحين، الذين استقرّوا في الكرمل واختاروا حياة العزلة والتقشف لوجه الله.
 وإني أشكر جميع القيمين المسئولين، على رعايتهم للمقامات المقدسة، وعلى تنظيم وترتيب وإعداد هذه الزيارات، وأخص بالذكر فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف، الذي بادر إلى تأمين كافة متطلبات الأماكن المقدسة في الكرمل وغيره، وكذلك الشيخ أبو منير قاسم نصر الدين القيم على مقام سيدنا أبو إبراهيم (ع) راجيا من الله أن يسود الهدوء والسلام والطمأنينة في جميع أنحاء العالم. زيارة مقبولة وكل عام والجميع بخير.