بين البحر والجبل والمدن والقرى
بقلم د. جبر أبو ركن


خلال ألف عام من تاريخ الموحدين الدروز في الشرق الأوسط، نجد بأن مراكز الاستيطان كانت على مرتفعات جبلية، وسلاسل الجبال في شرق البحر المتوسط، حيث تغلّب الجبل على البحر، بالرغم من ظهور وتأسيس الدين التوحيدي الدرزي في مجتمع مدني في بدايته – في مدينة القاهرة التي كانت من المدن العالمية الهامّة في القرون الوسطى، وكانت ملتقى الحضارات والديانات والفلسفات المختلفة في تلك الفترة. لم ينجح الموحدون الدروز في تثبيت أقدامهم وبيوتهم واستيطانهم على ساحل البحر، ولا في المدن الكبرى، بسبب العوامل التاريخية والحربية والدينية والسياسية، والصراعات المتعاقبة للجيوش والملوك والأمراء الذين مرّوا بجانب البحر – طريق البحر-Via Maris أو عبر السهول، ولكونها أسهل من الجبال لمرور الجيوش.
وكان هدفهم المدن حيث مركز السلطة والمملكة والدولة والثروة، زمن الدعوة التوحيدية كانت بعض المدن توحيدية بأغلبية سكانها كالقاهرة في مصر، وأنطاكيا على حدود تركيا، وبلاد الشام على ساحل البحر المتوسط. وكان تواجد سكني واستيطاني توحيدي في مدن ساحلية لفترات قصيرة في بلاد الشام مثل بيروت وصيدا وصور وعكا والرملة. أما الجبل فكان حصنا ومعقلا للموحدين الدروز وباقي الأقليات الدينية والسياسية، وما زال الاستيطان صامدا حتى أيامنا هذه. وكان الاستيطان على مراحل وهجرات، ونتيجة الحروب والصراعات وعوامل اقتصادية ودينية وطائفية وقبلية.
في بداية الدعوة التوحيدية في القرن الحادي عشر الميلادي، برزت واشتهرت بعض مراكز الجبال كأماكن استيطان للدروز وأهمها: جبل الشيخ ومنحدراته، ووادي التيم، وحاصبيا (خلوات البياضة)، جبال لبنان المركزية التي كانت تسمى جبل الدروز حتى القرن التاسع عشر، واليوم تُعرف باسم جبال الشوف أو جبل لبنان، الجبل الأعلى وجبل السماق شمال غرب حبل، بلاد الشام قرب مدينة حلب وإدلب وضواحيها، جبال الجليل وهي امتداد لجنوب لبنان، وكانت تسمّى بلاد صفد حيث كان فيها استيطان توحيدي واسع.
وفي نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر بدأ الاستيطان التوحيدي الدرزي يبرز ويتكاثر في منطقة جبل حوران "الريان" "الدروز" حيث توجد فيه مدينة السويداء -المدينة الوحيدة في العالم ذات أغلبية درزية ساحقة من حيث السكان-توجد بلدات درزية بأغلبية سكانها في سوريا ولبنان، ولكن ليس بحجم السويداء، وتوجد مجموعات درزية صغيرة وعديدة في مدن كبرى في العديد من دول العالم هاجرت إليها من سوريا ولبنان في القرن الماضي والعصر الحاضر.
الحقيقة التاريخية بالنسبة للاستيطان الدرزي هي بأنه جبلي وقروي وبلدي، وليس سهلي أو بحري أو ساحلي.  الجبل حافظ على الكيان التوحيدي الدرزي هبر العصور والبحر والساحل فشل في ذلك...
ومع طل ذلك تاريخيا وجغرافيا، فإن حركة التمدّن في العالم أجمع، العولمة عارمةـ ولم يفلت منها أي مجتمع بشري لا صغير ولا كبير، ولا قروي ولا مدني، ولا دين ولا شعب ولا طائفة. موجات التمدن والتحضّر والعولمة والتغيير، تدخل وتغزو كل بلدة وكل بيت وكل مكان بواسطة التواصل الاجتماعي، والإنترنت والهواتف الخلوية والأقمار الاصطناعيةـ، ووسائل المواصلات والاتصالات المتزايدة باستمرار، وهذا يؤثّر على الأفكار والعادات والتقاليد وخاصة عند الأجيال الصاعدة والقامة بدرجات ونسب مختلفة، هل هو تقدّم أم تقهقر؟ هل هو عامل مساعد أم مهدد لاستمرارية الكيان التوحيدي الدرزي في المستقبل؟ هل القرى والبلدات في طريقها إلى المدن والحضارة، إم الحياة المدنية والحضارية في طريقها إلى القرى والبلدات والحارات والبيوت؟ هل انتصرت التكنولوجيا والعولمة على التاريخ والتراث وحكايات جدي وجدك؟ الإنسان يقرّر ذلك حسب كيفية ونوعية استعماله للتكنولوجيا ووسائلها، ومدى جريانه مع الزمن والعالم!!!  ■