مسيرة الإنسان بين الفناء والبقاء
بقلم د. جبر أبو ركن

ما هو الإنسان؟ هل هو بقاء أم فناء؟ أم الاثنان معا. أم شيء آخر؟ من أين بدأ مسيرته في الوجود؟ من ولادته في هذا العالم السُّفلي من الوجود المادي الأرضي؟ أم من ولادته في العالم العُلوي من الوجود الروحاني والإلهي؟ من أين تبدأ المسيرة. من الروح إلى المادة؟ أم من المادة إلى الروح؟ وإلى أين تستمر هذه المسيرة. ومتى تنتهي؟ وهل لها نهاية أو بداية؟ أين يجد الإنسان راحة العقل والفكر ،حول هذه الأمور الفلسفية التي تشغله خلال حياته، منذ صغره وحتى مماته الجسدي؟ في العلوم المختلفة أم الفلسفات، أم الديانات، أم في تجاربه وخبرته الشخصية؟ تقول العلوم المادية، بأن الإنسان هو جسم مخلوق، بدايته منذ الولادة الطبيعية ونهايته حتى الموت، مسيرته تبدأ من المادة وتنتهي بالمادة، لا قبل ولا بعد، المادة هي الوجود، والوجود هو المحسوس، ولا شيء غير ذلك، ومن بين هذه العلوم المادية الطب الغربي التقليدي، قبل اكتشاف الطب البديل والمكمل واستعماله في العصر الحاضر، لكن تطور الوعي والعقل البشري لا يقبل ولا يسلّم بهذه المقولة، بأن الإنسان هو جسد مادي لا غير، يولد ويموت وينتهي.
تقول العلوم النفسية والعقلية والروحية وعلوم الطاقة الحديثة، بأن الإنسان ليس مجرد جسد أو مادة فقط، وإنما يتكوّن من مركّبات وعناصر إضافية غير مادية، مثل النفس والعقل والروح والطاقات الكامنة، والمجهولة لدى العلوم المادية، ولا يمكن قياسها بالحواس، ولا بالمختبرات والأجهزة المادية. ويستمر العلم الحديث في البحث والاكتشاف والبرهان وزيادة الوعي والمعرفة والحقيقة حول الإنسان ذلك المجهول، ويصل الإنسان ذاته إلى راحة العقل ويسلّم بأنه هو تلك المعادلة والمقولة والحقيقة: الإنسان = روح وجسد وطاقة ومادة، كما أكّد ذلك أحد العلماء الكبار آينشتاين، حيث توصل إلى نتيجة وحقيقة علمية كونية بأن الإنسان كل شيء في العالم هو طاقة ومادة، حركة أبدية ومستمرة بينهما، وهكذا يجب فهم الإنسان والتعامل معه من وجهة نظر العلوم المختلفة بما في ذلك الطب الحديث، الذي يشارك الطب البديل والمكمّل في قضايا الصحة ومعالجتها في العديد من المراكز الطبية في العالم. للإنسان مسيرتان:
المسيرة الأولى: هي مسيرة الطاقة في المادة والجسد التي هي حياة الإنسان وحياة كل مخلوق وكل حي في هذا العالم المادي، وهي مسيرة زمنية محصورة في الزمان والمكان، لها بداية ونهاية من تكوين الجسد وولادته وحتى مماته وفنائه. والحياة هي حركة مستمرة من الشيء وضده وعكسه (الولادة والموت)، الطاقة (الروح) هي التي تعطي الحياة للجسد وهي سبب وجوده ولكنها لا تنتهي ولا تموت بموته، مصدرها روحاني إلهي من العالم العلوي، هبطت إليك من المحل الأرفع ومن الأعالي، وهو العالم الروحاني ما بعد المادة والطبيعة.
المسيرة الثانية: هي مسيرة روحانية للإنسان منذ بدء التكوين الإلهي والروحاني وحتى الخلود والبقاء الروحي، والتحرر من قيود المادة والجسد، والحياة الروحانية السرمدية، بما أن الطاقة لا تموت ولا تفنى مع المادة، وإنما تستمر في الوجود خلال مسيرتها بين العوالم العليا والسفلى، وهذه هي روح الإنسان الخالدة وهي نوع من أنواع الطاقة العديدة، ونحن البشر والناس نعلم عن بعض هذه الأنواع، مثل الطاقة الكهربائية والطاقة الشمسية والطاقة الذرية وطاقة الحركة وطاقة النور والطاقة الجسدية والنفسية والعقلية والروحية وكلها وغيرها هي مظاهر من الطاقة الإلهية والكونية التي منها تكوّن العالم وكل شيء، وهي أزلية وسرمدية، وهذه الطاقة هي العنصر الروحاني الإلهي في الإنسان والمخلوقات جميعها – وهي المادة الأولى للكون وتسمى الهيولى (الطاقة الروحية الإلهية) الإنسان بماهيته وحقيقته هو طاقة (روح) تنتقل في الحياة والوجود من جيل لآخر عبر التقمص والولادة المتجددة وتعيش في الجسد والمادة التي هي محطات لها في هذا العالم لمدة زمنية قصيرة أو طويلة التي هي عمر الإنسان وحياته في عالمنا هذاـ وهكذا عبر الدهور والعصور والأدوار، يبقى الإنسان يدور في عجلة الحياة والموت خلال مسيرته المادية إلى ما شاء الله وشاء القدر .
متى يتحرر الإنسان من عجلة الحياة والموت أو الولادة والموت والانعتاق أي التحرر من المادة والجسد؟ وهل هذا الشيء ممكن؟ أم مجرد أوهام وخيال ونظريات وفلسفات غير واقعية؟ ومن يقرر متى وكيف وأين ولماذا؟ وهل للإنسان قدره وتأثير على مسيرة حياته وقدره في الحاضر والمستقبل وأجياله القادمة. اين الاختيار والثواب والعقاب؟
بإمكان الإنسان تحرير ذاته الجوهرية (الروح والطاقة) من قيود المادة ومن الحاجة إلى عجلة الحياة والموت عندما يصل إلى درجة الاستنارة، وهي درجة روحانية عقلية واعية عالية يصلها بعد جهود كبيرة في أجياله وأدواره من خلال منهج حياة روحاني وإنساني وأخلاقي متحرر من إيذاء الغير ومن الأنانية والطمع والكذب والكبرياء، وسلوكه في حياته مبني على العطاء للغير من زمنه وماله وعلمه وخبرته ويساند الصدق والحق والعدل والمحبة والسلام وعندما تتوج هذه القيم مسيرة حياته كلها عندها يصل إلى مرضاة الله تعالى ويحرره الباري والخالق من قيود المادة ويرتقي إلى درجة عليا في العالم الروحاني والوجود العلوي ويتابع مسيرته الروحانية الخالدة إلى ما شاء الله، وهو رب العالمين نور السماوات والأرض مصدر الوجود الطبيعي والروحاني في العوالم العليا والسفلى. ■