الشاعر السفير عمر أبو ريشة والتقمص
بقلم الدكتور منير عطا الله


 الشاعر عمر أبو ريشة (1910-1990) أحد كبار الشعراء العرب في القرن العشرين، هز بأشعاره العالم العربي خلال نصف قرن وكان من رموز الثقافة والدبلوماسية، فقد عينته الحكومة السورية سفيرا عام 1950 وظل يتنقل من دولة لأخرى كسفير حتى 1970 وكان سفيرا في الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جون كندي الذي اعتبره صديقا مقربا يطيب له الجلوس معه.
ولد الشاعر في مدينة منبج في منطقة حلب، وهي المدينة التي ولد فيها الشاعر الكبير أبو فراس الحمداني، تعلم في حلب ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وانتقل للدراسة في مانشستر في إنجلترا. كان والده المسلم شاعرا. وكانت والدته السيدة خيرة الله بنت إبراهيم علي نور الدين اليشرطي، وكانت فتاة من عكا كان والدها شيخ الطريقة الشاذلية. ويقول الشاعر عنها: إنها كانت متصوفة، أشاعت حولنا جوا روحانيا جعلنا لا نقيم وزنا للفوارق المذهبية وكانت تروي الشعر الصوفي وعرفت التصوف منها.". وقد أوصى الشاعر عمر أن يُكتب على قبره في حلب الأبيات التالية:
إن يسألوا عني وقد راعهم    
أن أبصروا هيكلي الموصدا
لا تقلقي، لا تطرقي خِشعة،    
لا تسنحي للحزن أن يولدا
قولي لهم: سافر، قولي لهم...    
إن له في كوكب موعدا

ونشر الكاتب الصحفي السوري، الأستاذ ياسين رفاعية، في صحيفة المحرر عدد 407 تاريخ 7/8/2003 مقالا عن شاعر الأمة، عمر أبو ريشة جاء فيه:  "وغالبا ما كان يسعفني الحظ بلقائه بعد تقاعده من الخارجية، ومن أبرز ما ذكره من تلك اللقاءات يوم أعلن عمر أبو ريشة أنه يؤمن بالتقمص إيمانا عميقا. وروى لنا أنه عندما كان سفيرا لسوريا ثم الجمهورية العربية المتحدة في الهند، دعي مع عدد كبير من السفراء العرب والأجانب في الهند للاحتفال بافتتاح معبد هندي قديم يقع في قمة جبل ويعود تاريخه لأكثر من ألف عام. جدّدته الحكومة الهندية، أيام البانديت جواهر لال نهرو، وهو المعبد المعروف باسم معبد كاجوراو  (وللشاعر عمر أبو ريشة قصيدة مشهورة تُعتبر من عيون شعره بهذا الاسم). وعندما وصل المدعوون الرسميون إلى سفح الجبل تبيّن لهم أن الصعود إلى المعبد سيكون سيرا على الأقدام، فما من وسيلة غير ذلك. وكان يرافق عمر أبو ريشة السفير المصري آنذاك، وقبل صعود الجمع إلى قمة الجبل، قال عمر للسفير المصري: سبق لي أن زرتُ هذا المعبد. فاستغرب السفير المصري وقال: إن أحدا لم يصعد إلى هذا المعبد منذ ألف عام، وهو يُفتتح لأول مرة بعد تجديده وصيانته. فقال: عمر أبو ريشة متحدّيا صديقه: دعني أصف لك المعبد قبل أن نصل إليه. وراح يصف له كل شيء في المعبد كأنه يراه مباشرة، ويصف ما يراه. وعندما صعد الجميع إلى المعبد كانت دهشة السفير المصري كبيرة إذ كان كل شيء كما وصفه الشاعر الكبير، ولم يصدّق أبدا أن الشاعر لم يزر المعبد قبل ذلك، ولكن عمرا وضّح له إيمانه بالتقمّص وأن جدّه الأكبر كان قد زاره...".
وقد كتب الشاعر قصيدة عصماء عن المعبد مكونة من 82 بيتا من الشعر نذكر منها:   
من منكما وهب الأمان لأخيه أنت أم الزمان
يا هيكلا نشر الفنون ورنح الدنيا افتتان
كم دمية ذل الرخام على انتفاضتها وهان
كاجراء، هل من حرقة لك عند راقيها تعان
كم زائر أدمى فؤادك ما أسر وما أبان
أخفى الرضا وتظاهرت بالسخط عيناه اللتان
تتحريان وتنهلان وتسكران وتحلمان
مزقت أقنعة الحياة وما عليها من دهان
وجلوتها في عريها فترفعت بعد امتهان.. 