المدارس التوحيدية وأهميتها
بقلم الشيخ أبو صلاح رجا نصر الدين

Image

يُذكر عن سيدنا الأمير السيد (ق)، أنه كان يدرّس الشبيبة الناشئة، ويكسبها الثقافة التوحيدية، بالإضافة إلى العلوم العامة، وقد شجّع تلاميذه، أن ينتشروا في القرى ليقوموا بهذه الوظيفة المقدسة، من أجل خلق أجيال مثقفة، متعلمة، مطّلعة على علوم الأولين، وعلى المعارف الإنسانية بشكل عام، وفي نفس الوقت، تدرس وتتعمق في دين التوحيد، وتخرج إلى الحياة، مزودة بكافة العلوم الداخلية والخارجية، وذلك من اجل بناء مجتمع أفضل وأرقى، يساير مجتمعات العالم، ويحث الفرد على التعليم والبحث والدراسة.  فبالتحصيل العملي المستمر، يخترع الإنسان ابتكارات جديدة، واختراعات هامة، توفر له المعيشة، وتسهّل له عملية التواصل مع الآخرين، وتغنيه عن مشاق. وهذه الاختراعات والابتكارات والاستحداثات والتطورات لا يمكن أن تحدث وأن تتحرك إلا في مجتمع واعٍ، ناضج، غزير الثقافة، عميق الإيمان، يشجّع أفراده على التألّق ويدفعهم إلى التميّز ويكافئهم على أي إنجاز يقومون به ويوفر لهم البيئة والمناخ والجوّ لأن يخدموا أكثر وأكثر.
وقد قامت الدولة بتوفير كافة الشروط والوسائل لنا لأن نفتح مدارس في كل قرانا. وقد فرضت منذ تأسيسها التعليم الإلزامي، وقد بنت في كل قرية مدرسة ثانوية وفي حين كان الطلاب والطالبات لدينا يتجشّمون مشاق السفر إلى مدارس خارج نطاق قراهم، المدارس اليوم موجودة في قلب القرى وهي مفتوحة على مصراعيها أمام طالبي العلم ومزوّدة بالمكتبات وبالمختبرات وبأجهزة الكومبيوتر  وكل ما يتطلب العلم الحديث والحمد لله تشهد طائفتنا في السنوات الأخيرة نهضة علمية مباركة وموجة عارمة من التعليم الجامعي وقد نعمنا في الآونة الأخيرة أن بعض قرانا مثل بيت جن وحرفيش والبقيعة والمغار توجد في الأماكن الأولى المرتفعة في قائمة المدارس التي حصلت على أكبر نسب من شهادات البجروت بما في ذلك المدارس اليهودية والعربية. والكل اليوم يدعم التعليم بما في ذلك الرئاسة الروحية التي توزّع بين الفينة والأخرى منحا دراسية لرواد الجامعات في قرانا كما أن سلطات جيش الدفاع الإسرائيلية تمنح تعليما جامعيا مجانا لكل جندي مسرح وتقوم المجالس المحلية والمؤسسات الأهلية بتوزيع منح على الطلاب كما أن الجامعات نفسها تقوم بمكافأة الطلاب المتفوقين بحيث أصبح تقريبا من الممكن أن يتمكّن كل طالب مهما كانت أوضاعه المادية صعبة أن يلتحق بالجامعة وأن ينهيها بنجاح. وقد علمنا في السابق عن تأسيس مدارس خاصة بأبناء الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان في مقدمتها بيت اليتيم الدرزي في عبيه وبيت اليتيم الدرزي في السويداء ثم ظهرت بعد ذلك شبكة مدارس العرفان التوحيدية وظهرت كذلك شبكة مدارس الإشراق التوحيدية وهناك مدارس أخرى مبنية على الثقافة التوحيدية تقوم هنا وهناك باستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب.
 إن برامج المدارس التوحيدية مبنية على تلقين العلوم التوحيدية وذلك في بيئة توحيدية مميّزة حيث يحضر الطلاب والطالبات إلى المدرسة في لباس تراثي عريق وصفوف وجدران المدرسة تحمل الأعلام التوحيدية وصور المشايخ الأفاضل وكافة الرموز الدرزية العريقة. ويضم منهاج التعليم الأشعار التوحيدية والصلوات وأصول الحديث والمخاطبة والتعامل بين الناس وتدعو المناهج إلى الاطلاع على المعارف الإنسانية الخارجية واستيعابها واستعمالها من أجل الإنسان ورفاهية الإنسان كما تشدد المناهج على نشوء الطالب في جو توحيدي مفعم بالعقيدة والإيمان والسلوك المعروفي المميّز. وهذه الأمور تجتمع كلها في المدارس التوحيدية التي بدأت من لبنان وانتقلت إلى سوريا ووصلت أخيرا إلى بلادنا حيث نفتخر ونعتز في الآونة الأخيرة بتخريج أول فوج من مدرسة الإشراق التوحيدية في الكرمل يضم عددا من الشباب والبنات المزودات بكافة المعارف والرموز الإنسانية والتوحيدية.
وهنا لا يسعني إلا أن اشكر فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية الذي يبذل جهودا كبيرة من أجل رفع مستوى الطائفة الدرزية العلمي ومن أجل فتح مدارس جديدة في القرى الدرزية ومن أجل تشجيع الطلاب على الدراسة الجامعية وتوزيع المنح ومن أجل توفير الأجواء التربوية الملائمة للطلاب في القرى كي يستوعبوا العلوم التي يتلقونها ويتفهمونها ويستعملونها من أجل رفاهية المجتمع والطائفة والتاريخ التوحيدي العريق. وهنا أستغل هذه الفرصة لأحث جميع القوى الفعّالة النشطة العاملة في الطائفة الدرزية وفي مقدمتها الرئاسة الروحية والمجلس الديني الدرزي والمحكمة الدينة الدرزية ومؤسسة الشهيد الدرزي  وباقي قوى الخير والجمعيات المحترمة وأدعوهم إلى المبادرة لتأسيس جامعة توحيدية درزية في إحدى القرى الدرزية والعمل أن تكون هذه الجامعة عاملا على ترسيخ ورفع مستوى أبناء الطائفة الدرزية وتخريج آلاف الجامعيين المثقفين للمنطقة وللمجتمع ككل.  كما نتقدم بالشكر الى إدارة مدارس الاشراق من المعلمين والمعلمات على جهودهم من اجل إنجاح المدرسة التي تحافظ على تراثنا وايماننا وذلك من اجل مستقبل افضل لطائفتنا المعروفية. 