أكبر زيارة في التاريخ للمقام
بقلم الشيخ أبو صلاح رجا نصر الدين


 Image

شهد المقام الشريف، في الخامس والعشرين من شهر نيسان عام 1983، أكبر زيارة في التاريخ، جرت في مقام    سيدنا شعيب (ع)، وذلك عندما فُتحت الحدود مع لبنان، قبل أشهر من ذلك الوقت، واندفعت جموع المشايخ والشباب، من كافة أنحاء لبنان إلى المقام الشريف، حيث بلغ عدد الزوار الدروز اللبنانيين في ذلك اليوم، أكثر من عشرة آلاف شيخ وشاب، هرعوا إلى المكان منذ ساعات الصباح، بعد أن فُتحت الحدود على مصراعيها أمامهم، وتباركوا بزيارة المقام، بعد انقطاع 35 عاما. وكان في مقدمة الزوار من لبنان، فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو فندي جمال الدين شجاع، وفضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، ومعهم نخبة من المشايخ الأفاضل، من لابسي العبي المقلمة، ومن أتقياء الطائفة الدرزية في لبنان. وشارك من بلادنا في ذلك اليوم الأغر، أكثر من عشرة آلاف زائر، كانوا كذلك متلهفين جدا للقاء الإخوان الذين أتوا من وراء الحدود، لتكون الفرحة عارمة، والسعادة فائقة، إذ شعر أبناء الطائفة الدرزية في ذلك اليوم، بوحدة الطائفة وبرصانتها، وبقدراتها، وبإمكانياتها، أن تتجاوز كافة المصاعب والمحن والأخطار. وقد سادت البهجة والفرح والحبور في أروقة المقام، وفي الساحات، وعلى السطوح، وفي الحدائق الكبيرة، ووصلت السيارات إلى مسافة كيلومترات من المقام الشريف، وبالرغم من الازدحام، وبالرغم من تعسّر ضبط النظام، أمام جماهير غفيرة كهذه، إلا أن الجميع كان مبتهجا وسعيدا وفخورا بالطائفة الكريمة. وقام فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، الرئيس الروحي للطائفة آنذاك، باستقبال الزوار ومصافحهم، تقريبا فردا فردا، وظل واقفا على رجليه، يرحّب ويستقبل ويقبّل الأيادي طوال النهار، وكأن الله سبحانه وتعالى، منحه طاقات هائلة من القوة، كي يستطيع أن يقابل كل هذه الجموع، وأن يحافظ على صحته واتزانه.
 وقد هرعت إلى المقام، قيادات الطائفة الدرزية بأكملها، على مختلف أنواعها. فكنتَ ترى كل الشخصيات البارزة في الطائفة، إلى جانب غالبية المشايخ تقريبا، ومعهم القادة السياسيون والإداريون والآخرون، حيث شعر كل إنسان منهم، أنه لا يمكن أن يفوّت يوما كهذا، توجب أن يتواجد فيه في المقام الشريف. ومرّت الدقائق والساعات، وشعر الضيوف أنهم في بيوتهم في هذا المقام، فالروح التوحيدية خيّمت على الجميع، ضيوفا ومحليين، واجتمع المعارف والأصدقاء وإخوان الدين من الطرفين، وكأنهم يعرفون واحدهم الآخر منذ سنوات طويلة. وعندما بدأت الشمس تميل إلى الغروب، قام قسم كبير من الضيوف بالعودة في سياراتهم إلى لبنان، وظل قسم كبير في البلاد، حيث كان قد ربط له وشائج قربى، وصلة ومعرفة مع إخوان لهم من البلاد، دعوهم إلى زيارتهم في بيوتهم، فلبّوا الدعوة، وتعرّفوا على القرى الدرزية في بلادنا. وقد ظل تأثير هذه الزيارة في نفوس أبناء الطائفة الدرزية غارسا لدى الجميع، يتوقون إلى يوم آخر مثله، راجين من الله أن تتكرر هذه اللقاءات، وأن يظل التواصل مستمرا بين جميع الإخوة في كل مكان.
وقد اكتسب الزوار اللبنانيون من زيارتهم هذه، القوة والحصانة والمناعة، فعادوا إلى معاقلهم، مزوّدين بروح الشجاعة والبسالة والتعالي، وشاركوا في حرب الشوف، التي فُرضت عليهم فرضا، وحققوا انتصارا كبيرا، وحطموا كل مطامع ومحاولات أعدائهم، الذين أرادوا إبعادهم عن معاقلهم في الشوف وعاليه والمتن والبقاع والجنوب والشاطئ، والاستيلاء على مواقعهم، وإزالتهم من معالم لبنان. لكن الله سبحانه وتعالى، أراد غير ذلك، فانتصر الدروز، والحمد لله في قراهم وبيوتهم، وبجانب معاقلهم ومعابدهم وأماكنهم المقدسة. وكلنا أمل، أن تُفتح الحدود مع سوريا ولبنان، وأن يقوموا مرة أخرى، بزيارات جماهيرية لا بد أن تكون أكبر من هذه الزيارة، وأكثر عمقا، واشد ذكرا.
ولا يسعنا بهذه المناسبة المباركة، الا ان نتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة شيخنا، أبو حسن موفق طريف والمشايخ الافاضل، في تجهيز باحة المقام الشريف، لاستقبال الوفود الكريمة من كل حدب وصوب. زيارة مقبولة وكل عام وأنتم بخير.    

Image