شعيب (ع) والإيتوريون
بقلم المرحوم الدكتور سليمان بشير


Image

كان الأستاذ تشارلز توري (1863- 1956)، أول من نبّه إلى علاقة الاشتقاق اللغوية، بين اسم النبي شعيب عليه السلام كما ورد في المصادر العربية، وبين الاسم يترو(ع)، الذي يرد في العهد القديم من التوراة، لكون هذا الاسم الأخير،مشتقا من الجذر ي ت ر المقابل للجذر  و.ت.ر بالعربية، وكلاهما بمعنى واحد أو فئة قليلة (شُعبة). وهذان المعنيان يشيران معا، إلى فئة قليلة اتّبعت شعيبا (ع)(بالعبرية يتير عمو) في معتقده التوحيدي. ومع ان العهد القديم الذي يشير إلى العلاقة الوطيدة التي ربطت يترو – شعيب (ع) بموسى(ع)،  إلا أنه لا يفصح عن الأثر التي تركته تلك العلاقة على تطور عقيدة موسى (ع) الدينية في تلك المرحلة الحرجة من حياته، الأمر الذي ربما يساعدنا البحث في مصادر التفسير التوراتية (المدراشيم) على الكشف عنه. كما أن الرجوع إلى مصادر التفسير الإسلامية لقصة بعث شعيب (ع) نبيا إلى قومه في القرآن الكريم، من الممكن أن يكشف عن معلومات قيّمة عن المعتقد الذي دعا إليه شعيب(ع). وعلى العموم فإن هذه التفاسير تشير إلى وجود تيارين رئيسيين، ارتبط شعيب (ع) بموجبهما برسالتيْن مختلفتيْن، مرة إلى مدين، وأخرى إلى أصحاب الأيكة، وذلك حسبما يرد في سورة الأعراف وسورة الشعراء على التوالي. وفي بعض المصادر الإسلامية، يفسّر اسم "جذام"، القبيلة الشامية من قوم شعيب (ع)  على أنه يعني الشعبة أو الفئة القليلة، التي اتّبعت شعيبا(ع)(كما في سورة الأعراف "90"وسورة هود"94") وذلك على نحو يذكّر بمعنى اسم يترو (ع) المشار إليه بالعبرية. وبالنسبة للرأي القائل إن شعيبا (ع) بعث نبيا مرّتيْن، فمن المحتمل أنه يشكّل صدى لما ورد في الأسفار المتأخرة من العهد القديم، حيث يظهر المديانيون كشعب تحالف مرة وتنازع أخرى مع ملوك بني إسرائيل في منطقة تابور (الطور) قرب طبريا.
وهو بالضبط المكان الذي تقول الرواية إن شعيبا (ع) مدفون فيه. كما يشار في هذا الصدد إلى أن بعض المسميات في المنطقة كوادي شعيب (ع) في شرق الأردن، مقابل منطقة بيسان، هي أصداء غامضة، ولكن ذات مدلولات هامّة للغاية. ومع أن المصادر الموجودة في متناول أيدينا اليوم، تعيد بداية تقديس الضريح في حطين، إلى فترة صلاح الدين الأيوبي فقط، فمن المؤكد أنها تشكّل صدى لمعتقد محلي قديم، بشأن نشاط شعيب (ع) في هذه المنطقة. يُضاف إلى ذلك، أن مدين هو فقط إحدى القراءات المشكولة لهذا الاسم، وعلى اية حال يجب عدم إهمال القراءة الأخرى بصيغة أرض "مدون" التي ترد في التوراة كاسم لمنطقة من أرض كنعان، وهو ما يمكن أن يرتبط أيضا باسم الإيتوريين الذين عاشوا في المنطقة المحاذية لبحيرة طبريا من الجولان والجليل الشرقي، وحتى منحدرات جبل الشيخ ووادي التيم، وذلك قبل ميلاد السيد المسيح (ع)، على اعتبار أن لاسمهم مدلولا على بقايا تلك الفئة من أتباع شعيب – يترو (ع)، وليس ذلك ببعيد على خلفية الاضطراب الشديد، في مجال بحث وتحديد المسميات الجغرافية الواردة في العهد القديم، وغيره من النصوص الدينية القديمة، كموقع جبل حوريب، وعدم بروز جبل سيناء (الذي يسمى الطور أيضا) كمكان مقدس لدى الديانة اليهودية، وورود تعبير اليمن بالعربية وتيمان بالعبرية، كإشارات عائمة ونسبية إلى الجنوب من ناحية، وارتباطهما باليُمن والإيمان،  في كل أسفار الأنبياء التوراتية (مثل سفر حبقوق (ع)) ولدى فئات مسيحية قديمة، وفي بعض صيغ الأحاديث النبوية الإسلامية، وظهور التيامنة كأحد الأسماء المبكرة للموحدين الدروز ... الخ.
وقد اشرت إلى كل ذلك، في إحدى الدراسات مؤخرا، كما نوّهت بإمكانية أن تكون التيمنية، حركة ذات أبعاد دينية محضة في صدر الإسلام، وأن تعريب المنطقة في القرون الإسلامية الأولى، أدّى إلى تشويه حادّ في معنى هذه التعابير، حيث انحصر في جانب الانتساب القبلي أو الجغرافي فقط. وعلى العموم، فإن ما نتج عن ذلك، كان ذوبان كل العناصر الدينية والحضارية وحتى اللغوية، للشعوب التي سكنت هذه المنطقة، في بوتقة ما عُرف بالحضارة العربية الإسلامية – وهو ما زال موضع تقصٍّ وبحث للكثير من الدراسات الحديثة. فالنظرية التي تحمل أسماء وينكلير وكايتاني، والقائلة بأن جميع "عرب" الهلال الخصيب وشمال أفريقيا، قد جاءوا على شكل هجرة كثيفة من الجزيرة العربية، آخذة في التراجع، أمام استنتاجات البحث الحديث، التي تشكّك أيضا في مصداقية الفرضية القائلة، بأن الجزيرة القاحلة، قد شكّلت خزانا ومصدرا ديموغرافيا هائلا على هذا النحو، وذلك إضافة إلى ما يلاحظ من البون الشاسع، بين الملامح الفيزيولوجية، لقاطني الصحراء من البدو، من ناحية ولسكان الهلال الخصيب من الناحية الأخرى. وحتى أن دراسات المقارنة اللغوية العصرية، تشكّك في مقولة أن العربية الفصحى، كانت في يوم من الأيام، لغة التخاطب لدى المجتمع البدوي، وأن اللهجات العامية قد نشأت عمليا في انحطاط اللغة الفصحى الأم. وفي  مقابل هذه النظرية، يرجّح كون اللهجات العامية في أنحاء مختلفة من المنطقة، وريثة للغات الشعوب التي سكنتها، كالآرامية، والسريانية، والنبطية، وذلك على مدى الفترة الانتقالية بين المسيحية والإسلام، وأن العربية الفصحى، لم تكن سوى الصيغة الحضارية المعربة الواضحة والمشتركة لهذه اللهجات، بحيث استعملت لأغراض إدارية وأدبية ودينية فقط، وبُدئ بالكتابة بها قبيل ظهور الإسلام.
نحن نقف إذن، أمام ظاهرة انصهار حضاري وديني عام، لبقايا شعوب حملت معتقدات توحيدية معيّنة، وسكنت المنطقة قبيل الإسلام، والحقيقة أن البحث العلمي الحديث، يربط التعددية داخل الإسلام، بتعددية الإرث الديني (اليهودي والمسيحي على فئاته المختلفة)، والمعتقدات والفلسفات التوحيدية الأخرى، التي راجت في مواقع مختلفة من المنطقة. وعلى هذا الأساس، يمكن القول، بأن اللغز في علاقة الدروز وغيرهم من الفرق بالإسلام، لا يمكن حلّه دون حل لغز علاقة الإسلام نفسه، بذلك الإرث الديني والفلسفي، الذي ساد المنطقة، والذي تشكّل التعددية في الإسلام أحد تعابيره. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو، هل يمكن تفسير سرعة تقبّل سكان مناطق الجليل والجولان ووادي التيم لدعوة التوحيد، على اعتبار أن تلك المناطق كانت منبتا ومستقرا لمعتقد توحيدي قديم، حفظه الإيترويون، أتباع شعيب عليه السلام. الإمكانية واردة حتما، وتنبّه إلى احتمال وجود استمرار اثنوي وعرقي لعملية حفظ ذلك المعتقد، وبسرعة تقبل تعاليم الدعوة والثبات عليها، حتى بعد الاحتجاب، والردة العامة التي أعقبته، في مناطق أخرى، وعلى رأسها مصر منذ حكم الظاهر. إلا أن هذه الفرضية، تصطدم على السطح بحقيقة، أن استمرارية المعتقد التوحيدي، أيّا كان شكله في العصور الغابرة، لم تتم ضمن أي إطار سياسي معروف، ولم تستند إلى مبدأ الوحي والتنزيل في كتاب مقدس، حفظ لغة القوم، وشكّل مصدرا تاريخيا وفقهيا، كما كانت عليه الحال بالنسبة للديانات القومية الأخرى. إلاّ أن ذلك يرتبط من الناحية الأخرى، بطبيعة ذلك المعتقد التوحيدي الأصيل، الذي تبنّى المبدأ العرفاني (الغنوصي) كطريق وحيد، إلى عبادة الخالق بإخلاص، ورفض تحويل تلك العبادة إلى "سياسة شرعية"، تهدف إلى استعباد الإنسان للإنسان. ورفض تحويل الدين إلى شرع دنيوي، يرتبط بحكم شخص، أو دولة، أدى بالضرورة إلى ضعف العامل الأثنوي والعرقي، وإلى تغييب البعد التاريخي، لهوية حفظة ذلك المعتقد التوحيدي الأصيل، أيا كانوا. ولم يبق والحال هذه، أمام الباحث العلمي، سوى الرجوع إلى اصدائه البعيدة والمتناثرة داخل الديانات الأخرى، التي تفاعل معها في المنطقة.  

Image
Image