السيدة ريما، والدة الأمير السيد (ق)
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)



 
تعتبر والدة الأمير السيد، عبد الله بن علم الدين سليمان التنوخي (ق)، أشهر أم في تاريخ الموحدين الدروز بعد الدعوة، وذلك لأن الله، سبحانه وتعالى، منحها شرف ولادة وتربية أهم شخصية دينية، بعد الأنبياء والرسل والدعاة الكرام لدى الموحدين الدروز. ولا شك أن نبوغ الأمير السيد (ق) وتألقه، يعود بالدرجة الأولى، للرعاية الربانية، وبالدرجة الثانية، للوالدة الكريمة، المعطاءة، الديّنة، التقية، المكرمة، وهي الأميرة ريما، ابنة الأمير شهاب الدين، أحمد بن زين الدين صالح (1330-1381) الذي كان سيدا من اسياد الناس، ذا عقل، وعلم، ودين، اشتغل بعلم النحو، ومعرفة الكواكب، وكان يعمل النشّاب الجيد الصياغة، توفي في عبيه واجتمع في مأتمه خلق كثير لم يعهد يوم مثله. وقد نعمت الابنة الأميرة ريما في هذ البيت بالحب والعطف والحنان من الوالدين، وتزودت بالأصول الدينية، وبالمبادئ المعروفية العريقة، حيث أنها نشأت في أكثر الأسر التوحيدية تقوى، ودينا، وعراقة، من صميم الأسر التنوخية الأصيلة، التي كانت متمسّكة بأسس وأركان التوحيد حتى قبل انتشار الدعوة.
وكان والد الأمير السيد (ق)، الأمير علم الدين سليمان بن بدر، قد وُلد في عبيه ونشأ فيها، وكان رجلا عاقلا خيّرا، ذا مناقب حميدة، متواضعا، قليل الثروة، محبّا لأقاربه، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم. وقد تزوج امرأتين، الأولى ابنة عمه، الأمير ناصر الدين الحسين، الذي توفي عام 1398 وكان من أهل الخير والدين والثقة، صادق القول متمسكا بالكتاب والسنّة. لم تطل إقامتها ولم تلد. ثم تم زواج الأمير علم الدين الثاني، بالسيدة ريما. وقد رزقه الله بولدين هما، عبد الله وإبراهيم وبنات. وقد ظل الأمير علم الدين يسكن وعائلته في منزل حميّه، والد المرأة الأولى الأمير ناصر الدين حسين وتوفي فيه. وعاش الأمير علم الدين، الذي كان محترما تقيا، لكنه قليل الثروة، مع ولديه وبناته برهة من الزمن، وقام بتربيتهم التربية الصالحة، إلا أن الله سبحانه وتعالى، نقله إلى جواره، وهو في ريعان الشباب، وترك الأولاد في عهدة زوجته الفاضلة السيدة ريما. وهكذا رحل الأمير علم الدين، حسب مشيئة الله، تاركا أولادا صغارا وأما شابةـ حملت بوفاته، حملا ثقيلا، بإعالتهم وحمايتهم. وكانت تقض مضاجعها، خوفها وتحسبها من القضاء عليهم بداء الطاعون الوبيل، الذي فتك بأكثر من عشرة أولاد من أولاد عمومتهم، وبكثير من أبناء البلاد.
وفي هذه الظروف، اضطر الأمير عبد الله وأخوه إبراهيم وشقيقاته، أن يعيشوا بالضنك والعسر والجوع، كذلك من تأثير الحروب التي جرت في بلاد الشام، وبالأخص دمشق. وكان أشدها بؤسا وقساوة احتلال تيمورلنك التتري لدمشق سنة 1398 وقطع الأقوات عن أهاليها، وتخريب مواردها، وغلاء الأسعار، وغزو الجراد. وقد قيل إن الجراد ظهر في بلاد كسروان وبيروت وإمارة الغرب في شهر آذار 1398، فأكل الزرع، وفي شهر أيار فقّس بيض الجراد، فرعى الزرع والأشجار وأكل الأثمار وعرّى الأرض بالكلية، وغلت الأسعار وفنيت أكثر الماشية.    
وقد تمكّنت الأميرة ريما، أم الأيتام الصغار، بإدارتها الواعية، أن تنقذهم من غائلة الجوع، وأن تبعد عنهم شبح الطاعون المخيف، وأن ينشؤوا في كنف رعايتها وحبها، معافين أصحاء الأجسام. وبما أنها كانت سليلة أسرة متدينة تقية، وكان إيمانها بالله كبيرا متناهيا، وبما أن المرأة الدرزية كانت، حتى في تلك الظروف، ذات مكانة ومركز وشخصية وحصانة وثقافة وإرادة قوية مسنودة من قِبل بيئتها وأهلها ومجتمعها، طالما هي تنتهج المسلك الشريف والأصول ألتوحيدية التي نادى بها الدين الدرزي وبدعم من النساء حولها واعتمادا على مكنونات فكرها وعقلها وتديّنها الشديد تغلّبت على كل هذه المحن والمصائب والمشاكل التي واجهتها وواجهت المجتمع في ذلك الوقت واستطاعت أن تهيّئ لأولادها الجو الديني العائلي الدافئ المريح حيث لا يشعرون بما يجري حولهم وإنما كانوا ينعمون بمحبة ودعم الوالدة المحترمة التي سخّرت كل قدراتها وكل تجاربها وكل ثقافتها الدينية كي لا يشعر أبناؤها بفقدان الأب وبالعوز والفقر والقلّة التي سادت في تلك الظروف. ومن هنا نستطيع أن نحترم ونقدّر ونبجّل هذه السيدة الرائعة التي خلقت في أصعب الظروف وأقساها عملاقا، كسيّدنا الأمير السيد قدس الله سره. 