كلمة العدد: الذين إذا رأيت أحدهم كأنك رأيتهم جميعا
الذين إذا رأيت أحدهم كأنك رأيتهم جميعا

كتب الأمير شكيب أرسلان, مقالة عن الدروز, يذكر فيها, أن الدروز يمكن تمييزهم عن الآخرين حالا, لأنهم جميعهم متشابهون " إذ لا يوجد قبيل يشبه بعضه بعضا مثل الدروز" ويضيف الأمير شكيب قائلا:" .. وكان أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله, كثيرا ما يفضي إلي بعجبه من شدة هذا التشابه فيقول لي: إذا رأيت الرجل المعروفي فكأنك رأيتهم جميعا."
وهذه شهادة تصدر عن قطبين من أقطاب الفكر والدين في القرن العشرين, الإمام والداعية الإسلامي العريق الشيخ محمد عبده, وأمير القلم والبيان, شكيب أرسلان,  عن وجود صفات خاصة للدروز تميزهم عن الآخرين, وهذا ما يمكن أن يسمى "بالهوية الدرزية". وبدون الدخول إلى نقاشات ومتاهات حول قضية الهوية الدرزية, من ناحية قومية أو دينية أو عرقية أو ثقافية أو حضارية أو أخرى, يمكننا الإجماع أن الدروز وغير الدروز, متفقون أن الدروز هم "قبيل يشبه بعضه بعضا" ولهم ميزات وصفات خاصة. ويمكننا كذلك الإجماع, أن جميع الذين نوّهوا بوجود شيء ما يميز الدروز, قصدوا بذلك أمورا إيجابية وليس سلبية, فقد اشتهر الدروز على مر التاريخ بالشهامة والكرم والشجاعة والإخلاص والوفاء وحماية الطريد ومساعدة الضعيف وغير ذلك من الصفات. وقد حرص الدروز طوال كل فترة وجودهم على صيانة الشرف. والشرف عندهم له معنى خاص ومغزى واضح ومبنى ثابت, وهو صيانة المقدسات والمحافظة عليها والذود عنها بكل ثمن. ولتحديد الموقف نذكر بهذا الصدد أنه يُروى, ان العلم والثروة والتعاسة والشرف, اجتمعوا في مكان, وعندما فُضّ الاجتماع, وقبل أن يغادروا المكان, أعلن العلم إن من يطلبه يمكن أن يجده في الجامعة, وقالت الثروة إن من يرغب أن يراها يجدها في القصر الفخم, ولم تخجل التعاسة, فصرّحت انه إذا كان أحد يريدها, فهي موجودة في الكوخ البسيط. أما الشرف فبقي ساكتا ولم يصرّح بشيء, فتوجه إليه الآخرون قائلين, نحن الآن سنفترق, وقد نشتاق إليك, فأين يمكن أن نجدك؟  فقال الشرف بحدّة وصرامة, أما أنا, فمن يبرحني مرة, لن يجتمع بي مرة أخرى...
أجل, هذا هو الشرف, كلوح الزجاج, إذا صُدع أو تكسّر أو خُدش, فلا يمكن أن يعود صحيحاً مرة أخرى. ومن يتركه شرفه لن يستطيع أن يحصل عليه ثانية, ومن فقد هذه الخصلة, لا يمكن أن يجدها فيما بعد. فالشرف يظل صامداً شامخاً ثابتا،ً طالما حوفظ عليه, وطالما استمات الإنسان من أجله, وطالما حاول المرء ان يصونه ويرعاه ويحميه ويُبقي على وجوده. والطائفة الدرزية تفتخر وتعتز, أنها حملت لواء الشرف, خلال سنوات طويلة من وجودها, وأن العدد الكبير من أبنائها, يصون شرفه ويحميه ويذود عنه.  وقد تغنّى دائما أبناء الطائفة الدرزية, بمقولة أمير الشعراء احمد شوقي, عن الشرف الذي لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم, وما أكثر, وما أزخم, وما أغزر الدماء التي أراقها أبناء الطائفة الدرزية, من اجل عزتهم وكرامتهم. والشرف عند أبناء الطائفة الدرزية, متصل اتصالا وثيقا بالدين, بالأرض، بالسلوك، وخاصة وبشكل لا يقبل التأويل والتفسير, بالمرأة. والمرأة الدرزية خُلقت شريفة, وتعتبر في عُرف الدين والمذهب, مخلوقة محترمة. فشرف المرأة هو عنصر أساسي, ومبدأ صميم, وركن راسخ,ٌ وأساسٌ ثابت, في الحياة الدرزية, وفي العقيدة الدرزية, وفي السلوك الدرزي. وكم من حرب نشبت, من أجل عيني فتاة درزية حاول الآخرون خدش حيائها, وكم من معركة, وكم من حملة, استعان فيها المحاربون الدروز بالشعار "لعيون الأخت أو البنت أو الأم أو الزوجة". وعندما كانت تفتر همم المحاربين, كان يقوم من بينهم, مقاتل شجاع, ويحث كل محارب انه أخو هذه أو تلك, فيحارب من أجلها. وكان يشتد الحماس, وترتفع الصيحات, وتفيض الشجاعة, عندما يسمع في المعركة, صوت امرأة تحث الرجال, وكم استمات محاربون ومن ورائهم صيحات فتاة تشجعهم على النصر.
 والتقاليد الدرزية, والمذهب الدرزي, والعادات الدرزية كلها, تمجّد المرأة, وتمنحها الحرية والمساواة والعيش الكريم. ففي المذهب الدرزي, لا يمكن للرجل إلا أن يتزوج بامرأة واحدة فقط, ومن هنا, فالزوجة تجلس مصونة محترمة, أميرة في بيتها, ولا تخشى أبداً أن يتزوج عليها زوجها. والمذهب الدرزي, أعطى المرأة كل الحرية في ان تطّلِع على النصوص الدينية, وان تشترك في الصلوات, طبعاً على انفراد من الرجال, وأن تقوم بكل الشعائر الدينية, على قدم المساواة من الرجل, ولم يحرمها أي حق من حقوقها, وأعطاها أكثر بكثير, مما أعطى في حينه الجيران من غير الدروز لنسائهم.  ففي حين, كانت قصور الخلفاء والأمراء في الشرق والغرب, تعجّ بالحريم والسبايا والبغايا والنساء, من اجل التسلية والترفيه والخلاعة, قام مولانا الحاكم بأمر الله, وحرر كل العبيد والسبايا, ومنع وجود محظيات في قصور الخلافة, او القضاة, او الإدارة, او الجيش. ففي السنوات الأولى للخلافة الفاطمية, نعمت المرأة بكل الحقوق, وكل الامتيازات, وظل هذا الوضع عُرفاً سائدا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم, عند ابناء الطائفة الدرزية. وفي وقت لاحق, خيّم الجهل والظلم والقسوة, على طبقات كبيرة من المجتمع العربي والغربي, وخاصة على النساء. وجاءت القرون الوسطى المظلمة, وحصل كبت ومطاردة للنساء. أمّا عند الدروز, فقد نعمت المرأة بدورها كأم وزوجة وأخت ومحاربة, ويشهد الرحالة والمسافرون الأوروبيون, ان النساء في القرى الدرزية, كن تقريبا الوحيدات اللاتي تعلمن القراءة والكتابة, في حين كانت زوجة الوالي, وحتى الوالي بنفسه أُميين. فالمجتمع الدرزي, حافظ على المرأة, وأعطاها كل الوسائل كي تكون شريفة محترمة, وأن تقوم بواجبها كزوجة وأم, وأن تبني مجتمعا صالحا قائما على المساواة والعدالة ومنح الفرص لجميع أفراد هذا المجتمع بدون تمييز. هكذا استمرت التربية التوحيدية عن طريق الأم خلال ألف سنة ونشأت أدوار جديدة من الشباب والبنات تعرف كل مقومات كيانها, وكل واجباتها وحقوقها, وهي مطلعة على كل الأوضاع الاجتماعية والتاريخية  بشكل موسع, كل ذلك بفضل التربية التوحيدية التي اكتسبتها الأجيال الصاعدة عن طريق الأم والجدة والعمة والخالة وغيرهم.  
والوضع نفسه ينطبق على الشباب الدروز, والأجيال الصاعدة, فقد كان المجتمع الدرزي من بين المجتمعات القليلة في العالم, التي اهتمت بالأولاد, وعملت على تربيتهم وتنشئتهم التربية الصالحة السليمة. فقد كان الأب يدعو ابنه, وعمره عدة سنوات فقط, لحضور الصلوات الدينية في الخلوة, وكان يأخذه معه للحقل, ويعلمه الفروسية وركوب الخيل, ويدرّبه على القتال والدفاع عن الأهل والعشيرة, وكان الكبار بصورة عامة, يعتمدون على الصغار والفتيان, في أمور كثيرة, فكنت ترى صبيا في الثالثة عشرة من عمره, ينقل المحصول من الحقل للبيت, أو يجلس في حانوت طوال النهار ويديرها, أو يشترك في عملية التعمير والإنشاء, أو يكون فعالا في الاحتفالات والأعراس, وكذلك يجلس في المأتم مع الكبار, يستمع إلى أحاديثهم, ويصغي إلى الوعظ والقصص وأخبار البطولات والأمجاد. كان الصبي الدرزي قادر على تحمل المسؤولية, في حين كان أقرانه في المجتمعات الأخرى, ما زالوا يلعبون ويلهون, وينظر إليهم كبارهم, على أنهم ما زالوا أطفالا بحاجة إلى رعاية واهتمام. وكثيرا ما قتل في المعركة سيد, وكان نجله ما زال في مقتبل العمر, فتحمّل أعباء الزعامة, وأبدع ونجح واستطاع أن يملأ الفراغ الكبير الذي تركه والده الراحل. هكذا كان شأن الشباب الدروز في المجمعات الدرزية المختلفة, وكانوا مصدر فخر واعتزاز لنا جميعا.
وإذا نظرنا إلى المجتمع الدرزي ككل, نرى أنه كان في السابق, مجتمعا متراصا يسند بعضه بعضا, يستميت كل واحد من أفراده من أجل أن يحفظ حق الآخرين, وكان شرف المجتمع ينبع من محصلة شرف كل فرد من أفراده, وكان كل إنسان حريص على أن يظل في نظر المجتمع شريفا, فكان يتنازل عن ثروة وأرض وجاه ومنزلة, ويحافظ على شرفه وكرامته. وقد استمدّ المجتمع الخصال الحميدة, من الأصول التوحيدية, ومن المذهب الدرزي القويم, ومن التعاليم والإرشادات والتهذيب المعروفي السليم. وكان هناك تفاعل مباشر بين رجال الدين, وباقي أفراد المجتمع, والتعاليم الدينية. ويمكن أن يقال, إنه في السابق كان نظام واحد وقانون واحد ومنهج واحد سائداً في المجتمع الدرزي, هو المنهج الديني التقليدي, حتى في الأماكن التي لم يكن الجميع فيها متدينين, فقد كانت رهبة للدين, وكان عند الناس تقدير واحترام لرجال الدين, وكان الزعماء الدينيون في غالب الأحوال يحترمون أنفسهم, ويتصرفون بقدر المسؤولية, وحسب ما هو متوقع منهم, ونادراً ما شذّ واحد منهم, أو جنح عن الطريق الصحيح, أو خالف الأوامر والتعليمات.لقد قاتل المجتمع الدرزي وناضل وصارع وكافح وضحى واستمات, من أجل المحافظة على كيانه واستقلاله, ومن أجل أن لا تتسرب إلى هذا المجتمع أفكار وعناصر غريبة تشوّش برنامجه وتؤثر على قيمه وخصاله ومبادئه الشريفة. لقد انزوى أبناء الطائفة الدرزية في الأماكن العاتية العالية, وسخّروا معظم إمكانياتهم من أجل الإبتعاد عن مواقع الآخرين, وللإبقاء على عزلتهم المذهبية والمنهجية والاجتماعية. وكان الوصول إلى القرى الدرزية في رؤوس الجبال مهمة عسيرة ليست سهلة. وكانت هذه صفات هذه المهمة عندما كان القادمون إلى القرى الدرزية ينوون العداء والتحطيم لأبناء الطائفة. وكانت هذه مهمة غير شاقة وغير عسيرة على أولائك الذين جاءوا ضيوفاً أو ينوون الخير والمساعدة للدروز, فكان الكل يرحّب بهم ويحتضنهم ويأويهم ويحرص على راحتهم, خلال أيام طويلة من مكوثهم في ربوعه. وكان الدروز يعرفون من هم معهم, ومن هم ضدهم, وكانت صدورهم رحبة, فكانوا يتحلون بالصبر, ويحاولون دائماً العفو عند المقدرة. أما إذا سخر منهم عدو, أو هزأ بهم, أو استقر رغم أنفهم في أحد مواقعهم, فإنهم يصبحون شراً ووبالاً عليه, وعلى من ناصره, ويحاربونه بكل قوتهم, مدافعين عن أنفسهم.
 وقد امتاز المجتمع الدرزي, بكل المزايا والفضائل والخصال والمناقب الحميدة الشريفة الطاهرة المفيدة, التي يدعو إليها مذهب التوحيد, والذي نفذها وينفذها مشايخ الدين الأجلاء وفي مقدمتهم المشايخ الأفاضل والأعيان والوجهاء والمسؤولون والبارزون. وقد حارب الدروز كبار الإمبراطوريات, وأقوى الجيوش, وأشرس القواد, وكانت النتيجة صمود الأغلبية الساحقة من القادة الدروز, والجنود البواسل, أمام غطرسة وظلم وعنجهية واجتياح وتعدّي الإمبراطوريات الكبيرة والدول الغنية.
 وهذه الطائفة, إن نظرتّ إليها وتفحّصتها, تجدها تعتز وتفتخر بوجود عدد كبير من رجال الدين فيها. ومن الشخصيات المرموقة, ومن السادة الأعيان, ومن الخاتمين الأطهار, وكلهم استمر برغم الظروف, متمسكاً بدينه ومعتمداً على الله سبحانه وتعالى يبغي النصر والبقاء.
وباختصار يمكننا أن نقول, إن الصفات والخصائص والأشكال والألقاب والصور والسمات والمظاهر والدلائل والإشارات, التي استهدفت في السابق مصدرا واحدا هو الدروز, أشارت بشكل لا يقبل التأويل والتعليل, إلى عنوان واضح هو ما يمكن أن نسميه "الهوية الدرزية". وهذه الهوية موجودة ومفروضة علينا شئنا أم أبينا. وقد كنا في السابق, نعتز ونفتخر بها, ونستميت من أجلها, ونحارب ونقاتل ونضحي كي تظل الهامة الدرزية شامخة عالية مرفوعة.                                
أما اليوم فقد بدأنا نلاحظ عوامل وهن وتصدع وتفسخ في هذا المبنى الصامد المتماسك المتراص المسمى بالطائفة الدرزية. ولا مجال هنا لدراسة وتحليل عوامل هذا التصدع, ويكفينا فقط أن نشير إليه, ونحذر من استفحاله, وندعو جميع زعمائنا ومسؤولينا وقيادينا والمشرفين على شؤوننا, والأوصياء على مقدراتنا, والمتنافسين إلى زعامتنا, وكل الذين يصعدون درجات السلالم, باسم الطائفة الدرزية, نتوجه إلى كل هؤلاء لأن ينتبهوا إلى المخاطر التي نعاني منها والتي تهدد كياننا وأن يعملوا كل ما بوسعهم لصيانة الطائفة وحمايتها.وأحيانا وعندما نتمعن في أحوالنا, يصيبنا بعض اليأس, لتدهور الأخلاقيات عندنا, نتمنى لو ترجع علينا ضريبة الشاشية, التي فرضها الطاغية أحمد باشا الجزار, بواسطة عامله يوسف الشهابي بحق الدروز, فألقى ضريبة باهظة على كل المشايخ الدروز, لمجرد أنهم يتعممون بالعمامة البيضاء. وكان رد الفعل عاجلا ومحكما. فقد قام الشيخ يوسف أبو شقرا, أحد زعماء الدروز, وجمع أكثر من سبعة آلاف من لابسي العمامات, وهاجم مقر الوالي يوسف الشهابي, وأرغمه على إلغاء هذه الضريبة, التي ندر أن فرض مثلها في أي مكان في العالم.
وعندما نتذكر هذه الحادثة ووقائعها, نتحسر على تلك الأيام, التي كان فيها الدروز من أسياد المنطقة, ومن القوى النافذة فيها, وكانت هويتهم لدرجة ناصعة وواضحة وباهرة ولامعة وشامخة, لدرجة جعلت حاكما معتوها يفرض ضريبة على الزي الخارجي. واليوم نتحسر على تلك الأيام, ونقول هيهات لو عاد التمسك الطائفي, والوحدة الداخلية, يسودان في ربوعنا, وهيهات لو عاد الدروز يتمسكون بتراثهم وفضائلهم ومقدساتهم, حتى ولو كلفنا ذلك أن تفرض علينا مرة أخرى ضريبة جديدة كضريبة الشاشية... 

وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور


دالية الكرمل
آب
2005