التقمص
بقلم محمد خليلي باشا – عن كتابه (التقمص)
السائد عندنا عفا أن التقمص منسوب إلى الموحدين الدروز الذين يؤمنون به ويجعلونه من الأسس التي يقوم عليها المعتقد التوحيدي لكنهم في الغالب لا يميلون إلى البحث في اصول معتقداتهم ولا يشجعون على الخوض فيها، فاحتراما لهذه الإرادة وبما أن عددا كبيرا من علماء أوروبا وأمريكا بذلوا خلال القرن الأخير مجهودات كبيرة للكشف عن حقائق الروحية ومنها التقمص الذي يعد ركيزة من ركائز البراسيكولوجيا، لذلك اتخذنا في بحثنا عقيدة الموحدين أساسا ، ثم اعتمدنا في الشرح والإسهاب على ما قاله علماء الغرب في هذا الموضوع وهو يكاد يشبه ما هو سائد عند الموحدين الدروز إلا في بعض الأمور
إن الأرواح عند انبثاقها من النفس الكلية كانت متساوية، وعلى درجة واحدة الطيبة والبساطة والجهل، وفيها عقل لتكون لها حرية الاختيار في حيز قانون كوني عام، وفرض عليها أن تتدرج قدما في الاختيار والتجربة لتتخلص مما فيها من ضدية، فتتداول الجسوم، من حياة إلى حياة، تمارس فيها الفضائل وتكتسب فيها المعرفة، لكي تستكمل سعادتها باكتمال رقيها العقلي والأدبي، فتنم على تألقها وبهائها في سيرها الوئيد صعدا نحو العلاء الأعلى.
هذه هي نظرية التقمص العريقة في القدم التي أعلنها "فيثاغوروس" الحكيم وعلّمها بعد افلاطون ولفيف من كبار الفلاسفة، وقالت بها مذاهب دينية وفلسفية يؤمن بها الآن نصف سكان الأرض.
هذه النظرية نظرية التقمص القديمة وضعت مؤخرا موضع درس علمي كما ذكرنا، وأجريت عليها تجارب استمرت طوال قرن، توفر عليها لفيف من كبار العلماء ولم تقتصر هذه البحوث على التثبيت من صحة التقمص فحسب بل تناولت أيضا أمورا أخرى أهمها:
-    الغاية من التقمص.
-    عدد المرات التي تتقمص فيها الروح.
-    الفاصل الزمني بين كل تقمص وآخر.
هل العودة إجبارية أو اختيارية وغير ذلك من الأمور.
فمن حيث صحة التقمص تبين أن ثمة اسئلة كثيرة لا يمكن الإجابة عنها إلا بقبول نظرية التقمص منها أن النفس إذا كانت خالدة وهي كذلك أين كانت قبل الولادة، وأين تذهب بعد الموت لأن كل خالد يجب أن يكون آتيا من الأزل وغذا كانت خلقت من العدم عند الولادة فلا يمكن أن تكون خالدة لأن العدم مصيره العدم وهي ليست كذلك.
ومنها أن الذين يولدون مكفوفي النظر أو مشوهين أو معاقين فما ذنبهم؟
وهل صحيح أن اآباء يأكلون الحصرم وأبناء يضرسون. وهل يتفق هذا مع العدالة الإلهية؟
ومنها السؤال عن الحكمة في توالي النكبات والمصائب على اشخاص معروفين بحسن السيرة، وطيب السريرة واصطناع المبرات والحسنات ومساعدة كل طالب في حين أن الخيرات والنعم تتدفق على من لا يرى فيهم ما يستحق ذلك، وحاشا الله إلا أن يكون كلي العدالة.
ومنها السؤال عن سبب التفاوت في الأخلاق والصفات والذكاء بين أخوين من اب وأم واحدة، وقد ربيا في بيت واحد ومحيط واحد.
إن نظرية التقمص تجيب عما ذكرنا:
-     بأن الروح ما دامت خالدة أن يكون لها ماض قبل الولادة، وأن يكون لها مستقبل بعد الموت، ولا يمكن أن تكون الروح الخالدة آتية من العدم ثم تغرق بعد الموت في بطالة الانتظار غير المجدي الذي يمتد ويتطاول جزافا إلى يوم القيامة لإجراء الحساب.
-    وبأن الذين يولدون مشوهين إنما هم يكفّرون عن ذنوب فرطت منهم في حيوات سابقة. وكذلك الذين تتوالى عليهم النكبات في الظاهر على صلاح في أعمالهم، ونحن نجهل باطنهم وماضيهم ولا نستطيع الحكم عليه. وريما كانت هذه المصائب لابتلاء صبرهم وإيمانهم، فتكون كالصهر للذهب فيطهر وينقى، وقد جاء في القرآن الكريم : "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقس من الموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون".
-    وبأن الخيرات التي نراها تنزل على غير مستحقيها ليست ثمة ما يؤكد لنا أنهم لا يستحقونها، وإن كانوا كذلك فإنما هي تجربة لهم فإما أن يستفيدوا منها فتساعدهم على التقدم وإما أن تلهيهم الغواية فيحاسبون عن ذلك في هذه الحياة او في حيوات أخرى.
-    وبان التباين بين الأخوين مرده إلى تباين قائم بينهما في عدد تقمصات كل منهما، ومدى استفادتهما من حيواتهما السابقة، ومستوى تدرجها في سلم الاختبار والصفاء والنقاء. ولا يمكن أن يكون الله سبحانه ظالما فيميز بين خلقه بأن يهب لهذا الصفات السنية والهبات السخية مجانا، وأن يبخل على ذلك ابتدارا دونما ذنب أتاه.
أضف غلى ذلك أن التنويم المغناطيسي استطاع في درجاته العالية أن يعيد منوَّم ألى تقمصات سابقة يصفها وصفا أنمن التثبت منه بعدئذ في كثير من الحالات، وكذلك في الجلسات الروحانية.
وأضف ايضا التذكر (النطق) أي أن يستبقي عقل بعض الأشخاص شيئا من ذكريات التقمص السابقة فيصفوا ماضيهم أوصافا أمكن التثبت من كثير منها، والتأكد من عدم وجود أية أعراض للبرامنيزيا.
ما الغاية من التقمص فإن الروحيين يقولون : إن الروح تكون إنسانا جديدا في كل تقمص، يكمن فيه كل ما اكتسب سابقا من الصفات العقلية والأدبية، فيتمكن بها من القيام بمهماته فذ ها التقمص فيحرز الترقي العقلي باضطراره لقضاء ضرورات الجسد المقيد له، وهذه الضرورات هي كالمهماز يهيب له دواما إلى العمل المستمر، وبذلك تتسع قواه العقلية وتتحسن أوضاع البيئة التي يعيش فيها بسعيه لتحسين أوضاعه المادية والحضارية. ويحرز الترقي الأدبي بالتفاعل مع المجتمع الذي يحتاج فيه الناس بعضهم إلى بعض فتكون الألفة الاجتماعية محكا للصفات الحسنة والرديئة.
الغاية إذًا من اتخاذ الروح الجسد لها هي الاختبار والتجربة في طريق التسامي والترقي لتحقيق الذات وبلوغ الصفاء والنقاء. وهذه لا يمكن أن تتحقق خلال السنوات القصيرة التي يعيشها الإنسان في التقمص الواحد، فكيف إذا ما مات شابا أو طفلا، ما هي قيمة السنوات مهما كثرت في حياة روح خالدة، بل ما قيمتها في بحر الزمن، في كون هائل سما على الزمان والمكان، فالتجارب اللازمة لإدراك المعرفة، وبلوغ الصفاء لا يمكن أن تتم في زمان محدود أو مكان محدود بل بأعمال لا تتسع لها حياة واحدة ومكان واحد على الأرض,
كم من مرة نعود الروح إلى التقمص؟ وكم هو الفاصل بين التقمص والآخر؟
لسنا ندري إذا كانت كلمة كثيرا تجيب هن هذت السؤال الأول، فمصير الإنسان مرهون بأعماله وبمدى اكتسابه وتقدمه في اختباراته.
أما عن الفاصل الزمني بين التقمص والآخر فنجيب بأن المكان والزمان هما من المفاهيم الأرضية، وليس في عالم الروح مكان ولا زمان، لكن إذا اعتمدناه استجابة إلى مفاهيمنا الأرضية، قلنا إن بين كل تقمص وآخر مدة تتفاوت بحسب مقاييسنا ولا ضابط لها. أما بحسب المفاهين الروحية فليس ثمن زمان. لكن الجزم في القضايا الماورائية ليس ممكنا لأن الإنسان لميعطِ أن يعرف كل اسرار الكون، إلا أن المجال يبقى مفتوحا دواما أما العقل لكي يتواصل مع العقل الكلي فستخرج عن الحياة صورا تتوافق مع قوانين الحياة، فيأخذ بها الإنسان ما دامت تؤمن له الكفاية العقلية والاطمئنان الذاتي، ونحن قد أخذنا على أنفسنا منذ البدء الموضوعية وعدم الانحياز لكي نفسح المجال أمام القارئ فيفكر ويتأمل ويستخرج النتيجة التي يطمئن إليها عقله.

قال أرسطو كما قال كثيرون غيره "الروح لا تستغني عن الجسد" فأخذ بعضهم هذا القول أخذا ضيقا، ومنعا لكل جدل قالوا باختصار إن الروح ما ان تترك الجسد بالموت حتى تبادر إلى اتخاذ جسد آخر بغير زمان. فانتشر التعبير عن ذلك أن الناس قلما يدركون كيف أن الروح لا زمان عندها ولا مكان، وأته لا يمكن استعمال المقاييس والمفاهيم الأرضية هناك.
أما الذين أخذوا القول أعلاه أخذا منا فإنهم قالوا إن في الإنسان جسما كثيفا يخلعه بالموت وجسما لطيفا يبقى مع الروح لأن الروح لا تستغني عن الجسد، وهو في الحقيقة رقيق جوهرها منذ ما انبثقت من نور العقل، بحسب الصورة التوحيدية، فكان الهيولى معها وسمي بالطبيعة الخامسة وهو قوة لا تفارقها، والقوى هي الطاقة، والطاقة هي المادة اللطيفة والمادة اللطيفة هي الجسد الروحي أو الأثيري وهؤلاء يقولون بأن الروح لا تفارق الجسد وإلا كانت قابلة للتضعضع والتبدد.
وهؤلاء يقولون أيضا بأن التقمص يجري بغير زمان وإذا تأخر رجوع الروح إلى الأرض يقولون إنها غائبة في جسم آخر، فمنهم من يفسر ذلك بأنها تقمصت جسدا آخر عاش مدة غيابها ومات، وهؤلاء هم القائلون بالتقمص الدراك، ومنهم من يقول هذا ممكن ولا يطرد غيابها في جسم لطيف هو ممكن ايضا وهو الأغلب، لكنها لا تستطيع أن تحقق ذاتها إلا بالجسم الكثيف، وعلى هذا مذهب علماء البراسيكولوجيا.
هل تختار الروح تقمصها او تساق قسرا إليه؟ قال العلماء الروحيون إنها مختارة. لقد وهب الله الإنسان العقل وأعطاه حرية التصرف في حيز قانون كوني عام، فله أن يسير في هديه وبحسب أحكامه، فتحسن حاله ويطمئن أمره وله أن يعصي ويخالف فيلاقي سوء ذلك إلى أن يستقيم، وينتظم في حيز القانون العام فنحسن حاله والله غفور رحيم.
فالروح تحتاج إلى التقمص لتخلص من الجهالة التي هي فيها، ومن الشرور التي تعتورها فإذا بادرت واستفادت من تقمصاتها خففت آلامها وقرّبت المسافة في رحلتها وإذا لم تبادر أو لم تستفد من تقمصاتها استمرت فيها إلى أن تفعل أو يدركها اليوم الموعود.
أما إذا كانت الروح بدائية تعمل في جهل مطبق فلا تدرك من أمرها رشدا، فالله العزيز الرحيم يقيض لها روحا راقية يأخذ بيدها ويرشدها فتمضي بها إلى التقمص الذي يناسبها. فالروح إذًا مختارة محدوة على الاختيار، إلا أن هناك تقمصات تطوعية من لدن أرواح سامية تحمل إلى الناس الرسائل الإلهية والهدى والرشاد.
بعد الموت عندما تعي الروح ذاتها وترى ضرورة تقمصها على الأرض مرة أخرى ويسمح لها بذلك، فإنها إذا كانت على درجة من التقدم تختار المحن والتجارب التي يجب أن تتقمص لمعاناتها والتغلب عليها، لكن الاختيار لا يشمل عوارض الحياة كلها بدقائقها كلها وتفاصيلها، بل يجري اختيار موضوعها فقط ويبقى ما عدا ذلك مرهونا يتصرف الإنسان ونتائج أعماله الحرة. فهو كمن يختار طريقا وعرا فقد يسقط فيه مائة مرة وقد ر يسقط إلا مرات قليلة إذا كان واعيا حذرا شديد الانتباه. وهذا أيضا شأن من يختار التقمص في عائلى لصوص لكي يتغلب على ما يعتوره من نقص على هذا الصعيد، فله أن يكون المرشد لإصلاحهم فيصلح نفسه ويصلحهم، فيستفيد من تقمصه وله أن يسهم معهم في لصوصيتهم فيضر بهم وبنفسه ويتقهقر فيعاود تقمصه المؤلم ليصلح نفسه ويستدرك أخطاءه الأخيرة، ومثل ذلك الذي يتقمص في أحضان النعمة والثروة لكي يتغلب على غرور الجاه والكبر بالتواضع، وعلى البخل والأنانية بالعطاء وعلى القسوة بالرحمة والمساعدة ونجدة الملهوف،  فإذ أحسن التصرف أحرز من تقمصه مبتغاه وإن اساء فيعيد التقمص وتكون كفارته بنسبة إساءاته.
الأرض للأرواح المختلفة مكان للتفكير فيه عذاب وآلام للأرواح المتقدمة مكان للاختيار فيه جهد وكد ونصب، وفي كليهما دموع فالمجيء إلى الأرض ليس على الروح بالأمر السهل في حين ففيه الولادة وفيه الموت وفيه المكث أشهرا في سلى ضيق وفيه المكث زمانا في قبر مظلم وفيه غربة عن صحب هناك وعن أهل هنا، وفيه غياب معظم الوعي طوال السفر.
فمن الحكمة العمل على فهم معنى التقمص فهما عقليا فننتهز فرصة الوجود على الأرض لإصلاح الأخطاء التي ارتُكبت فلا يتكرر التقمص ثانية لإصلاحها فيستغفر الإنسان من آذاه ويحسن إليه ويحب من كرهه ويستدينه ويتواضع لمن حقره ويتقرب منه ثم يستجمع ما امكن من الصفات الفاضلة فيتحلى بها بعيدا عن الكبرياء والأنانية والكذب والغصب والخوف ثن يستكثر من البر والعطاء والإيثار والعمل الصالح وخدمة الآخرين وكل ما يهمله أو ينساه من هذا فسيعود ثانية من أجله.
إن الذين هناك يهتفون بالأحياء هنا إن اغتنموا  فرصة وجودكم على الأرض لتتزودوا بما يلزمكم ، ولا تكونوا كالصناعي الذي كلما احتاج إلى قطعة من أدواته وجد أنه نسيها في البيت، فيعود لجلبها، فيضلع يومه جزافا في ذهاب وإياب ولا يدفع إليه أجره.
بذلك يحيى المرء حياة إنسان صالح فاضل ترعاه رحمة الله، ويمهد امام الروح طريق الهناءة والطمأنينة، وعندما يصرخ من أعماق كيانه في مناجاة ولي الحق "خلصني يا مولاي من هذا العالم الفاني" يكون قد استحق ان يعفى من عذاب الأيام وأن يكتب على قبره "يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبدي وادخلي جنتي".
وأخيرا بالإضافة إلى ما قدّمنا حتى الآن عن صحة التقمص وضرورته وطرق فهمه وتدبره فإننا ندعو من شاء إلى تقصي بعض حوادث التقمص والتحقيق مع ذوي العلاقة فيها. فإن لم يكن ذلك استجابة إلى داعي العقل والمنطق فليكن على الأقل ليطمئن به القلب.