ضجيج الصمت
عفيفة قبلان – بيت جن

ضجيج الصمت أزعجني وليس هدوء حياتي ... لم يكن لصوته رنين بل كان صدى لصوت حزين... وآهات شجية تفوق كل الوصف وكل التعبير... ساحر... هادئ...
يتجلى بسحره كل الصبر وبهدوئه أسمى معاني الأنين...
ضجيج الصمت حرك كل ما حولي...يعثر دفاتر أيام حياتي وقلب صفحات كانت مدفونة بدهاليز الزمن المنسي... أخشى الصمت... كما أكره الضجيج... فكيف عندما يكمل أحدهما الآخر... فوضى هيكلها نظام... ودائرة لا حصر ولا عد لنقاطها... هذه الدائرة التي تدور دوما بشكل روتيني لا تغيير فيه...لحظة رهيبة... تجتاح نفوسنا وتخيم على مخيلتنا رغما عنا... لتوقظ الضمائر... ولتغيير كل ما في القلوب وتبوح بكل الأسرار... لتكشف تلك الحقيقة المختبئة أبدا في أعماق هذا الصمت...
لحظات خشوع رهيبة... لا تمر بحياة بعضنا إلا مرات عابرة... ويا لها من دقائق... ترتعش النفوس لرهبانيتها وتصفّي النوايا... وتجعل الضمير يصرخ بصاحبه مؤنبا مودعا الحقد والقهر والذل والصمت المتغلغل في النفوس والرعب المختبئ بغموض الموت البطيء... مودعا الغضب المكتوم كدمامل موجعة من أن توشك ان تتعالى لهيبا في السماء حتى تخمد وتصبح رمادا لا حاجة له ولا فائدة منه... لحظات خشوع مخيفة...
يصل بنا إلى أعمق الأسرار... وإلى ابعد المسافات الضائعة في متاهات هذه الحياة... هذه الحياة بصمتها الذي يداعب بنسمات وادعة قوية لتصل إلى تلك الرمال... على ذلك الشاطئ... أشياء غريبة... متضادة تلتقي بطرف خيط... في هذه الحياة... اسرار كثيرة... كلها واضحة تحت الشمس... مختبئة بقوقع اسمها... وتحت غطاء سذاجتها...
فالبساطة وكل البساطة في فك القيود... والعقد المتراصة حول أعناقنا في ضجيج حياتنا الخاصة...
والبساطة كل البساطة في دفن الثرثرة والهمس... من نفوسنا في صمت حياتنا العامة...
وكل الراحة لنا... والطهارة والنقاء بأن نقذف من داخلنا كل الضغينة والشقاء بهدوء حتى لا نلوث الهواء الطلق ببذاءة الكلمات ولنتحاشى خطر البيئة الملوثة حتى لا نزيد الطين بلة...
أسرار كثيرة يعتبرها الضجيج... وصفحات كثيرة قلّبها...بيد أن الصمت أعاد ترتيبها وأقفلها... لتبقى ابدا مختبئة في أعماق الذات الخائفة... التي تخشى الصمت كما تخشى ضجيجه...