اعترافنا بالدولة سبق قيامها
بقلم عضو الكنيست السابق امل نصر الدين
رئيس مؤسسة الشهيد الدرزي والكلية قبل العسكرية
Image

يثبت التاريخ أن قادة الطائفة الدرزية والنشطاء فيها تميّزوا ببصيرة واضحة وبرؤية ثابتة على ضوء التطورات التي وقعت في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين في بلادنا، حيث قامت عناصر متطرّفة عربية إسلامية، بمطاردة أبناء الطائفة الدرزية والاعتداء عليهم، ووصلت إلى درجة قتل الأبرياء وانتهاك حرمة الأماكن المقدسة وكتب الدين. وجاء هذا استمرارا لتعديات مماثلة عانى منها أبناء الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان، بالرغم من أنهم كانوا في رأس ومقدّمة القوى الوطنية التي حقّقت الاستقلال للدول العربية. لكن الحقد والضغينة والتطرّف عند أوساط غير مسئولة، كان وظلّ يلاحق أبناء الطائفة الدرزية منذ إعلان الدعوة حتى أيامنا، حيث مرّت هذه الطائفة بمصائب ومحن، بالرغم من أنها لم تتعدَّ يوما على أحد، وإنما استقبلت كل طريد وكل لاجئ بأذرع مفتوحة وبقلوب رحبة، وآوى الدروز في تاريخهم الآلاف من اللاجئين والمنكوبين من جيرانهم المسلمين والمسيحيين.
وبعد الحرب العالمية الأولى كان عدد المواطنين الدروز في البلاد حوالي 15 ألف نسمة فقط، موزّعين في 18 قرية في الجليل والكرمل. ومع أن عددهم كان قليلا، إلاّ أن قوّتهم كانت نافذة، ولهم كيان ولهم قادة وزعماء ومشايخ استطاعوا بحكمة أن يحافظوا على المسيرة التوحيدية في هذا البحر الهائج من العواصف والتقلبات والصراعات بين العرب واليهود، وبين قوات الانتداب والعناصر المتطرفة التي زرعت الفوضى والإرهاب في الكرمل والجليل.
وقد كنت شاهد عيان لحادثة وقعت عند قريبي، الشيخ أبو يوسف صالح (خطيب) نصر الدين، الذي كان زعيما جريئا مقداما، يقول كلمته بشجاعة، ولا يخاف من أحد. ففي أحد الأيام من عام 1939 أيام الثورة العربية في البلاد، داهم فصيل كبير من الثوّار بقيادة أبو درّة القرية، ومعه بعد المسئولين، يبلغ عددهم حوالي ستين عنصرا. وتمركزوا في الدار الجديدة التي بناها الشيخ صالح في شرقي البلدة في الموقع التي ما زالت فيه اليوم. وكان الشيخ صالح زعيما معروفا، ذا بيت مفتوح، واشتهر بسخائه وكرمه، فأمر فورا أهل بيته، أن يقوموا بالذبح وإعداد الطعام. وبعد حوالي ثلاث ساعات تقريبا، وعندما عُدّت الموائد وانتهى ترتيب الصحون والمأكولات، قام الشيخ صالح ومن ورائه شيوخ العائلة والبلدة، ودعوا الثوار لتناول الطعام كما هو متّبع. عندها قام أبو درة وأعلن بوقاحة وبدون خجل، نحن لا نأكل من ذبح الدروز .  عندها استشاط الشيخ صالح نصر الدين غضبا، وأعلن أنه لا يشرّفه إيواء وإدخال لصوص إرهابيين، وأضاف: معكم دقيقة واحدة حتى تتركوا البيت، وإلا لن تخرجوا أحياء. ونظر الشيخ صالح وراءه إلى زعماء القرية  الذين يقفون بجانبه، وبوقفتهم هذه أعطوا للثوار المتعدين فكرة، أنهم أمام قوة جبّارة لن يستطيعوا أن يواجهوا، فانسحبوا بخزي وإذلال، وتجنّبوا الوصول إلى بيت الشيخ صالح بعد ذلك. وقد كنت حاضرا هذه الموقعة وشاهدتها بنفسي، ففي الثلاث سنوات الأخيرة، قام أبو درة ويوسف الحمدان ومساعدوهم، وكانوا يغزون بيوت القرية، ويطلبون من صاحب البيت تقديم المأكل والماء للثوار، فكانوا يقضون على كل مؤونة البيت من خبز وأجبان وألبان وخضروات وفواكه وغيرها ويبقى البيت خاليا بعد إطعام أربعين خمسين عنصرا مسلحا، على ذلك زد على ذلك مارسوا التعذيب والتنكيل على السكان بحجة البحث عن السلاح. ولذلك ترسّخت في ذهني وفي أذهان قادة الطائفة الدرزية الفكرة، أن وضعنا كأقلية في هذا المجتمع غير مضمون، وعلينا أن نقرر بأنفسنا ما هو مصيرنا، وكيف نتصرّف. فقد كان قادتنا وزعماؤنا منذ الحرب العالمية الأولى وبعد إعلان وعد بلفور على علم أنه يمكن أن يكون بديلا لهذا الحكم الذي لا يحترم الدروز، حيث من المحتمل أن تقوم دولة يهودية ديمقراطية لها أصول ومبادئ وتحترم الديانات والأقليات، ولهذا لم يتعاون الدروز كمجموعة مع الحركات العربية التي واجهت اليهود في البلاد، بين الثوار العرب،
وخلال فترة التمهيد لإقامة الدولة، أعلن عدد كبير من الشخصيات الدرزية، دعمها لهذه الفكرة من أجل مصلحة الطائفة الدرزية، والحفاظ على كيانها وسلامتها ووجودها. ولهم نحن مدينون كونهم شجعان، حكماء في حينه، لأنهم رأوا الحاضر والمستقبل، واتخذوا قرارات جريئة، وعقدوا اتفاقيات مع القادة والزعماء اليهود في حينه، الأمر الذي أبقى طائفتنا في قرانا، وحافظ على كياننا وعاداتنا وتقالينا نادرة الوجود عند الآخرين. وبفضلهم تتمتع الطائفة اليوم بالهدوء والراحة والاطمئنان والعيش الرغيد. وفي نفس الوقت نحظى بمؤسسات دينية حافلة بالشيوخ ورجال الدين الأتقياء. وفي نفس الوقت حافظنا على كرامة نسائنا وبناتنا، وبفضلهم تجنّب أبناؤنا الجوع والفقر، وأهم من كل ذلك التشرّد من ديارهم وقراهم. لذا أرى من واجبي، ولزاما عليّ، أن أكرّم هؤلاء الزعماء والقادة الذين اتخذوا القرارات المناسبة والإيجابية، وحقّقوا ما ذكرته أعلاه، ومن أجل تخليد ذكراهم، ولصيانة كرامتهم، أعلنت عن إقامة قاعة خاصة لهم في مؤسسة الشهيد الدرزي المعترف به حكوميا كمركز لتراث الطائفة الدرزية ومركز الاتصال بين الدولة والطائفة،  وقمت بتدشين القاعة تحت رعاية وزير الدفاع السيد إيهود براك، وأذكر أننا زينا الجدار الرئيسي بصور هؤلاء الأبطال والزملاء الذين نالوا التكريم والتقدير من حكومة إسرائيل ومنحوا وسام محاربي إسرائيل. ومن ثمة قمنا بتكريمهم بإقامة احتفال جماهيري كبير تحت رعاية رئيس الدولة وبحضور العديد من الوزراء والشخصيات الرسمية والأهلية والعائلات الثكلى، وحضور جمع غفير من أبناء الطائفة من الجليل والكرمل. ونحن شكرنا في حينه فضيلة الشيخ أمين طريف وقضاة المحاكم الدينية وأعضاء الكنيست ورؤساء المجالس المحلية، الذين قاموا باحترام أولائك الابطال الذين تعرضوا الى تضحيات خطرة. وأشدنا بأعمالهم وتضحياتهم، ولا ننسى اليوم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف، الرئيس الروحي وفعالياته الذي يسعى من ورائها لتعزيز موقف الطائفة ونيلها حقوقها واحترامها. ومن بيت الشهيد الدرزي اقدم المحبة والاكبار والاحترام والتقدير الى القادة الذين بادروا لربط الخيوط الأولى للعلاقات الدرزية اليهودية، وهم الشيخ أبو حسين لبيب أبو ركن، والشيخ أبو حسن صالح خنيفس، والشيخ أبو داهش جبر معدي، مع السيد أبا حوشي والسيد إسحاق بن تسفي، وشارك إلى جانب المشايخ المذكورين، الشيخ أبو نايف حسين عليان، والشيخ أبو سعيد فرحان طريف، والشيخ أبو سليمان علي ملحم معدي، وكاتب هذه السطور والاخ يوسف ملا  وفايز حسون، وكذلك بقية الآخرين المدوّنة أسماؤهم في الكتاب الخاص الذي صدر لذكراهم.
وقد جاء اعتراف رئيس الدولة والوزراء بدور الطائفة الدرزية في إقامة دولة إسرائيل قبل سنوات من الإعلان عن تأسيسها، ليثبت أمام الملأ والتاريخ، أن اعترافنا بالدولة سبق قيامها، وأننا شركاء في تأسيسها وبنائها، ونحن نعتزّ ونفتخر بذلك دائما. ولا انسى بان اذكر اعتراف الدولة رسميا باستقلالية الطائفة الدرزية وإقامة المؤسسات الرسمية والدينية في البلاد والتوقيع على وثيقة الشراكة الفعلية بين اليهود والدروز التي وقعها صاحب السيادة رئيس الدولة السيد رئوفين ريفلين وفضيلة الشيخ موفق طريف وعشرات الشخصيات اليهودية والدرزية.  