عندما تغطى سطح الأرض بالمشيعين
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل
Image

بسم الله الرحم الرحيم
ها هي تمرّ السنة الرابعة والعشرون منذ أسلم المرحوم جدّي الروح وأعادها إلى خالقها، وتركنا هنا في أسى وأسف وحزن وشعور بفقدان كنز كبير وركن هامّ ومصدر عظيم لوجودنا وكياننا وكرامتنا وعزّتنا. ومع أننا كنا نؤمن بالله، سبحانه وتعالى وكنا نرى سيدنا الشيخ يكبر سنة بعد سنة، وكنا واثقين من عقيدتنا وإيماننا، بأن مصير كل إنسان إلى مغادرة هذه الدنيا، وانتقاله إلى عوالم أخرى، هو مصير محتوم ولا بد أن تأتي الساعة، ولا بد ان نقف هذا الموقف، ومع كل هذا ومع كل علمنا أن مصيرا كهذا لا بد أتٍ، إلاّ أن فراق المرحوم سيدنا كان صعبا علينا، واستطعنا أن نتغلّب عليه بعد أن شاهدنا الآلاف المؤلفة من الناس، من قريب وغريب، من الطائفة وغير الطائفة، من البلاد وخارج البلاد، يشاركوننا في حزننا وفي مصابنا، وفي فراقنا للركن الأساسي لوجودنا في هذه البلاد. أجل، من يذكر الجماهير الضخمة التي غمرت هضاب ووديان المنطقة بين جولس ويركا وكفر ياسيف والجديدة، يشعر بأن حدثا جلل وقع، وأن هذا الرحيل ليس برحيل عادي، وإنما هو محطة هامّة في تاريخ الطائفة والدولة. وقد شاهدنا جنازات تمتلئ فيها ساحة أو قاعة أو شوارع فرعية بجماهير حزينة على من فارقت، أما أن نرى أن سطح الأرض حولنا يمتلئ بالمعزّين والمشيّعين، فهذا ما لم نتوقّعه، وكان لوجوده عزاء لنا، وتخفيف لمصابنا، ومحفّز أن نستمر في أداء الرسالة، في ظل تعاليم سيدنا المرحوم الشيخ، الذي آمن بالتعاون المثمر بين الدولة والطائفة طوال الوقت، والذي كان كل تفكيره منحصرا في المحافظة على أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، وقد حقق لهم ذلك، بدعم وتنسيق وتعاون مع القيادات الدرزية، فلم يخرج أي لاجئ درزي خارج بيته أو وطنه، ولم يتعرض أي مواطن درزي لإهانة أو تحقير أو مضايقة. وكان همه بعد ذلك أن يخدم أبناء الطائفة دولتهم بأمانة وإخلاص، كما يتطلب من كل مواطن درزي يعيش في أي دولة تقدره وتحترمه. وفي نفس الوقت اهتم سيدنا الشيخ بإخواننا الدروز في سوريا ولبنان والأردن، وعمل كل ما يستطيع من أجل بقائهم وكرامتهم. وقد فتح أمام المشايخ الشباب في بلادنا إمكانية الدراسة والاستكمال في خلوات البياضة الزاهرة، وقد تخرجت هناك أجيال وأجيال من المتدينين الشباب الذين تعلموا على أيدي أكثر المشايخ تقوى في المنطقة، واكتسبوا من الكنوز التوحيدية الكثير، وأصبحوا بدورهم مرشدين وموجهين على ضوء ما تعلموه في الخلوات الزاهرة.
وقد رافقت المرحوم جدي سنوات طويلة، منذ بدأت اعي ما حولي،  وكنت أشعر دائما، أنني أمام ولي صالح، منحه الله سبحانه وتعالى، قدرات مميّزة، ومواهب فذّة، وشخصية مبجّلة، وأرسله في فترة مصيرية، إلى دروز إسرائيل، الذين كانوا بحاجة إلى مرشد وقائد وموجّه، يوفّر عليهم الأعباء والمتاعب والمصائب، التي وقعت بالأمم حولهم، التي تحمّلت من وجود ظروف ومطامع وأهواء غريبة عن مصلحتها، فدفعت ثمنا باهظا. أما إخواني أبناء الطائفة الدرزية، فبفضل وجود سيدنا وشيخنا الكبير رحمه الله، وبفضل وجود زعامة دينية وزمنية حكيمة في حينه، تجاوزنا كل المخاطر والحمد لله، ووصلنا إلى بر الأمان، وبقينا معزّزين مكرّمين في بيوتنا، وقرانا، وبجانب قبور أجدادنا، وتحت حماية مقاماتنا ومقدّساتنا.
ونحن في ذكراه، نبتهل إلى العلي القدير، أن يتغمده برحماته وعطفه وحنانه، وأن يعيد الحياة العادية والهدوء والطمانينة إلى إخواننا في سوريا، وأن يحمي ويحفظ أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان.  