حمل هموم الطائفة المعروفية
بقلم الشيخ شفيق عزام - شفاعمرو 

Image

بسم الله الرحمن الرحيم
هناك الكثير من أنواع الشخصيات المختلفة والمتنوعة. فقد يتميّز كل إنسان بشخصية تميّزه عن غيره من الناس خاصة عندما يكون من روّاد المجتمع، أو ممّن يحتلّ منصبا محوريا هامّا، فقد يكون بحاجة لتحقيق توازن عقلي ومشاعري بحياته كي يصبح شخصا ناجحا.  وكلّ منّا يواجه تحدّيات يومية وإحباطات وصعوبات تجعلنا نختبر اتّزاننا، حيث هناك تكمن القوة الحقيقية في تخطّيها لميزة ما أو الثبات عليها. ومن الميزات التي قلّ ما وُجدت في شخص ما حتّى وإن تحلّى بأجمل الصفات وحُسن الأخلاق فقد يتعسّر عليه التوفيق بين الدين والدنيا... باستثناء سيدنا وشيخنا المرحوم أبو يوسف أمين ( ر) الذي عاش في عقول وضمائر أهل عصره من رجال الدين والدنيا على حد سواء، فلم يُستثنَ بيت إلاّ وشعّ نوره الساطع من على جدران صالاته، ولم يبقَ قلب شيخ طاهر إلاّ وعاش به سيدنا المرحوم التقي، عمره الذي أمضاه في الطهارة والعفّة والتفاني بالعبودية في طاعة الله عزّ وجلّ، وحمْل المسئولية وهموم الطائفة المعروفية الروحية والزمنية في آن واحد. فقد عرف ما لم يعرفه الآخرون.
ومن ميزاته الكثيرة والتي كلها تصبّ في منبع الخير والبركة تلك الميزة التي لم يتميّز بها شخص آخر، ألا وهي قدرته على التوفيق بين الدين والدنيا. فقد عمل سيدنا الشيخ الطاهر بنجاح على المحافظة ورفع مستوى الطائفة دينيا واجتماعيا على حدّ سواء، بقيادته الحكيمة وحرصه على أبناء الطائفة التي سعى دائما لرفع مكانتها بين شعوب العالم أجمع. فتحلّى بفصاحة منطق، وبراعة بيان، وأضاف الكثير إلى غزارة العلم الديني والدنيوي، بقوة النظر وصفاء الذوق وسعة الاطلاع في الآداب، وبالإجمال ليس إعجاب الخلق بتواضع أخلاقه وسماحة آدابه وذخيرته الدينية بأقل من إعجابهم بعبقريته في التوفيق ما بين علم الدين وعلم الدنيا.
وقد رثاه فضيلة الشيخ أبو محمد جواد (ر) في صلاة الغائب عن روحه الطاهرة قائلا عن سيادته: "عَلم من أعلام الإيمان والتوحيد، وركن من أركان الطائفة، وأب كريم عطوف، وقائد روحي واجتماعي كبير". أما الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، فقال له عندما حضر لاستقباله في البلاد: "إن فضيلتك تمثّل لي ملاك الخير والرحمة الذي يشعّ من وجهه النور وتنبع من فمه الحكمة والتعقّل وببركتك سوف يأخذ الله بيدنا لإحلال السلام في الشرق الأوسط". كما وأجمع جميع السياسيين على أن سيدنا المرحوم رجل سلام حقيقي ومرجعية دنيوية ثقافية يحتذى بها. فعندما كان يتحدث كانت آذاننا صاغية لعلها تسمع كلمة واحدة عن خاطر شريف، لتقطع المسافات بسرعة مذهلة، وتجتاز الحدود فتدخل إلى صميم القلوب، لتحرّك مشاعر المؤمنين من الجليل والكرمل، إلى جبال الشوف والساحل، ومن ثمة إلى جبل الدروز وحلب. فلدى شيخنا الطاهر إجماع روحي نتيجة لمواقفه المشرّفة، والخواطر الطاهرة، والعقل الرزين الذي تميّز به. فحين يكون الرحيل يذهب كل شيء يتعلق بالإنسان، ويبقى عمله وسيرته والأثر الذي تركه في قلوب الناس، وبصماته التي أحدثت فارقا. وعندما نكتب عن صاحب قلب اتّسع للجميع، وامتلك من الأخلاق منظومة قيم متكاملة، انعكست على سيرة حياته المليئة بالأحداث والمواقف والأعمال القيّمة، يقف القلم عاجزا عن سرد مشاعر لا يمكن أن تُكتب على صورة تاريخ او أحداث. فمع أن أربعة وعشرين عاما انقضت، إلا أن حقيقة واحدة ما زالت ترافق روحه الطاهرة، ألا وهي تلك الحقيقة التي يعرفها ويعيها ويدركها كل من شرّف بالقرب من سيادته، في بعض المواقف، وفي كثير من المواضيع، وفي العديد من المواقع. فقد كان شجاعا في الرأي، صلبا في المواقف، متمسّكا في الحق، إذا اتخذ قرارا صمّم عليه، وإذا ارتأى موقفا تمسّك به، وإذا ابتعد أو انتهج أو ابتدأ مشروعا يخص الطائفة، أصرّ على أن ينفّذه مهما كانت الصعاب وأيّا كانت العقبات. فالرحمة لروحه الطاهرة، وعزائي لنفسي كما لكل فرد في هذه الدوحة، وعزائي بذكره إلى عائلته الصغيرة الممثّلة في شيختا الكريم أبي حسن موفق، أطال الله عمره، وإلى جميع ابناء الطائفة في جميع أنحاء العالم. الله يرحمه.   