المميزات الدفاعية لجبل الدروز
بقلم الكاتب كمال صياح الحمد
مقتطفات من كتابه "المقاومة الوطنية في جبل العرب" بتصرف

لقد ترسخت عادات اصيلة في جبل العرب عبر التاريخ، فالكرم، والوفاء، والصدق، وإغاثة الملهوف، والفروسية، والشجاعة، وحب الوطن، والتعلق بالأرض، ورفض الذل، وعشق الحرية، واحترام المرأة، والحفاظ على العرض، هي مزايا اتصف بها هذا الجبل، وتحدّث عنها الرحّالة والمستشرقون، وكذلك الكُتاب والشعراء... إن ما أكتبه الآن، إنما هو بر الآباء للأبناء والأجداد... لقد قرأت الكثير عن المعارك الباسلة التي خاضها واستمر بإوارها بنو معروف في جبل العرب، ويلاحَظ وجود تميّز في مراحل النضال الوطني في جبل العرب، للأسباب التالية:
 
1- اعتماد الثوار لمبدأ الحشد قبل الانطلاق للمعركة، حيث تخفق بيارقهم فوق رؤوسهم، وتُلقى القصائد الحماسية، وتنهال النخوات، وتعزف المجاوز ألحانها، ويتعاهدون على التضحية والإقدام وخوض القتال، بكل بسالة وشجاعة، حيث يلحق العار كل شخص يصاب بظهره أو يتخاذل، وهذا العار لا يطاله وحده، بل يطال اسرته وعائلته الكبرى، فلا تُشرب قهوته ولا يُصاهر ولا يجلس في مجلس الرجال.
2- اعتمد ثوار الجبل مبدأ وأسلوب الحرب الصاعقة، وذلك بالهجوم السريع والجريء والخاطف والحاسم، الذي ينهي المعركة خلال فترة وجيزة، لا تسمح للعدو بأي فرصة لإعادة تجميع قواته وترتيب قتاله، او لاتخاذ قرار جديد يناسب تطور المعركة ومتغيراتها.
3- التمسك بمبدأ تدمير وسحق العدو تدميرا كاملا، ومطاردته والقضاء ما أمكن على فلوله المنسحبة.
4- معاملة الأسرى معاملة إنسانية، بل وحتى عدم إهانتهم ولو بالكلام. فمثلا اعترفت الدولة الفرنسية وكتبت صحفها عن ذلك، مشيدة بما لاقاه الأسرى الفرنسيون بعيد معركة المزرعة التي جرت على مشارف مدينة السويداء، من معاملة كريمة ونبيلة من قِبل الثوار.
5- عدم اعتماد مبدأ الدفاع إلا عند الضرورة القصوى، وإن اعتُمد فلفترة وجيزة خلال المعركة. والهدف من ذلك تثبيت تقدم العدو وخلخلة تراتيب قتاله، مع عدم السماح له باحتلال أماكن مسيطرة، ومن ثم الانتقال للهجوم الصاعق والحاسم، بغية تحقيق النصر الكامل.
6- إبداء ضروب من البسالة النادرة التي ترعب العدو اثناء المعركة، وتدمر معنوياته، كاقتحام نيران الرشاشات بصدور المقاتلين، واقتحام الدبابات، ومن ثم قلبها وإشعال النار فيها.
7- سمعة الثوّار وشدة بأسهم التي ينقلها الأعداء الذين نجوا من المعارك التي خاضوها معهم، كانت طابورا خامسا يساند الثوّار، لذلك كانت الجيوش تأتي لحربهم وهي شبه منهارة رعبا من لقائهم.
 
8- إن طبيعة الجبل القاسية مناخا، اعطتهم القدرة على الصبر وقساوة العيش، ومعرفة الأرض واستخدامها في القتال بشكل جيد، واضطرتهم إلى حمل سلاحهم في حلهم وترحالهم، وإتقان استخدامه، بالإضافة إلى عقيدتهم الدينية، التي تدعوهم إلى احتقار الدنيا الفانية، والإيمان بخلود الروح، واستمراريتها عبر أجيال جديدة، وخوفهم من ذل العار والجبن، واعتدادهم بأنفسهم وبحسبهم ونسبهم. كل ذلك جعلهم يتنافسون على الشهادة.
9-  رفضهم لأي مصلحة إقليمية أو طائفية – وكم حاول المستعمرون إغراءهم بها – وتأكيدهم على أنهم جزء من سوريا الأم.
10- الجماهيرية حيث لم يبقَ قرية أو عائلة في الجبل، إلا وأدّت فريضة الدم، وكان يرى في المعركة الشيخ الذي ناهز السبعين من عمره، والشاب الذي لم يتجاوز الخمسة عشرة ربيعا.
11- الديمقراطية في النضال، التي تتجلى بمقدرة أي ثائر بسيط، ان يتحدث ويبدي رأيه ويناقش بكل صراحة وجرأة وعفوية، أي قائد من قادة الثورة، لا يمنعه عن ذلك حارس أو باب، فلا تميّز بلباس أو طعام، او سلاح، او أي مظهر من المظاهر الفوقية.
12- عدم توفّر أي حقل للتدريب على الرماية وركوب الخيل أو فنون القتال. لقد تعلّموا ذلك منذ نعومة أظفارهم بل ان مرحلة الطفولة عندهم كانت قصيرة جدا، فما أسرع أن يرفض الطفل طفولته ويصرّ على تقليد الكبار في العديد من تصرفاته، وخاصة تلك التي تثبت أنه أصبح رجلا.
13- قدرتهم على استدراج العدو إلى المناطق الوعرة والصعبة، التي يعرف الثوار مداخلها ومخارجها، بحيث يصعب على العدو القيام بالمناورة والتطويق، كما حصل في العديد من معارك اللجاه.
14- لا يسمح مذهب التوحيد إلا بامرأة واحدة، أما الطلاق فهو طلقة واحدة لا رجعة عنها مطلقا. فقد لعبت المرأة في الجبل دورا نضاليا رائعا، خلال مراحل الكفاح ضد المستعمرين، وبرزت أسماء بطلات ضربن أروع الأمثلة، كسعدة ملاعب وبستان شلغين وغيرهن عشرات. وقد حرصت المرأة في الجبل، أن يكون زوجها، او أخوها، أو ولدها، في مقدمة المقاتلين، ومن يتقاعس ينعتنه بأقذع الصفات. ولقد كانت تحرص على تربية أولادها، على الشجاعة والإقدام، وكن تزغردن فوق رؤوس الشهداء، وتنطلقن خلف الثوار، لمد يد العون لهم بالماء والطعام، وتضمدن الجرحى وتشجعن المقاتلين على الاستبسال في القتال، بل وكن تتجمعن عند بئر عميقة أو جرف صخري لرمي أنفسهن، طلبا للموت عند بوادر الانكسار، حتى لا تُفتضح أعراضهن، وهذا كان له شأن لدفع الثوار إلى قتال لا خيار فيه، الانتصار أو الموت.
15- لقد كان الاستطلاع ومعرفة قوام وحجم القوات المعادية، وأماكن تحشدها والمحاور التي تتقدم عليها، مبدأ هاما من مبادئ القتال، التي يحرص عليها الثوار. وكانوا ينفذون ذلك بمهارة وخبرة وسرعة، بالإضافة إلى القتال التعرضي لجس نبض العدو ومعرفة نواياه. ولذلك لم يستطع العدو مفاجأتهم إلا فيما ندر من الوقائع.
هذه ميزات الجبل ورجاله وقادته وأهاليه التي جعلت سكانه يتفوقون خلال مئات السنين بالرغم من وجود الظروف الصعبة التالية:
1- قلة عدد سكان الجبل خلال مجمل مراحل الصراع الدموي الطويل.
2- عظمة قوة الدول التي حاربوها عسكريا واقتصاديا وعلميا وعددا، فقد كانت دولا إمبراطوريات تحكم شعوبا ومناطق شاسعة، ولها خبرة واسعة في الحروب والطرق ووسائط الصراع.
3- الحشد الكبير للقوات المعادية والأسلحة من حيث العدد والمعنوية من المدفعية والدبابات والطيران والرشاشات مع وفرة في المعدات والاحتياطات المادية والبشرية، حيث يقودها خيرة القادة من المستعمرين خبرة وحنكة.
4- افتقار الثوار لأي نوع من أنواع الأسلحة بل حتى للبنادق وكثيرا ما كانت أسلحتهم بدائية كالسيف والبلطة بل والعصي.
5- استخدام المستعمر لسلاح مقيت ومؤثر وهو مقاتلة ثوار الجبل في الكثير من الأحيان على خلفية عنصرية طائفية ومذهبية، وذلك بغرض تطويقهم وعزلهم وإضعافهم ثم تدميرهم.
6- مع قلة وضحالة العتاد العسكري، كان من الواضح أنهم لا يملكون اية احتياطات مادية من سلاح وذخيرة وطعام ولباس، بل وحتى ندرة الاحتياطات البشرية التي تغذي المعركة.
7- عدم وجود أية شؤون طبية بل وحتى قدرة ومعرفة على القيام بالإسعافات الأولية في ساحات القتال.
8- الواقع الجغرافي للجبل، فصغر مساحته وإمكانية تطويقه وعزله وعدم وجود أي منفذ نهري أو بحري للدعم او للاتصال مع قوى مساندة للثوار، وقلة موارده وخاصة المياه تجعل منه منطقة معزولة يمكن احتلالها خاصة وأن الدول العربية في ذلك الوقت كانت خاضعة للاستعمار.
9- عدم وجود أي دولة كبيرة كانت أو صغيرة، تساندهم او تشد من أزرهم، أو تمدهم بالمال والمؤن والسلاح ولا حتى إعلاميا أو سياسيا. 