الثورة السورية
بقلم الأستاذ فارس قاسم الحناوي
عن كتابه "صراع بين الحرية والاستبداد" دمشق 2000
بعد ركود الثورة السورية العامة الكبرى التي فجّرها جبل العرب بقيادة الوطني الكبير عطوفة سلطان باشا الأطرش والتي استمرّت سنتين جرى خلالها عشرات بل مئات المواقع الحربية أهمها معارك تل الحديد، الكفر، السويداء المزرعة، المسيفرة، أم الرمان، صلخد، ومعارك اللجاه اشترك فيها ابناء الجبل كافة وانتقلت إلى دمشق والغوطتين ووادي التيم والبقاع وجنوب لبنان، وكان أشهرها ضراوة معركة راشيا واحتلال قلعتها الحصينة. وقد كلّفت هذه الثورة الأمة الألوف من الشهداء، أكثرهم من أبناء محافظة الجبل الأشم ومن دروز الغوطة والجولان. وكان عدد سكان الجبل وقتذاك 42 ألف نسمة فقط.
كانت الثورة حجر الزاوية في تاريخ استقلال سوريا وكانت القدوة للانتفاضات الشعبية في العالم العربي، وهي الثورة الوحيدة التي ترفّع قائدها ومفجّرها عن حيازة اي منصب أو رتبة أو راتب أو ترسيخ جذور طائفية، بعد أن بذل الفرنسيون جهودهم لدعم دولة جبل الدروز وجعلها إمارة مستقلة عن سوريا الأم. بل كان همّ الثوّار بقيادة سلطان باشا الأطرش ومعاونيه وأنصاره البررة تحرير بلده من رجس الاستعمار وإلغاء التقسيم التي أجرته السلطة المنتدبة وإعادة ما ضمّه الجنرال غورو من سوريا إلى لبنان من أراضٍ. كما كان يتطلّع الثوّار إلى الوحدة العربية الشاملة. وقد كتب البحاثة والمؤلفون عشرات الكتب وصدر عشرات الدراسات وكتب الكثيرون من الأجانب وقيلت مئات القصائد الشعرية من المواطنين ومن شعراء المهجر الذين كان اشهرهم حماسا الشاعر القروي الذي أعطى الثورة حقّها من الاعتراف والتقدير. وتحرّكت اقلام المؤرخين لتسجّل مآثر تلك الثورة الخالدة التي قلّل من أهميتها الكثيرون من أصحاب الأقلام الرخيصة المأجورة وفي مقدمتهم الدكتور جورج حداد بكتابه "الدروز" الذي ألّفه ونشره باللغة الفرنسية وتطاول به كثيرا على أخلاق وعادات الطائفة الدرزية ونسب إليها اشياء غير مألوفة، وكان تأليف الكتاب ونشره عام 1926 أي في زمن الثورة، وما كتبه كذلك الدكتور فيليب حتي عن الدروز وأصولهم، علما أنه كان من موظفي المعارف في زمن الطاغية "كاربييه" في مدينة صلخد وكان من أزلام الفرنسيين والمخابرات في فئة المعلمين.
تحمّل الدروز أعباء الثورة والخسائر الجسام غير مبالين ولا هيّابين من فداحة الخسائر وتعداد الشهداء الأبرار وهجرة الديار. ولم يكتفِ الدروز في الثورة في معاقلهم بل كانت قد تجاوزت معهم قرى الدروز كافة في الإقليم والجون ووادي التيم ووادي العجم والغوطة ولبنان الجنوبي والبقاع، وكانت كلها ميادين للقتال والنضال وقاتل الدروز خارج مناطقهم، قاتلوا في المنطقة الوسطى من سوريا بين حماة وحمص، وقاتلوا في جهة بعلبك والهرمل. وتسلّم الدروز جرمانا أحد محاور الهجوم على دمشقورُبع المقاتلين الذين استُنفروا للجهاد في داخلها هم من دروز جبل العرب. وعبء القتال في الغوطة ألقي على عاتق مجاهدي الدير علي وصحنايا والأشرفية. ويذكر محمد سعيد العاص في كتابه "صفحة من الأيام الحمراء" ص 116 أن ال 330 مجاهدا درزيا كانوا يعملون في الغوطة من اصل 390 مجاهدا. ويكفي شاهدا على ما نقول ما كتبه الجنرال الفرنسي أندرية في كتابه "ثورة الدروز وتمرّد دمشق" :قامت عصابات مسلّحة في أماكن أخرى غير حبل الدروز كلّفتنا الشهور الطويلة لملاحقتها، ولكن اهل تلك البلاد ظلوا هادئين. أما في جبل الدروز فالأمر يختلف كليا إذ أن شعبا بأكمله انتصب لمقاومتنا. ويضيف: إن هذا الجبل على صغره أنزل بنا أضرارا لم نلاقها من غيره. وكتب الصحفي منير الريّس بعد ترجمته "الكتاب الذهبي لجيوش الشرق" الكثير عن أمجاد الثورة وصلابة الثوّار. وكتب كذلك محيي الدين السفرجلاني والكاتب حنا ابو راشد وفوزي القاوقجي أشاء كثيرة عنهم.
لقد تعرّض المجاهدون الشرفاء للنقد والتحريض والتقليل من قيمة نضالهم، ولم ينصفهم مؤلفو الكتب المدرسية ولا واضعو التاريخ السوري.
إن الثورة السورية العامة بقيادتها الحكيمة ومبادئها السليمة لم تكن درزية طائفية، بل كانت مشروعا قوميا كبيرا استمدّ أسبابه الرئيسية من رفض الانتداب الفرنسي ومن التصميم على محاربته، وقد انبثق مبدأ الثورة من إلمام عميق وأصيل بالعروبة والوطن ومن إرادة داخلية استوحاها المناضلون الأحرار من المناضل الكبير والزعيم الوفي المخلص سلطان أطرش. ولم يكن الأجنبي اية علاقة للثورة، كما لم يكن المنصب والمغنم هدفا للثوار، بل أن الهدف الأسمى الذي كانوا يتطلعون إلى تحقيقه ويؤمنون ببلوغه هو تحرير البلاد وصيانة استقلالها.  