قصة: أيتها الأخرى
قصة بقلم سهام ناطور (عيسمي)



جلست سعاد في فناء غرفتها، وأطرقت وبدأت تفكّر وهي لا تعرف أهي سعيدة أم تعيسة، وتضاربت مشاعرها بين بعض الندم، وبين الفخر والاعتزاز، ودارت بأفكارها هنا وهناك، تقلّب وتحلّل وتقيّم ما فعلت. وسرحت بعيدا إلى أيام شبابها، حيث كانت فتاة جميلة أنيقة، غاية في السحر والدلال، نشأت في بيت قيادي محترم، لا ينقصه شيء، وتهافت عليها الخُطّاب، وكان كل واحد منهم أجمل وأرقى وأنسب من الآخر، واختارت من اختارت، وعاشت سعيدة كل حياتها، إلى أن وصلت إلى هذه اللحظة. نهضت سعاد ونظرت إلى الأريكة القديمة في غرفتها،  التي تذكرها منذ عشرات السنين حيث أحضرها والدها من أفخر الأماكن في نابلس، ووضعها في ديوانه الفخم، وجلس عليها كبار القادة والزعماء. لكن ألوانها بهتت مع الوقت، وتضعضعت بعض أركانها، وهي اليوم قابعة في إحدى غرف أهلها، التي تسكن فيها الآن.
قصة سعاد لا تخطر على بال، ومهما فكّر كُتاب المسرحيات والمسلسلات، لن يصلوا بسهولة إلى ما فعلت. وكثيرا ما يقولون جملة مبتذلة، وهي أنه أحيانا توجد حقائق أغرب من الخيال، لكنها هي الآن أمام إحدى هذه الحقائق: تزوّجت سعاد أجمل شباب القرية، أحبته وأحبها، وهو من أبناء عمّها، وكلهم من قادة القرية ومن زعمائها. وسعدت بأيامها، وكان زوجها محبّا مخلصا مضحّيا، لم ينقص عليها شيئا، لكنه عانى وإياها من مشكلة جسيمة كبيرة، وهي أن السنين مرّت، ولم يمنّ عليهما الله بولد أو بنت، وبذلا كل المحاولات، ولم تظل وصفة أو استشارة أو خطة، إلا استعملاها، ولم تنجح اي هذه المحاولات، ومرّت حوالي عشرون سنة، ولم يتغيّر شيء، إلا شيء واحد، أنه بعد الفحص والبحث والتدقيق، تبيّن أن السبب في العقم هو فيها، وأنها سيدة عاقر. أما زوجها فقد عرف هذه الحقيقة، ولم يذكر أمامها اي ملاحظة تنمّ عن تذمّره او استيائه، بل بالعكس، غمرها بالمحبة وحاول دائما أن يواسيها وان يعزيها، بأن هذا هو أمر الله، وأنهما قابلان لأمره بالرضى والتسليم، بالرغم من أنهما غير متدينيْن. وفكّرت سعاد مليا، وبما أنها نشأت في بيت اصيل، وتعيش في بيت كريم، وزوجها أحد الزعماء والقادة، والبيت بحاجة لأولاد يسندون أباهم في كبره، ويملأون عليه البيت، اتّخذت قرارا جارفا، قريبا من الخيال، وهو أن تجد  هي له امرأة تتزوجه بعد أن تطلب منه الطلاق. وشعرت بالراحة عندما وصلت إلى هذه النتيجة، وأحست بالاعتزاز والفخر، أن زوجها يحبّها وهي تحبّه، وأن من أركان الحب التضحية، وهي سعيدة معه وهي سعيدة ببيته، وهي تقوم بكل واجبات الضيافة والقيادة، وهي فخورة ومستمتعة بذلك، وهي تشعر أنها في عز، وإذا تركت هذا البيت ستفقد الكثير، ليس لأن بيت أهلها أقل من ذلك، فهو ايضا بيت قيادي، لكن مكانتها كمطلقة تختلف، حتى لو كان السبب من اشرف الأسباب، وهي بإمكانها أن تظل في هذا المكان وزوجها راضِ بذلك إلى آخر العمر، لكنها تعرف أن زوجها له طموحات وعنده قدرات، ويمكن أن يخدم المجتمع والقرية أكثر إذا كان ابا لأسرة، وهو غير مذنب بما حصل، وهي تعلم أن كثيرين غيره كان بإمكانهم بعد أربع سنوات أو خمس سنوات أن يقولوا للمرأة، أنت السبب ويطلقون سراحها. أما هو لم يفعل ذلك، إخلاصا وتفانيا في حبها، وهي التي ستعطي نموذجا وقدوة لكل امرأة في وضعها، أن تفعل ما فعلته. قامت بالدرجة الأولى بالبحث عن عروس ملائمة تليق بمكانة زوجها، وتتوسّم فيها أن تقدّم كافة الواجبات والفروض التي يتطلب زوجها ومركزه. ووجدت هذه المرأة وفاتحتها بالموضوع، ففوجئت تلك بهذه المرأة الملاك، التي تعرض أمامها أكبر آيات التضحية، وبكت من التأثر، وجلست المرأتان تمسحان دموعهما، وبعد أن حاولت أن تتمنع، احتراما لها وفي محاولة أن تضغط عليها أن تفكّر وأن تتراجع، إلا أن سعاد أقنعت الفتاة أنها صادقة في خطوتها هذه ومقتنعة بها، فرضخت الأخرى للأمر وقبلت. وكانت المرحلة القادمة مفاتحة زوجها، وجمعت كل قدراتها العقلية، وكل تجاربها، وكل ذكائها، وجلست مع زوجها قائلة إنها تقدّر وتحترم المركز الذي هي متواجدة فيه، وأن زوجها قد يكون من قادة القرية ومن ابطالها ومن أركانها، وأنها ترجو له ذلك، وأنه كان بودّها أن تستمر لكنها .... ومسك زوجها يدها متبحّرا في عينيها، كـأنه فهم ما تريد، وأنه لا يقبل ذلك. فأجهشت بالبكاء قائلة إن هذا نصيبي من الحياة، وقد حصلت على أكثر ما أتوقع من حب واحترام وتقدير منك ومن أهلك ومن أقاربك، ولحبي لك ولإيماني أنك عظيم وإنك يمكن أن تصل إلى درجات عالية، إقبل خاطري وامنحني الطلاق، وقد وجدت لك العروس المناسبة التي تليق بك، ونأمل أن تنجب لك العديد من الأولاد. وكان هذا الفارس المغوار، الرجل الصلب الحديدي ،الذي لم تنخفض عيناه يوما في موقف ضعف، ضمّ زوجته بحرارة وبكى كالطفل.  فقد ذُهل وفوجئ من عظمة هذه التضحية، ومن حجم الحب والتقدير الذي تكنّه له زوجته، وحاول أن يثنيها عن قرارها، بأنه لا يهمّه في الحياة إلا أن يكون سعيدا وإياها في أي ظروف كانت، لكنها انطلقت في كلامها، وكأن الله منحها في تلك اللحظات فصاحة المنفلوطي وجبران، فنطقت بكلمات عن الحياة وعن القيادة وعن الرسالة وعن الزعامة وعن الموقع الذي يعيشونه وعن المخاطر التي يواجهون كقرية، وأن هذا يتطلب زعيما قائدا متكاملا بكل الصفات.  وبعد أن تأكد أنها اتخذت قرارا لا رجعة فيه، كبّر فيها هذه المجازفة، وهذه المخاطرة، وأعلن أنه يقبل خاطرها رضوخان لأنها هي تريد، وأنه يترك لها البيت ونصف أملاكه وكل ما تريد، ولا يمكن أن يكافئها على ما قدمته من أجله. أما هي، فقد كانت أكبر من ذلك وقالت: أنا لا أريد من الحياة شيئا. أنا أعود إلى بيت اهلي معززة مكرمّة، وآخذ معي فقط الأشياء التي ألمس فيها ذكرى لك، وسأدعو لك طوال حياتي بالتوفيق والنجاح والخير والذرية الصالحة والرفاء والبنين، وكل ذلك من كل قلبي ومن كل جوارحي، لأنني أحببتك وأحبك وسأحب أولادك... 