كلمة العدد: هم يقولون: إننا من أشرف الأمم...

دُعيت قبل حوالي عشر سنوات، للمشاركة في مؤتمر السلام العالمي في مدينة سيئول في كوريا الجنوبية، وتحدّثت هناك أمام حوالي 500 مشترك من العالم، بينهم ابنة السيد نلسون مانديلا، ورؤساء جمهورية سابقين، ووزراء ونواب ومثقفين، وأصحاب مناصب من جميع أنحاء العالم، وكان حاضرا من الدروز، الناشطة الاجتماعية، الأخت أم سليم سهام خضر، والفنان الكبير الدكتور عماد أبو عجرم من بعقلين، ضمن وفد لبنان. تحدثت عن الطائفة الدرزية ودورها في استتباب الأمن والسلام في دول متناقضة كدول الشرق الأوسط، بالرغم من أن تعداد أفرادها في كل أنحاء العالم، لا يتعدى مليوني نسمة.  وبعد المحاضرة، توجّه إلي أحد المشتركين قائلا: إنه مدير دائرة الشرطة في ولاية مونتريال في كندا، وله معارف من الدروز هناك، ذكر لي أسماءهم، وكنت أعرف بعضهم، وتوجّه إلى الحاضرين قائلا: أريد أن أخبركم أن الجالية الدرزية في مونتريال، هي من أرقى الجاليات، وأني كمدير بوليس أشهد، أنه لم تُسجل ولا أي مخالفة ضد أحد من أبناء الطائفة الدرزية، بينما سُجلت مخالفات ضد بعض أبناء الجالية اللبنانية الآخرين، وكذلك ضد أبناء الجاليات العربية. وأضاف: " لدينا مشاكل كثيرة مع أبناء جاليات من دول مختلفة، لا أريد ذكرها الآن، يكثر فيها الإجرام والزنا والسكر والفساد وأمور أخرى لا تروقنا، ونحاول أن نتغلب عليها، بينما نعتز ونفتخر بإخواننا أبناء الطائفة الدرزية، الذين ثبت أن كل ما قيل عنهم في المحاضرة هو صحيح.".
وقد تبيّن لي بعد العودة والبحث والتنقيب، أن وضع الجالية الدرزية في مونتريال، هو جزء من وضع الجاليات الدرزية بأكملها في كل أنحاء العالم تقريبا. وقد تعمّقت بدراسة الموضوع وتقصّيت الحقائق واستفسرت من أصدقائي ومعارفي أبناء التوحيد في العالم، فتوضحت لي الصورة التالية، التي يمكن أن ترفع رؤوسنا جميعا في كل موقف وفي كل مكان وهي:
 أن أبناء الجاليات الدرزية في أمريكا وأوروبا وأفريقيا وآسيا والدول العربية، هم نخبة ممتازة من أبناء التوحيد، تركوا بيوتهم وقراهم وأهاليهم في الشرق، وتوجّهوا إلى تلك البلاد البعيدة، أولا هربا من الظلم والملاحقة والإجحاف، وثانيا طلبا للرزق الحلال، وجابهوا هناك اصعب المواقف وأعقد الأمور، فلم يكن أحد يستقبلهم ليرعاهم ويسهّل عليهم الاندماج في المجتمع الجديد، وإنما اضطروا، بالرغم من أنهم لا يعرفون اللغة كما يجب، وأنهم ليس لديهم مهنة مميزة، لكن كانت تحدوهم رغبة صادقة في ان ينجحوا، وألا يكونوا وصمة عار على مجتمعهم. فعمل الكثيرون منهم كبائعين متجولين في البداية، إلى أن استقرّت بهم الأمور، واستطاعوا أن يثبّتوا اقدامهم، وان يبنوا بيوتا لهم، وأن يكوّنوا اسرا، وان يصبحوا مواطنين عاديين كباقي مواطني تلك الدول. لكن ذلك لم يرضِ طموحهم، فهم لم يأتوا إلى هذه البلاد ليعيشوا حياة كان يمكن أن يعيشوا مثلها في بلادهم، وإنما انبهروا إما بالديمقراطية، او بفرص العمل، أو بالإمكانيات المتوفرة في هذه البلاد، فزادت الحوافز لديهم كي يتقدّموا وكي ينجحوا أكثر، ولكي يثبتوا وجودهم أمام جيرانهم الجدد، وأمام أهاليهم في بلاد المنشأ. والحقيقة تقال، إن من يسعى بجد وإخلاص وبنيّة صافية ويضحّي من أجل أن يستر نفسه وأهل بيته، ومن يسلك الطرق المستقيمة المشروعة، ويعتمد على سهره ونشاطه وتحمّله، فإن الله، سبحانه وتعالى، يوفّقه ويأخذ بيديه، ويفتح الفرص أمامه، فينجح ويتقدم.  وهذا ما حدث مع غالبية المهاجرين الأوائل الدروز، فقد ذاقوا مرارة العيش، وتحمّلوا الكثير، لكنهم نجحوا في النهاية، واستقرّوا في تلك البلاد. وعندما حقّقوا بداية ما كانوا يرجونه، أخذوا يستقبلون كل مهاجر جديد من أبناء طائفتهم، فيوفّرون عليه عناء الاستيعاب ويدعمونه، ذاكرين له ان الحياة الجديدة تتطلب جهدا أكبر، وتضحية عظمى، كي يستطيع الإنسان ان يرسّخ جذوره. لذلك تقدّم أبناء التوحيد في مساكنهم الجديدة، وأصبحوا من البارزين في مجتمعهم، وكانوا مُحرَّرين من رواسب الجهل والتخلف التي قيّدتهم في الشرق، فتوجّهوا إلى الجامعات، وبرزت مواهبهم في الصناعة، وفي الزراعة، وفي كافة الأمور التي امتازت بها تلك الدولة. وهكذا نشأت مع الوقت، طبقات مميّزة من أبناء الطائفة الدرزية، تسكن في أماكن مختلفة من العالم، وتحاول بقدر الإمكان، ان تحافظ على كيانها وعلى وجودها، لكن مستواها الثقافي والاجتماعي والفكري أصبح أعلى بدرجات من مستوى ما يقابلها من أقارب ممن بقي في القرى التي خرجوا منها.
ولا شك أنه كان من بين الذين تركوا بيوتهم وبلادهم وهاجروا، عدد لا بأس به من الشباب او الرجال، الذين لم يتحلّوا بذلك الصبر، وبالعزيمة، وبالمقدرة على التغلب على الصعاب، أو أنهم لم يحالفهم الحظ كغيرهم، وشعروا بالإحباط، وبخيبة الأمل، وكان من الممكن أن يتدهوروا إلى عالم الإجرام والرذيلة، لكن ما حدث في الغالب، هو أن نفوسهم الأبية والشعور بالكرامة والزهو كدروز موحدين، منعهم من التدهور، وفي نفس الوقت قام  الرجال الأقوياء في الجالية الدرزية وتحدثوا معهم، واقنعوهم بأنهم استنفذوا كل قدراتهم في هذه البلاد، وأنه بما أنه لا امل أن يتقدموا، فإنهم ينصحونهم أن يعودوا إلى بلادهم، حيث يوجد لكل إنسان، ارض واهل وقرية وبيئة حاضنة، فإذا كُتب عليه ان يعيش فقيرا، فليفعل ذلك في منطقة يعرفها، وبين اهله وجيرانه الذين تعوّد عليهم وتعوّدوا عليه، وإذا تعذّر على ذلك الشخص، الحصول على ثمن تذكرة الطائرة او السفينة، كان أهل الخير في الجالية، يجمعون ثمن التذكرة، ويؤمنونه له، ويدعون له بالعودة سالما. بهذه الطريقة الذكية الراقية التضامنية التوحيدية المميزة، استطاع أبناء التوحيد ان يحافظوا على مستوى رفيع لتواجدهم في المهجر.
ومن يحاول اليوم، أن يدرس أوضاع المهاجرين الاجتماعية، يجد ان أبناء الجاليات الدرزية، هم في الطبقة العليا من كل مجتمع يعيشون فيه، وأن نسبة التعليم والرقي والتمدن والتحضر الموجودة لدى المغتربين الدروز، قريبة من مائة بالمائة، فهم من الصفوة المختارة في كل مجتمع،  وقد برز عدد لا بأس به منهم، في المجالات القيادية والسياسية، فمنهم الوزراء، وأعضاء البرلمان، وكبار السياسيين، ومنهم الأطباء والمهندسون والمحامون والعلماء والمدراء والمبادرون وأصحاب رؤوس الأموال والأساتذة الجامعيون ومدراء الشركات وأصحاب المصالح والمصانع والمشاغل والمؤسسات الكبرى وغيرهم  من الشخصيات البارزة. وقد تعرفنا على مئات العائلات الدرزية المغتربة، ووجدنا أن الأب والأم جامعيان وبذلك رفعوا جميع الأولاد والبنات إلى مرتبتهم. ومع أنه توجد في الشرق عائلات جامعية متقدمة إلا أن نسبتها ما زالت مقتصرة على جزء من أفراد المجتمع وليس على الجميع مثلما هي في بلاد الانتشار.   
ولهذا وبعد أن استقصينا الحقائق وجمعنا المعلومات ووصلنا إلى نتيجة أن عائلات درزية متفرقة، تسكن تقريبا في جميع دول العالم، بعد أن هاجرت من سوريا ولبنان وإسرائيل، وأنها هناك تمتاز بمراكز اجتماعية عالية ورفيعة، وفي بعض الدول توجد جمعيات، وفي بعض الدول هناك محاولات لتأسيس جمعيات، حيث اعلم من لقائي ببعض الإخوان في بعض الدول في السابق، أنه لا توجد لديهم جمعية منظمة، لكنهم يحاولون في الأعياد أن تجتمع عدة عائلات منهم في مكان معين، وأن تحتفل، خاصة بعيد الأضحى وهي بذلك تحافظ على شعورها وانتمائها.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك، الذي يحتفل به كل موحد في أي بقعة من العالم،ومن على صفحات "العمامة" نتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى، أن يرعى ويحمي ويشمل جميع أبناء الطائفة الدرزية، بحنانه وعطفه، وأن يحفظ بناتهم وابناءهم، وان يظلوا في مواقعهم الجديدة رافعي الرؤوس، شامخين معتّزين لانتسابهم إلى أهل السماح والمعروف، ودائما يثلج صدورنا ويبعث الحرارة في نفوسنا أن نعلم أن الآخرين يقولون عن الطائفة الدرزية انها من أشرف الأمم..
 
وكل عام وأنتم بخير.

والله ولي التوفيق
سميح ناطور
آب-ايلول 2017

Image