كلمة العدد: عندما دمعت عينا الشيخ الرصين الوقور

 
ورد في حديث للأستاذ المحامي زكي كمال، مدير المحاكم الدينية الدرزية الثاني، عن قضية طلب طلاق، جرى البحث فيها، برئاسة فضيلة المرحوم الشيخ أبو كامل سلمان طريف، قاضي المحكمة الدينية الدرزية في حينه، وذلك في نطاق كتاب صدر عن المرحوم الشيخ أبو حسن كامل طريف حيث قال:
 " قدّمت سيدة شابة لها ثلاثة أولاد، متزوجة من رجل مستور، لكنه كان أقل منها فكرا وعلما، وكانت شخصيتها أقوى من شخصيته. وكان الفرق بارزا بين الجهتين. وقد أعلنت أنه لم يفعل أي شيء يضرها، أو يمس بكرامتها أو يضايقها، وتحدثت عنه بشكل إيجابي من ناحية صفاته وتصرفاته وأخلاقه، ومن ناحية قيامه بواجبه الأسري وتعاونه مع الأولاد وتصرفه اليومي مع الأسرة. ومع كل هذا، طلبت الانفصال، معتبرة أن ثقافتها أعلى منه، وأن الفروق شاسعة بينهما، وأنها لا تستطيع الاستمرار في الحياة كما فعلت حتى الآن. وقد عُيّنت جلسة خاصة للنظر في هذه القضية، برئاسة الشيخ القاضي أبو كامل سلمان طريف، وعضوية الشيخ القاضي أبو حسين لبيب أبو ركن، وكنت كمدير محاكم شاهدا على مجريات الجلسة. وكانت الجلسة بحضور الزوجة والزوج والأولاد الثلاثة، وكان أكبرهم سنا عمره ست سنوات. وقد بدأت الجلسة في التاسعة صباحا، واستمرت حتى السادسة مساء بدون توقف، وحاولت المحكمة أن تصلح بينهما ذات البين. وخلال الجلسة لم يحدث أن توجّه الأولاد إلى أمه،م أو نظروا إليها أو تحدثوا معها وكأنها غير موجودة، رغم أنها كانت أمامهم. وبعد محاولات إقناع كبيرة من القاضي الشيخ أبو كامل، دعمه فيها الشيخ أبو حسين لبيب، وبعد أن دُرست الأمور من كل الجوانب، أوصلت المحكمة الزوجين مع كل هذا، إلى اتفاق يلغى طلب الطلاق، وتستمر الألفة الزوجية وتعود الحياة إلى مجاريها، حيث وُضعت شروط لأبسط الأمور، مع احترام جميع الأطراف. وعند الانتهاء من المحكمة، كان شرط الشيخ أبو كامل، أن توقع الزوجة قبل الزوج، وبعد توقيعها يوقع هو. وعندما قُدّمت الأوراق للزوجة ووقعت عليها، إيذانا أنها موافقة على الشروط، وأنها ألغت طلب الطلاق، فرح أولادها الثلاثة، وانقضّوا عليها كالصاروخ، وأخذوا يقبّلونها بالرغم من جو الجفاء الذي كان من قبل. ورأيت المرحوم الشيخ أبو كامل سلمان طريف مع شخصيته الموقرة، وسحنته الجدية، وكبريائه وعنفوانه، يذرف الدموع فرحا وبهجة بهذه النتيجة."
تثبت لنا هذه الحادثة من جديد، ما نعرفه عن شيوخنا الأفاضل على مرّ العصور، وهو الحكمة، والتجربة، والنية الصافية، لتنفيذ ما أُنيط بهم على أحسن وجه، والأناة، والصبر، وعدم اليأس، والمثابرة، والمحاولة الدائمة، والإقناع بكل الوسائل وبكل الطرق، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، وأمور كثيرة مشابهة. فالمرحومان، الشيخ سلمان والشيخ لبيب، كانا في طليعة مشايخنا وقادتنا، وقد تميّزا في هذه القضية، ومعهما المثقف الأستاذ زكي كمال، بصفات نادرة، حيث رأوا الصورة الشاملة، من حيث حدوث طلاق ونفور، وتشرّد للأولاد، وخصومات وتراشق بين العائلات، ومواقف غير حميدة، تلازم كل مطلق أو مطلقة. ونادرا ما ترى مسئولين بهذه الدرجة، يضحون بتسع ساعات من أوقاتهم الثمينة، من أجل إقناع سيدة لم تعانِ من مشكلة حقيقية، وإنما كانت كل قضيتها، قضية مزاج وشعور بالتعالي. وهنا تكمن القوة فيهم، حيث حدّدوا نقاط الضعف في موقفها، وبأنها ليست على حق، فزوجها لم يقصّر في شيء، وإنما بذل كل ما يعرف، وكل ما يوجد بجعبته، من أجل إسعاد الأسرة. وقد وفقهم الله للوصول إلى حلّ يرضي جميع الأطراف، ولا شكّ أنهم وفّروا على الأولاد، كثيرا من العذاب والحرمان والبؤس.
وهنا نشدّد ونقول، إننا لا نركّز على هذه الحادثة بحدّ ذاتها، وإنما نأخذها كمثال وكمنهج حياة، نفضّل أن يكون نبراسا لنا في حياتنا، ومسلكا لنا في تصرفاتنا، وهو أن نرى النور في آخر النفق، وأن نأمل أن نصل إليه، بعكس أولئك الذين يحسمون الأمر بسرعة، ويتخذون قرارات غير مدروسة، قبل أن يحاولوا إصلاح ذات البين. ومجتمعنا لا يخلو من المشاكل، مثل أي مجتمع آخر في العالم، فالإجرام والرذيلة والخيانة، وكل الأمور المشابهة، موجودة لدينا، مثلنا مثل غيرنا. لكننا نختلف عن الباقين، بأننا نملك الضوابط والمناهي والمحذرات والمراجع، التي انبثقت من تعاليم ديننا الحنيف، وسدّدت خطانا في جميع مجالات حياتنا. وإذا أخذنا الحادثة المذكورة كمثل، فنحن نرى أن الدين الدرزي، منح المرأة الحق أن تطلب الطلاق. وهذا الأمر غير شائع في أماكن أخرى، والمرأة الدرزية هي من أكثر النساء في العالم سعادة، كونها تنتمي إلى دين التوحيد، الذي يساويها ويمنحها الحقوق الكاملة، إن قامت بكل واجباتها كاملة، ولا يفرق بينها وبين الرجل بتاتا. فكل ما هو مسموح للرجل، مسموح للمرأة، وكل ما هو ممنوع على الرجل المتدين، ممنوع على المرأة المتدينة، ويظل الأمر محصورا في قضية الضمير والصدق في الأعمال والأفعال، بين الانسان ونفسه، وبينه وبين خالقه. واعتمادا على ذلك نقول: "هيّئوا الفتاة وأرشدوها، واجعلوها تعرف كل ما لها وما عليها، واتركوها تفعل ما يمليه عليها ضميرها." وانطلاقا من هذا المبدأ، إذا نظرنا حولنا اليوم، ونحن في ذروة إنجازات القرن الواحد والعشرين، وفي خضم التقدم التكنولوجي، وفي أوج الانفتاح الحضاري، وفي صميم التعليم الجامعي للفتيات أسوة بالفتيان، وفي انفتاح المجتمع الدرزي واحتكاكه بمجتمعات أخرى بدرجات كبيرة، وفي تعرض أبنائنا وبناتنا لكافة المغريات الشيطانية في الإنترنت والتلفزيون والفيديو والصحف، إذا نظرنا إلى وضعنا، نحمد الله، سبحانه وتعالى، ألف مرّة، لأن غالبية أبناء مجتمعنا، والغالبية الساحقة من بنات مجتمعنا، ما زالت شريفة، وما زالت تصون نفسها، وما زالت متقيّدة بالتعاليم وبالعادات، بالرغم من كل الضغوطات التي تشدّها إلى الانحراف. ولنشرح ذلك بشكل أوسع: حوالي 60 % من سيداتنا فوق الخامسة عشرة وحتى التسعين هن متدينات والحمد لله، ومن يريد إثباتا لذلك، فليذهب إلى الخلوات التي تغص بالنساء من كافة الأعمار، وليأتِي في ليالي العشر المباركة، ليرى الوهج التوحيدي المتألق في خلواتنا، من قِبل النساء اللاتي تصلن إلى الخلوات، عن اقتناع وعن إيمان صادق صحيح، فهناك مئات السيدات متدينات، ولكن أزواجهن غير متدينين، أي أن لا احد أجبرها على ذلك، وإنما هي تختار هذا النمط من الحياة بمحض إرادتها. وفي طبيعة الحال، هي شريفة، نقية، طاهرة، لأنها تعرف ما لها وما عليها. وإذا أتينا للنظر بالأربعين بالمائة (40%) الباقية، نرى أن الأغلبية الساحقة منهن، هن متعلمات، مثقفات، ناضجات، ابتداء من دبلوماسيات، إلى محاضرات في الجامعة، إلى محاميات، إلى طبيبات، إلى عاملات اجتماعية، إلى مرشدات نفسية، إلى مفتشات تعليم، إلى مديرات مدارس، إلى معلمات، إلى موظفات، إلى صاحبات مهن حرة، وإلى مئات العاملات، اللاتي تشتغلن في أماكن عمل منتظمة ومحترمة ولا غبار عليها.  بعد كل هذا نبقى مع أقلية ضئيلة جدا جدا، لا يعرف حجمها إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا أخذنا أي قرية، او أي تجمع سكاني للدروز، نجد أن هناك عددا يتراوح بين 50 – 100 سيدة أو فتاة، تلوّثن هذا المجتمع، وتصبغنه بالسواد، لأن العين البشرية العادية، لا ترى إلا الانحراف، أو القباحة، أو الرذيلة، ولا تنتبه إلى الرزانة، والرصانة، والاحتشام. فإذا مرّ أحدهم بعرس، فيه ألف امرأة، لا يهتم بالغالبية الساحقة من المحتشمات، وإنما يلفت النظر، وجود عدد قليل، لم تتقيدن باللباس المقبول، وإنما كان هناك، إما تنورة قصيرة، او قميص مكشوف، أو أي شيء آخر مشابه. حتى هذا لا يعني أن هذه الفتاة أو المرأة، تمارس الرذيلة، فربما يكون ذلك، مجرد هوس، أو نوع من التصنع والتقليد الأعمى، أو تعبير عن كبت معين، والإعلان عن تمرّد يتمّ فقط عن طريق اللبس لا أكثر. ولا ننكر أن في مجتمعنا بعض النساء غير المقبولات اجتماعيا، وهذا لأسفنا الشديد موجود في كل مجتمع درزي، أو غير درزي، وهذا الثمن يجب أن ندفعه، من أجل الحصول على الديمقراطية، وعلى المساواة، وعلى الانفتاح، وحبذا لو انعدمت هذه الظاهرة كليا. وكما قلنا، إننا نرى السلبي، وهذا ليس حكرا علينا فقط، وإنما هو مغروس في نفوس جميع أبناء البشر. وقد جاء في بعض الأبحاث العلمية، في علم الاجتماع والتربية، أن أحد المعلمين، طلب من تلاميذ صفه أن يكتبوا خواطرهم في نطاق درس الإنشاء، فوزع على كل طالب منهم ورقة بيضاء فيها نقطة سوداء في الوسط، ذاكرا أن يكتب كل طالب ما يخطر بباله عن ذلك. وبعد ان جمع الأوراق وراجعها، لاحظ أن جميع الطلاب والطالبات، دون استثناء، تركزوا في النقطة السوداء الصغيرة، ولم يهتموا بالمساحات البيضاء الكبيرة حولها.
هذه هي طبيعة الجنس البشري، وواجبنا أن نكون يقظين لذلك، وألا نثور على كل كبيرة وصغيرة في مجتمعنا، وأن نرى النصف المليء من الكأس، وليس النصف الفارغ، وأن نتقيّد بما منحنا أنبياؤنا، واسيادنا، وشيوخنا الأفاضل، من تراث عريق، ومن أعمال موجِّهة، ومن وصايا، يمكننا أن نستعين بها ونستعملها في أصعب الظروف.
ونحن اليوم، نحتفل بزيارتين لمقامين شريفين في قريتي دالية الكرمل وبيت جن. والنبيان اللذان نزور مقاميهما، هما من أعلام الأنبياء. ومن يتعمق في سيرتهما، يحصل على الحصانة التاريخية الشاملة التي يجب أن تتوفّر عند كل من يتبع دين التوحيد. وليس صدفة أن يكون سيدنا أبو إبراهيم (ع) قد مرّ في تجواله في الكرمل المقدس، وسكن فيه فترة من الزمن، كما ليس صدفة، ان يمرّ سيدنا بهاء الدين (ع) بقمة الجبل بجانب قرية بيت جن، وليس صدفة أن نجد مقامات أخرى في بلادنا، التي تحملّت غزوات أكبر القادة من التاريخ، من الفراعنة، حتى الإسكندر الكبير، وأباطرة الرومان، وملوك فرنسا وإنجلترا، ونابليون وغيرهم. وقد حاول كل واحد من هؤلاء، ان يترك اثرا له في هذه البلاد، لكن الاثار الوحيدة ذات الأهمية التي نجدها، هي الأماكن المقدسة لجميع الشعوب، وخاصة المقامات المتعلقة بأنبيائنا. فكل زيارة إلى أي مقام، فيها تجديد للعهد والميثاق، وفيها تحديث لمبادئنا واصولنا، وفيها غوص عميق في الجذور التوحيدية التي تحيط هذا الكون.

زيارات مقبولة وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور
تموز 2017

Image